مقالات وآراء سياسية

“لاتكن ملكيا أكثر من الملك”

الباقر علي محمد الحسن
((،“لا تكن ملكياً أكثر من الملك”) لقد ذاع إستخدام هذه العبارة في أوروبا في فترة الثورات ضد النظام  الملكي والملكية ، وخاصة في جمهورية فرنسا الناشئة وقتها واصبحت مثلاً يضرب على كل من يدافع عن فكرة ما أو شخص ما أكثر من دفاع صاحب الفكرة أو الشخص عن نفسه) .، في هذا المقام أود أن أستعرض كل ما يدور في ساحتنا السياسية السودانية من جدل وحوارات ومكايدات وتناقضات سياسية بخصوص التطبيع مع إسرائيل، وعلى وجه الخصوص تلك الأصوات  التي تعالت رفضا لفتح ملف التطبيع أو السلام مع إسرائيل   ، بالرغم من الظروف والملابسات والغموض الذي إكتنف العملية التي أوجدت مشروع السلام السوداني الإسرائيلي ، والتي جاءت  في وقت حرج على الأقل بالنسبة  للجانب الأمريكي وعلى وجه الخصوص لإدارة الرئيس دونالد ترامب ،والذي  في الأغلب أنها منتهية ولايته، وذلك حسب إستطلاعات الرأي الأمريكي، أصبح الأمر واقعا واصبح حديثا مثيرا للجدل على الساحة السياسية السودانية ، فالظروف لم تكن أحسن حالا بعد ثورة أهرقت فيها دماء غالية ، الحدث لاقى حكومة بأذرعها الثلاثة أنتقالية منقسمة الحاضنة، إن لم نقل مهترئة، ولم تقدم شيئا ملموسا على كل الصعد ، بل تأزمت حياة الناس في معاشهم وسبل عيشهم مع فشل مريع في تأمين مطلوبات الشعب المتواضعة التي لم تتجاوز رغيف الخبز والدواء المنقذ للحياة .تحت تأثير كل هذه الظروف يزداد الشارع إنقساما وتشظيا حول عملية السلام أو التطبيع مع دولة أسرائيل مكايدة أو قناعات أيديولوجية ،إن السلطة الفلسطينية تسعى جاهدة في البحث عن شريك حقيقي للسلام مع إسرائيل ، وكماجاء و ورد على لسان رئيس السلطة الفلسطينية محمود أبو مازن في منصة الأمم المتحدة ، وكما ورد في ثنايا حديثه، إنهم  يبحثون عن سلام حقيقي وتعاون بين القدس الشرقية والغربية وقتما يتم نزول الطرف الإسرائيلي عند الرغبة الفلسطينية والتوقيع على قيام الدولتين ، وجاء ضمن حديثه ، أن السلطة الفلسطينية إعترفت بحق وجود إسرائيل في الوجود كما جاء في إتفاقية أوسلو ،هذا الحديث الصادر من قمة السلطة الفلسطينية جاء أمام دول العالم قاطبة  ، يفهم من حديث رئيس السلطة الفلسطينية ، جواز التعاون مع الكيان الإسرائيلي بالشروط التي تراها السلطة في الضفة الغربية، ومحمود أبو مازن لم يستثني قطاع غزة من تلك العملية أو الإتفاقية التي تمت برضاء الطرفين الفلسطيني ، السلطة والمنظمة ، بل ذهب أبو مازن في حديثه لتكفير المسلم الذي يتجاهر بضديته  لليهود .وفي ظل مأ يسمى بالسلام الأقتصادي سمحت إسرائيل لأكثر من 130 ألف  عامل فلسطيني للعمل داخل إسرائيل بتصريح وبدون تصاريح عمل ، فالعلاقات بين الفلسطينيين والإسرائيليين قائمة وفرضها الواقع والوجود والتاريخ ،في ظل غياب عربي وغياب جامعةعربية تنظم وترعى الحقوق العربية في ظل واقع عربي متحول ومتغير ،إلا أن  شعلة القضية الفلسطينية بدلا من أن تحرسها المواجهات والحروب والإغتيالات ستظل تحرسها أغصان الزيتون واليد  البيضاء الممدودة من غير سوء للجانب الأسرائيلي  ، وكما أسلفنا في مقال سابق ،قد بدأت تتسارع الخطوة العربية لهثا وراء التطبيع مع الكيان الإسرائيلي في ظل الواقع العربي الجديد   ،في حين ان اسرائيل حتى الوقت الراهن لم تعرف ولم تحدد  حدودها للامم المتحدة بشكل رسمي وموثق ، كما أن  العرب الذين يحيطون باسرائيل لا يعرفون حدود اسرائيل ولا حدودهم المتاخمة للكيان الاسرائيلي ، الأمم المتحدة تعترف بحدود اسرائيل مع مصر ١٩٨٣ والتي كانت نتاج اتفاق كامب ديفيد ، والحدود التي تم ترسيمها مع دولة الاردن على ضوء اتفاقية وادي عربة 1994 ، في المقابل لا يوجد ترسيم حدود مع لبنان ولا سوريا ، كما لم يتم تحديد ارض اسرائيل في داخل الأراضي المشمولة بالأحتلال ، فيظل قطاع غزة والضفة الغربية خاضعتان للاحتلال الاسرائيلي ونهمه في بناء المستوطنات  ، لكن الواقع العربي قد تبدل حاله حيث إنتقل الصراع من مرحلة الحروب إلى المهادنة والتفاوض والآن ينتقل إلى التطبيع ، فإضافة لمصر والأردن والأمارات والبحرين ، تجد أن بعض الدول العربية لها مكاتب تعاون اسرائيلية ، ويلحق بالركب،  ركب السلام مع إسرائيل إن آجلا أو عاجلا دول عربية أخرى ، ويعزى الأمر برمته لعمل مخابراتي اسرائيلي أمريكي غربي مدروس وأعد له المسرح على نار هادئة لخلق شرق أوسط جديد.. إن الخطوة التي أقدم عليها السودان قد تخدم بعض المصالح الآنية للحكومة الإنتقالية  ولكن ستخلق فضاء سياسيا مأزوما قد تتعطل فيه كل برامج الفترة الإنتقالية ، كما أن المعارضة من الإسلاميين وحزب الأمة واليسار والبعثيين قد تبطئ من خطوات التطبيع وستزيد من نهم الأنقلابيين على الإنقلابات على السلطة القائمة  وذلك  بإتساع دائرة التآمر على النظام الإنتقالي بأكمله .
قد نتفق أو نختلف مع الأصوات المعارضة للتطبيع ، لكن نختلف مع الحكومة الإنتقالية في عدم الشفافية التي تمت بها اللقاءات مع الجانبين الأمريكي والإسرائيلي إعدادا لأتفاق سلام قد يكون وشيكا ، فالمعارضة التي تتمسك باللآت الثلاثة ، وغيرها من الكتل السياسية التي ترفع شعارات الرفض و الإنسحاب من دعم الحكومة الإنتقالية لن يكن في مقدورها تغيير ما يجري الآن إلا أن يتغير المسرح السياسي برمته ، لكن أي خطوة إلى الأمام في مسألة التطبيع يتعذر الرجوع والنكوص عنها في ظل مترتبات عربية ودولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..