مقالات وآراء سياسية

مخاطر القاعدة الروسية في السودان

مصعب المشرف

في عام 2017م تزايد إحساس الرئيس المخلوع عمر البشير ونظام الكيزان البائدة ….. تزايد إحساسهم وقناعتهم بأنهم في الطريق نحو الهاوية ومزبلة التاريخ لأسباب كثيرة كان أبرزها الفشل الإقتصادي والإختناق السياسي وتفكك نظامهم الأمني البوليسي الصارم الذي إنقلب بسحره على الساحر . وتحوّل مارشالاته  وجنرالاته إلى الإنشغال بحوائجهم ومصالحهم وشراكاتهم النائمة  ، وتحصيل عمولاتهم وأتاواتهم المالية الخاصة لدي رجال الأعمال والسماسرة ، تاركين مهامهم الأمنية الرسمية الجوهرية في أيدي مساعديهم وعصافيرهم من المستجدين والمراهقين أصحاب الرتب الصغيرة العرفاء والرقباء والملازمين.فكان أن غابت الإستراتيجية وسادات الهرجلة والعشوائية . وما ملابسات مقتل الشهيد الأستاذ أحمد الخير ببعيد.

وكان عمر البشير على سذاجة قراءته للمشهد وحدود تفكيره وسوء إعماله لدماغه ، قد أعجب بالمعالجة الروسية الدموية لثورة الربيع العربي في سوريا خاصة . ورأى فيها طوق النجاة لنفسه . وطمِع في أن بوتين سيسانده بذات النموذج والقدر في حالة لو منحه قاعدة عسكرية بحرية على البحر الأحمر شبيهة بقاعدة طرطوس في سوريا. وبذلك يضمن قمع الشعب السوداني ، ويضمن البقاء على الكرسى مدى حياته , وبما يعني إفلاته من كابوس المحكمة الجنائية الدولية على أقل تقدير .

في ثنايأ الخبر الجانبي الذي إنفردت به صحيفة البرافدا الروسية (في نسختها الإنجليزية) . وكان ذلك بتاريخ 12/11/2020م . أكدت الصحيفة أن فكرة إنشاء القاعدة الروسية البحرية قرب بورتسودان على البحر الأحمر قد إختمرت لدى الرئيس بوتين بعد أن عرض عليه الرئيس السوداني عمر البشير (المخلوع فيما بعد) خلال زيارته إلى موسكو عام 2017م بناء قاعدة روسية عسكرية في السودان . وربط  عرضه ذاك بأن “السودان” يتعرض لتهديدات أمريكية . وبما معناه أنه يقايض الروس بحماية نظامه وضمان إستمراره على سدة الحكم وليكن بعد ذلك الطوفان.

 

والجدير بالذكر أن زيارة المخلوع لموسكو كان قد سبقتها زيارة مفاجئة له إلى دمشق بغرض اٌلإطلاع على تجربة حزب البعث السوري مع الروس . وطمعاً في أن يتوسط له بشار الأسد لدى بوتين.

وكان من ضمن المفاجآت التي صدمت عمر البشير لاحقاً أن بوتين قد تجاوز الأعراف الدبلوماسية عن سبق إصرار وترصد ؛ وأمر بفتح المايكروفون على الهواء مباشرة ، وإذاعة توسلات عمر البشير له بأن يحميه من شر الأمريكان ويعرض عليه بناء قاعدة روسية في بلاده على الملأْ. وهو ما أدهش العالم وأصاب كرامة السودان حينها بجرح عميق . على الرغم من أن السودان لا حاجة له في هذه القاعدة ؛ ولا ناقة له في أمر هذه التوسلات ولا جمل.

كان المخلوع بشّـة وقتها مشوشاً يائساً بائساً ، كالغريق يبخث عن قشة . وعلى إستعداد للتسليم بأي أمر والقبول بأي شروط ليمد في أيامه . ولم يكن يعنيه أو يفكر سوى في  ” إنقاذ ” نفسه.

واليوم بعد ثورة ديسمبر الشعبية الخالدة بإذن الله . فإنه تثور تساؤلات عديدة حول جدوى أن يمضي السودان قُدُماً بهذا الشبق البقري وهذه المجانية الإستثنائية في منح الروس رخصة بناء قاعدة عسكرية بحرية ضخمة داخل أراضيه على ساحل البحر الأحمر . وما هي المصلحة التي يتوقع السودان جنيها من وراء ذلك؟

 

ومع قناعة شخصية بأن مسألة “إستنساخ” التجارب العربية خاصة ليس بالضرورة أن تفلح وتعالج أو تصلح للحالة السودانية والسيطرة على شعوبه بأدواتها ووسائلها ونماذجها النمطية ؛ بوصف تفرد السودان يتنوعه العرقي وعلاقاته وتداخلات مواطنيه العرقية مع الشعوب من حوله . فإن من الضروري “دوام” إعادة التأكيد بأن عضوية السودان في جامعة الدول العربية  لا تلغي حقيقة جيناته وموروثاته وثقافاته الأفريقية الغالبة الأخرى . والتي تسهم بأكثر من 95% ضمن قناعاته وتصرفاته وردود أفعاله ، وطبيعة مقاومته الحيوية وتحديه المستمر لكل محاولات إلغاء شخصيته والسيطرة عليه بالعنف والقوة حتى لو كلفه ذلك حياته.

وطالما كان الأمر كذلك فإننا نستغرق في التفاصيل أكثر . ونعيد ذات التساؤل المتعلق بمدى حاجة المكون العسكري أو قيادات الكغاح المسلم ثم والقوى الوطنية المدنية الجديدة التي جاءت بها ديسمبر  وسلام جوبا … مدى حاجة هؤلاء أنفسهم إلى الإستعانة بالنموذج البعثي السوري وإستدعاء قاعدة عسكرية روسية؟

يزعم البعض بأن السودان اليوم قد تجاوز عصر الإنقلابات العسكرية وتجاوز فيما تجاوز العالم حكم العقائديات والآيدلوجيات والطوائف هو زعم مردود عليه يقول الله عز وجب في محكم تنزيلة : “وتلك الأيام نداولها بين الناس” . ولن يزول إحتمال الإنقلابات العسكرية حتى يتم التوصل إلى آلية ديموقراطية مؤسساتية تحول دون ذلك.

ومن ثم فلا مناص من إن نأخذ للأمر عدته ، واحتطنا بعدم السماح بتكرار التجربة الأقغانية والسورية مع الشمولية الروسية . لاسيما وأن روسيا وإن مانت شمولية . فإنها دولة عظمى ولها حق الفيتو . وبما يعني أنها فوق كل حساب وعقاب دولي . ويستطيع نظامها السياسي إتخاذ ما يشاء من قرارات ما بين عشية وضحاها أو أن تفعل ما تشاء في بلاد الغير دون أن تتعرض لقرارات أممية عقابية كتلك التي تتعرض لها الدول غير دائمة العضوية في مجلس الأمن.

والملاحظ أن روسيا لا تنكر أن الغرض الإستراتيجي من إنشاء هذه القاعدة البحرية الحربية النووية هو السيطر على الإقليم المحيط بها…… وهذه كارثة محدقة.

ومن أخطر ما جاء في الإتفاقية الخاصة بهذه القاعدة البحرية العسكرية هو النص على الآتي:

[ستكون روسيا قادرة على نشر مواقع عسكرية مؤقتة في السودان لحراسة قاعدتها البحرية خارج الإقليم الذي ستتمركز عليه].

