أخبار مختارة

جريمة فض الاعتصام واقعة مفصلية في مسار عملية التغيير

الخرطوم: نهى حسن

بعد مرور أكثر من عام على مجزرة القيادة العامة وتغير المشهد السياسي، ما زالت عشرات الأسر تنتظر ظهور أبنائها ممن شاركوا في الاعتصام واختفوا بعد يوم المجزرة، في حين هدأت نفوس بعض الأسر التي عثرت على جثث أبنائها بعد أيام من اختفائهم، لكنها تنتظر القصاص العادل لهم.

شكلت جريمة فض الاعتصام واقعة مفصلية في مسار عملية التغيير وهي نتاج فكرة ما زالت قائمة ولذلك لا بد من التفكير المسبق حول ما يمكن أن تحدثه من مخاطر على الفترة الانتقالية ومستقبل الديمقراطية في السودان.

ولا بد من العمل لإعادة المعادلة إلى وضعها الصحيح الذي يبدأ بالقضاء على طموح العسكريين في الحكم، وذلك بوضعهم في مكانهم الطبيعي كمطلوبين للعدالة الدولية.

بعد أيام من فض الاعتصام أفرجت سلطات المجلس العسكري الانتقالي عن مجموعة من المعتصمين تم احتجازهم قسرياً في أماكن سرية بعد أن اعتقلتهم قوات ترتدي أزياء عسكرية يعتقد أنها نفسها التي شاركت في فض الاعتصام، في إطار حملة عنيفة صاحبتها انتهاكات أمنية وحقوقية واسعة.

أشار المحامي علي عجب إلى أن هذه الجريمة يتم التعامل معها الآن باعتبارها أزمة مؤجلة دون إيجاد أي مخرج، ولم تستكمل قدرات الحكم المدني بما يقلص من قدرة العسكريين والتقليل من طموحهم السياسي. المصير القادم محتوم، ولذلك طرح هذا الموضوع بشكل جاد ومنظم سيجد التأييد وسيدخل المجتمع الدولي في الصورة بالتعرف على مخاوف المجتمع المدني السوداني، وهذا على أقل تقدير سيجعل الجانب العسكري في وضع أضعف مما هو عليه الآن. ومن الناحية الموضوعية فان لجنة التحقيق لن تستطيع أن توجه اتهام لأفراد المجلس العسكري لنفس الأسباب المذكورة، ولذلك لا بد من دفع الحكومة المدنية لخلق أوراق ضغط موازية.
تم البحث في هذا الملف وملابساته ومتغيراته، وأجريت مقابلات عدة مع أهالي وأصدقاء بعض المفقودين، رصدت من خلاله معاناتهم في البحث عن أبنائهم في المستشفيات وأقسام الشرطة والسجون وحتى داخل ثلاجات الموتى.

بقي الكثيرون قيد الاختفاء حتى الآن، في حين لفظ النيل جثث بعضهم، ووجد آخرون في المشارح وقد قتلوا في ظروف غامضة، ودفن بعضهم كمجرد أرقام.
نشطت مجموعات ومبادرات تطوعية على صفحات التواصل الاجتماعي تهدف إلى العثور على المفقودين عبر نشر صورهم ومعلوماتهم، لكن هذه المبادرات كانت غير رسمية وفشلت في التواصل مع الجهات الحكومية بطريقة مباشرة.
وظهرت مجموعات من المحامين وناشطي حقوق الإنسان مارست الضغط على الجهات العدلية للإسراع في تكوين لجنة تحقيق رسمية تميط اللثام عن أماكن المفقودين.

شدد المحامي علي عجب، كما قلنا من قبل لن تستطيع لجنة التحقيق في فض الاعتصام توجيه الاتهام لأعضاء اللجنة الأمنية لأسباب يعلمها الجميع. وقد كانت مطالبة الشعب السوداني واضحة قبل توقيع الوثيقة الدستورية، في أن جريمة فض الاعتصام جريمة دولية ينبغي أن يتم التحقيق فيها بواسطة لجنة دولية، والهدف من ذلك كان أيضاً واضحاً وهو أن تقديم الجناة الحقيقين للعدالة أمر غير ممكن لأي لجنة وطنية طالما أن من ارتكبوا الجريمة هم أنفسهم من يشاركون بسلطات سيادية عسكرية في حكم البلاد.

• تضارب في إعداد المفقودين:

تعددت المبادرات واللجان الساعية للعثور على المفقودين، واختلفت في حصر أعدادهم. فتجمع المهنيين السودانيين أصدر بياناً صدر في 20 يوليو 2019 عن اختفاء مئات الأشخاص قسرياً بعد المجزرة، وأطلق حملة للبحث عنهم، لكنه لم يحدد عدد المفقودين.

وفي أغسطس كشف التجمع عن العثور على 40 منهم. أما مبادرة “مفقود” وهي إحدى المبادرات الطوعية التي قامت بعد فض الاعتصام، فقد أعلنت في ذات التوقيت عن ظهور 45 مفقوداً، ولا يزال 22 آخرون مجهولي المصير اختفوا قبل وبعد فض الاعتصام بحسبها.

