مقالات وآراء سياسية

الثورة السودانية والتحديــات

الشاعر صدام البدوي يوسف

الثورة الآن تواجه اصعب المراحل مع نظام متجذر في اعماق الدولة كالطفيليات في جسد الوطن ،ويتعبر هذا النظام من اخطر الأنظمة في العالم ؛لانهُ ذو طابع العصابات التي تدوار في شكل دوائر سرية ،وما يعزز ترابط منظوماته الحماية والسلطة المطلقة واستغلال القوانين لصالحهم حتي يكون هذا النظام بواجهات الظاهرية خداعية…

النظام غامض لأبعد الحدود وتمكن علي حساب الشعب وامواله ليصبح في شكل ممالك مصغّرة ،وإذا تعمقنا في رمزه الشّجرة نجد العمق والدلائل التي يحملها الرمز، الشجرة لها جذور في عمق الدولة ، وكذلك تتغذي بعروق سرية وظاهرية وكل من يظهر الآن بعد الثورة سقوط أوراقها وليس هيكلها، وهذا مما يجعل صحوة التغيير في مواجهة أرضية ما زالت تتطفّل في هياكل الدولة ومؤسساتها، وكل ما حدث هو مجرد سقوط ناعم للإنقاذ التي جاءات بقوة خفية حتي تمكنت لتبصح دولة عميقة وليست دولة مؤسسات وطنية وإنتاجية بل دولة رأسمالية طفيلية في منظومة الاقتصاد الرأسمالي المبني علي الجبايات والإستثمارات الربوية……الخ ..

ولكن يبقي التساؤل كيف سقطت الإنقاذ سريعاً …..؟؟

في اعتقادي هي فشلت في أدارة دولة ذات مؤسسات لهذا اصبحت تواجه الخطر حتي من داخل منظوماتها المعقدة، فالأفلاس الإقتصادي والسياسي كان بسبب السياسة العميقة وهيكلة الحزب والمنظومات الأمنية للنظام حتي فقدت الدولة هيبتها و مكانتها التي تليق بحجمها الكبير ،لتبصح دولة محتلة ومحتكرة لشريحة معينة …

 

وهذه الثورة الفريدة حمل شباب رماح التغيير وهم يواجهون الرصاص والاعتقال والتعذيب …….الخ لأجل تغيير نظام خلّف لهم وطن عبارة عن جنازة أما تكن متطفل (فساداً) أو تستسلم للواقع المرير وتكن شريفاً، هولاء الشباب ، لم يجدوا مؤسسات وطنية تسع طموحاتهم ولا بيئة ينطلقون منها نحو بناء دولة ذات مناخ ديمقراطي يمثل رغباتهم المختلفة.

 

ما حققته هذه الثورة من توحيد قضية تحرير الوطن واستعادة هيبته ومؤسساته كانت عبارة ملحمة لم يسطرها اي جيل آخر حتي اجيال التحرر الاستعماري في المنطقة، فجيل الانقاذ الذي خرج من رحم المعاناة والانفصال الاجتماعي والحياة الإنعزالية، عزم هذا جيل علي تحقيق حلم محفوف بالمخاطر، تغيير نظام اكثر رعباً، كان هذا التحدي“ بمثابة لعبة الموت“ وخرج الشباب وهم يخلعون الالوان السياسية و المفارقات الإجتماعية ليكون صفاً واحد نحو هدف واحد – اسقاط النظام.

عندما خرج الشباب كان الرصاص يحصد أرواحهم حينها كان الكبار يرتجفون ويظنون بأن اسقاط النظام معجزة ولكن بعزيمة هولاء الابطال تم اسقاط الرؤوس النظام تحت عاصفة 6ابريل التي جعلت النظام في موضع الرعب وليس القوة، هكذا كانت الثورة العذراء التي خجل الكبار منها والإعلام الداخلي الذي وصفها بأنها غير شريعية وكذلك اغلق العالم اعيونه عن احداثها وما تعرضه له من انتهاكات وعمق بأبشع الصور…

 

ولكن رغم سقوط قشور النظام مازالت بقاياه موجودة وتتطفّل علي ما تبقي من مراتع للفساد، وبهذا لم يكتمل طريق التغيير حتي نجد مناخ خالي من بقايا الفساد التي خرجت الثورة لأجل إقتلاع جذور هذه الزُمر المتسلسلة في بناء الدولة، واعتقد هذا تحدي كبير تواجه الثورة حتي تحقق ما قامت من اجله الثورة لبناء دولة ذات مؤسسات وكفاءات لبلوغ الاهداف السامية.

 

وايضاً من اكبر التحديات الصراعات السياسية التي تخصم من رصيد الثورة وربما تعيق تحركها نحو تحقيق الشعارات علي ارض الواقع، وهذا الصراع ليس بجديد فحدث في الثورات السابقة مما جعل للإنظمة الشمولية الاستبدادية فجواءت لتنقيذ الانقلابات العسكرية لحجب المناخ الديمقراطي.

ومن المخاطر التي تواجه الثورة المنظومة الامنية للنظام المتغرطسة ذات العصبية الدموية وهذه تعتبر عقبة تشكل خطراً في تنفيذ اية برامج سياسية مدنية لتحقيق اجواء مستقرة.

ومن التحديات تقلدية الاحزاب في تصفيات الحسابات الخاصة علي حساب الوطن مثل : الاقصاء والتهميش وعدم الاتفاق في قضايا الوطن والعمل المضاد لإعاقة الاطراف المختلفة فكرياً حتي تكن خصماً علي الوطن، والتحديات الخارجية تعتبر جسراً لتري الثورة شروقها لتسطع للعالم بمنهج جديد و وطن جديد، ولكن المعادلات السياسة الخارجية اكثر تعقداً في تؤامة الأيدولوجيات والمصالح المتبادلة وهذا الجسر عبوره يحتاج انعكاس للسياسة الداخلية المفتوحة الافآق الأقليمية..

الثورة الآن تحتاج دقة عالية من الوعي والصبر بعيداً عن العواطف حتي تحقق غاياتها ،حالياً هي كالفتاة في قفص الكل يريدها عنوةً دون حب وهي تشتهي احلام من صنعها وليس من يريد اغتصابها حتي يتكرر نفس الرحم الذي اجهض منه النظام ..

 

الشاعر صدام البدوي يوسف <[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى