
صديقي الاجنبي دارس للتأريخ السوداني ، أتحاشي أن أخوض معه في مناظرة لاني الخاسر لا محالة ، أكتفي بالاستماع اليه ينثر ما يعجبني وما لا يعجبني عن تأريخ السودان. يحدثني عن مجاعة ) سنة ستة (كما يحلو لنا تسميتها أو المجاعة التي حدثت في العام الهجري 1306 خلال حكم الخليفة عبد الله التعايشي.
يسهب صديقي الاجنبي في التحليل ويتقاصر فهمي عن اللحاق بما يقول ، أقف في حديثه عند حشد الخليفة لأهل الزراعة والرعي في البقعة وتقاطر المحبين والمريدين من مختلف مناطق الغرب القريب والبعيد ذاك في نيجريا وتشاد . تركوا الارض وأقبلوا علي سن السيوف واقتناء ماضيات الحراب وقويات السيقان والأرداف من الخيل و أنواع الركاب استعدادا لغزو مصر. ثم تلك الرسائل لملكة انجلترا يدعوها للدخول في الاسلام. يختم صديقي حديثه بأننا شعب يترك حاله المائل ليصلح نفوس الاخرين ويخرب دياره بزعم اعمار ديارهم.
ثم لا ينسي صديقي أن يعرج الي فعل قادتنا بعد الاستقلال ، حراكهم وعراكهم للاتحاد تحت راية التاج المصري ، يرفضون أرض السودان كعنوان للوحدة ويرفعون بدلا عن ذلك قميص عثمان ، قطرات من دماء عربية جرت في عروق البعض يرفعونها عاليا عنوانا لوحدة أمة السودان ويغفلون في حميتهم التنوع الجغرافي الذي يؤسس للسان عربي ينطق به الاهل من نمولي الي حلفا حال صار السودان وطنا و السوداني قبيلة وأهلا.
لم يتغير حالكم – أهل السودان- في التأريخ القريب حلت بكم المجاعة في العام 1984-1985، تواصل حديث قادتكم و فارق التوسع في الزراعة والرعي وسار علي نهج الخليفة التعايشي ، تحدث بعض قادتكم عن اصلاح العالم وتحقيق المصالحة بين الشيعة والسنة ، حديثا يخال للمرء أن تلك المصالحة تعني كثيرا أهل السودان وأنها حتما حالة اكتفاء سوداني من محصول الذرة بديلا عن عيش ريجان.
يغيظني ويثير حنقي حديث صديقي الاحنبي ، يذهب الي تذكيري بالحفاوة التي قوبل بها كتشنروهو يغزو السودان ويخلص أهله من حكم الجهادية وغلظتهم في جمع الاموال والأنعام من أهل السودان ، سموه فتح السودان وعمروا دياركم – يزيد صديقي الاجنبي – ويكيل المدح للغازي الدخيل ويقارن اعمار البلاد بعد الخراب ، قوبل كتشنر وغزوه مقابلة الابطال وفرح السودانيون بانتهاء حكم الخليفة عبد الله التعايشي كما يردد صديقي الاجنبي ، وعلي صحة ما يقول تأبي نفسي (الترامبية) المعيار قبول النتيجة والمقارنة بين حكم الخراب ودولة الاعمار والتحديث يبنيها الخواجة.
ربما كتب الله أن نكرر دورات الحكم في السودان ، خراب بأيدي النجباء من الابناء يعقبه عمار وإصلاح يحمله لديارنا الخواجة الاجنبي ، صياح وزعيق لثلاثين من عجاف السنين يبشرنا (الاخوان) بالآكل من زرعنا واللبس من صنعنا ثم ينمو السرطان في أجسادنا من أكلنا وشربنا وصنع لنا البشير وزمرته ذاك السد الذي سد النفوس وأعاق جريان النيل .
في انتظار الخواجة للأعمار، تلك كانت عبارة صديقي الاجنبي وهو يرسم مقاطع من تأريخ السودان ، أحاول الفرار من سماعها الا أن النفس أيضا تعرضها سرا كلما حاولت في الصحو التناسي.