وعن سبب هذا التضارب في أعداد المفقودين يرى عثمان البصري عضو لجنة المفقودين والمحامي المكلف من أسرهم أنه من الصعوبة حصر أعدادهم لأسباب مختلفة، أهمها أن بعض الأسر لم تدون بلاغات فقدان، والبعض الآخر يسكن القرى الطرفية بمختلف مدن السودان، وهؤلاء تحديداً درج أبناؤهم على الابتعاد عنهم لشهور.
ويضيف البصري بأن ميدان الاعتصام كان نموذجاً مصغرا من السودان ضم عدداً كبيراً من المواكب التي أتت من الولايات المختلفة للمشاركة في ذلك الحدث، موضحاً أن لجنة المفقودين لا تزال تتلقى بلاغات الفقدان رغم مرور عام على فض الاعتصام.
• رحلة بحث الأهالي :
بدأت معاناة أسر المفقودين لحظة سماعهم بفض الاعتصام، ومنها بدأوا رحلة البحث عنهم بكل الطرق الممكنة، وعلى الرغم من تدوين بلاغات الاختفاء في محاضر الشرطة واتباع كل الإجراءات القانونية إلا أن الجهات المسؤولة لم تتحرك خطوة في البحث عنهم أو الرجوع لأهاليهم.

ووفق التقييم الذين يقوم على ما هو متوافر حتى الآن من معطيات فإن الفرضيات القائمة حول وضع المفقودين تشير إلى ما يلي:

– إنهم قتلوا أثناء فض الاعتصام وتم تحويل جثثهم إلى المشارح، والقليل منهم تم التعرف عليهم من خلال مقتنياتهم أو عبر تحليل البصمة الوراثية DNA. أما بقية الجثث في المشارح فكان من الصعب التعرف عليها عبر هذا التحليل، ولصعوبة الاحتفاظ بهم لتشوه الجثث وتكدسها ولعدم وجود العدد الكافي من ثلاجات الموتى لاستيعابهم، دفنوا في مقابر خصصت لهذه الحالات دون التعرف عليهم.

– إنهم قُتلوا أثناء فض الاعتصام بواسطة القوات الأمنية وتم التخلص من جثثهم في النيل أو دفنهم في مقابر جماعية بأماكن مجهولة، وما يعزز هذه الفرضية الحالة التي وجدت عليها جثتا قصي، وياسر، كذلك ظهور شهود عيان تحدثوا عن وجود مقابر جماعية غربي مدينة أمدرمان.

– إن بعض المعتصمين تعرضوا لتعذيب وضغوط نفسية حادة بعد مشاهدتهم لعمليات القتل الجماعية والانتهاكات الجسيمة التي حدثت هناك من سحل وترويع فأصبحوا هائمين على وجوههم في الشوارع ولا يعرف لهم مكان.

– إنهم اعتقلوا أثناء فض الاعتصام وتم ترحيلهم إلى معتقلات وأماكن سرية، وهذا يعني أنهم لا يزالون قيد الاحتجاز القسري.
وقد تكون جميع هذه الاحتمالات قد حصلت معا.

بعد مضي عام كامل على فض الاعتصام لا يزال أهالي المفقودين ينتظرون معرفة مصير أبنائهم الغائبين وما إذا كانوا أحياء فيرجون عودتهم أو أمواتا فينعونهم. في حين يترقب الرأي العام في السودان نتائج لجنة التحقيق لمعرفة الجهة أو الجهات التي قامت باحتجاز وإخفاء هؤلاء الأشخاص.

المقبرة الجماعية في أمدرمان تثير التساؤلات حول المفقودين:

نشرت لجنة التحقيق بشأن اختفاء هؤلاء الأشخاص تعميماً صحافياً في 11 نوفمبر الحالي، يؤكد العثور على بعض المفقودين في مقبرة جماعية اكتُشفت حديثاً. وأشارت البيانات إلى أنه من المرجح أن تكون من بينهم جثامين لمفقودي “اعتداء فض اعتصام القيادة العامة”، “دُفنوا بصورة تتنافى والكرامة الإنسانية”، بحسب اللجنة، التي أكدت استمرار التحقيق بشأن مصير من فقدوا قسراً في أحداث ثورة ديسمبر 2018.

من جهة أخرى، أثار خبر العثور على المقبرة الجماعية غضب أسر القتلى والمفقودين، فعبروا عن حزنهم إزاء نبش جراحهم وجراح كل السودانيين. ومن جانبه أوضح الطيب العباسي رئيس لجنة المفقودين عثرنا على المقبرة وقد (سويت بالأرض في شكل مطمورة بطريقة لا يمكن كشفها بسهولة وسنستعين بفريق فني متخصص ومحايد لنبش المقبرة ) .

إن “اكتشاف” المقبرة الجماعية بعد سنة وخمسة أشهر وعدة أيام، دليل على البطء وعدم الجدية في الأداء الخاص بالتحقيق، وإذا أضيف لذلك وجود جثامين مجهولة في المشرحة حتى الآن يؤكد ذلك، وكان يمكن أن تصدر نشرة جنائية تعمم على كل الصحف وعبر كل وسائل الإعلام وتجعل من تحقيق تطور إيجابي القضية هم جماعي لأنها في الأساس قضية رأي عام.

من جانبه أوضحت الأستاذة رحاب المبارك المحامية عن مفقودي مجزرة القيادة العامة أن أخر الاكتشافات كانت للمقابر الجماعية والثابت حقاً أن هنالك ٣ دفارات بها قرابة ال٣٠٠ جثمان تتبعها ٣ تاتشرات وعربه فنطاس مياه وحفار قد تحركت من داخل القيادة العامة حتى وصلت إلى منطقة المرخيات وقيل أن الدم كان يسيل غزيراً حتى غطى الطرقات وعند وصولهم للمنطقة حُفرت ٣ مطامير متباعدة لمسافة قريبه جداً لا تتعدي المتر الواحد ودفن في كل مطمورة من ٥٠ ل٧٠ جثمان بكامل لبسهم وهيئتهم الكاملة ومن ثم تم غسل الدفارات المليئة بالدم السائل بعربه المياه التي كانت تتبعهم .

إن إكمال عملية نبش المقابر الجماعية وإعادة التشريح ستحدد بما لا يدع مجالاً للشك تاريخ تعرض الضحايا للقتل، وسبب الوفاة، وكامل التفاصيل التي تثبتها إجراءات المعامل الجنائية والطب الشرعي، وفي هذا الخصوص رأينا ومطالبنا أن تتم الاستعانة بخبراء دوليين في هذه المجال لضمان نتائج سليمة.

إن محض الإعلان عن “اكتشاف مقبرة جماعية ” لن يؤدي إلى إغلاق الملف ولن يصبح بديلاً عن الإجابة بخصوص أوضاع المفقودين وهل هم على قيد الحياة؟ وإن كانوا قد توفوا إلى رحمة الله سيطرح سؤال أخر: متى حدث ذلك ولما وكيف.. وبيد من؟

وستظل المسؤولية على عاتق الجهات الرسمية وقت ارتكاب الجرائم – إن كانت حديثة أو قديمة – إلى أن يتم تقديم المسؤولين عن ارتكابها.

وبهذا الخصوص وفي شأن انتهاكات حقوق الإنسان عموماً نود أن نشير إلى أنه لا يحق لأي جهة أن تمنح العفو لمنتهك في أي موقع كان، وليست هنالك حصانة لمجرم، ولن تمرر اية قوانين تحمي الجناة مهما أعد لذلك من عدة.

وعلى الحكومة الانتقالية أن تشرع فوراً في طلب الأطقم الدولية المتخصصة في الطب الشرعي والأدلة الجنائية والتي سبق لها أن تعاملت مع سوابق لمقابر جماعية. وعليها أيضاً ضمان تحريز موقع المقابر الجماعية المكتشفة والتأكد من منع العبث بالأدلة.

وشرعت أسر القتلى في التضامن مع أسر المفقودين. وقالت الدكتورة أميرة كابوس والدة محمد مطر الذي سقط في الاعتداء، “نحن أسر الضحايا نتألم كلما تذكرنا المفقودين، فهم أخوان ورفقاء أبنائنا. ونتألم أشد الألم لأن يكون من ارتكب هذه الفظائع حراً طليقاً يعيش بيننا من دون عقاب أو رادع. نحن نجد العزاء في زيارة قبور أبنائنا، ونتذكر المفقودين وأهلهم الذين لا يعلمون مصير أبنائهم، هل هم أحياء معتقلون أم ماتوا”.

ورأت كابوس أنه “يجب أن تكون قضية الضحايا والمفقودين إحدى أولويات حكومة الثورة وكل الأجهزة العدلية، لأن السلام لن يحل ما لم تتحقق العدالة والقصاص. نثق في القضاء السوداني وقبل كل شيء نثق في عدالة السماء. يجب أن يعلم العالم أجمع أن ما حدث أمام القيادة العامة جريمة ضد الإنسانية، فقد تم الحرق والقتل والاغتصاب والتخلص من الضحايا بطريقة بشعة”.

ووفق التكهنات السائدة حالياً فقد توزعت الاتهامات على عدة جهات يعتقد أنها شاركت في فض الاعتصام ومنها قوات الدعم السريع وقوات الدفاع الشعبي وما يعرف بكتائب الظل والمليشيات الطلابية التي كان يشرف عليها مسؤولون في النظام السابق، بينما يُستبعد مشاركة قوات نظامية في عمليات الإخفاء القسري.
الميدان

تعليق واحد

  1. مدير شرطة الخرطوم الاسبق في ولاية الخرطوم اقسم بالله أن ولا شرطي واحد في ولاية الخرطوم قد شارك في فض الاعتصام وذلك بأمر منه ويتحدى كل من يأتي بعكس ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..