بمقتضى ذلك . فإن الإتفاقية تبيح وتشرعن وتقنن للجيش الروسي أن يتواجد تلقائياً (دون حتجة لموافقة سودانية مسبفة) في كل متر مربع داخل الأراضي السودانية متى شاء وكيف شاء ، بذريعة “حراسة قاعدته العسكرية”. وبالطبع ستكون لهذه القوات الروسية حق إستخدام فضيلة الردع والإجهاض الإستباقي لما ترى من وجهة نظرها أنه يشكل تهديداً لقاعدتها البحرية النووية . سواء أكان هذا التهديد صادر من الجنينة أو  كادوقلي ناهيك عن القضارف وسنكات.

وعبارة حراسة وحماية قاعدته العسكرية هذه فضفاضة وفيها من التفاصيل ما يفوق داخل جوف الفرا من الصيد.

 

لقد تبدلت الأحوال في السودان والمنطقة رأساً على عقب بعد زوال دولة الكيزان . وشيئاً فشيئاً يتحول أعداء وخصوم الأمس في الدول المجاورة إلى أصدقاء وحلفاء . وهو ما يثير العديد من الأسئلة حول مدى تأثير إستضافة السودان لهذه القاعدة البحرية الروسية النووية على علاقاته الخارجية مع الدول العربية والأفريقية المجاورة . ثم ومدى تأثيرها السلبي الفادح على توافر الثقة والعلاقات مع الولايات المتحدة والعالم الغربي بأسواقه الواسعة الثرية وإستثماراته الشفافة ، وتكنولوجيته المتطورة وأنطمته الديموقراطية الحقيقية الراسخة ؛ التي لا تستسهل العنف والمسارعة إلى القمع والتطواف بطائرات الإنتينوف وإسقاط البراميل المتفجرة على رؤوس الجميع الثابت والمتحرك والمربوط بلا فرز .

ثم ولماذا تتطور وتتقدم خطوات المضي في إنشاء هذه القاعدة على الجانب الرسمي الروسي في داخل وزارتي الدفاع والخارجية الروسية وحتى وصلت إلى توقيع الرئيس بوتين في الكرملين الإثنين 16/11/2020م على إتفاقيىة إنشاء وتشغيل هذه القاعدة . في الوقت الذي يلزم فيه الجانب السوداني الرسمي السرية والصمت المريب على نسج قناعات منتصف القرن الماضي؟

وإذا سلّمنا جدلاً بمحاذير ومخاوف الإعلام الحكومي الرسمي بوصفه لا يزال مُسَيَّراً غيرَ مُخيَّر  . فإن المدهش أن لا تبدي وسائل التواصل الإجتماعي إهتماماً بالأمر حتى اللحظة على رغم خطورته على إستقلال وحاضر ومستقبل البلاد ….. ويبدو أن إنشغال الشعب بصفوف الخبز والبنزين والكهرباء والبحث عن لقمة العيش والأدوية المنقذة للحياة قد جعل من الإهتمام بهذا الخبر وتداوله ضربا من ضروب الرفاهية.

وقد تم ملاحظة أن إذاعة مونت كارلو الفرنسية قد أوردت مقتطف مقتضب من الخبر في نشرتها الإخبارية صبيحة يوم الإثنين 16/11/2020م حيث أشارت إلى أن الرئيس الروسي بوتين قد فرغ من التوقيع على نص الإتفاقية الخاصة بإنشاء هذه القاعدة وبما يضعها موضع التنفيذ.

من جانبها إنفردت البرافدا بنشر تفاصيل ملخصها أن الوثيقة التي أعدت بها وزارة الدفاع الروسية مشروع القاعدة البحرية في السودان حملت الرقم 643/5000 . وتقول المعلومات أن الموافقة الروسية قد شملت وزارة الخارجية والمحكمة الروسية العليا ومكتب المدعي العام ولجنة التحقيق في الإتجاد الروسي . قبل أن يوافق رئيس الوزراء الروسي ميخائيل ميشوستين على تقديمها للتوقيع عليها من جانب الرئيس بوتين. توطئة لنشر المرسوم على الموقع الرسمي للمعلومات القانونية.

وأما عن الجانب السوداني الرسمي . فلم تورد الصحيفة إسماً ولا منصباً ولا رتبة أو مؤسسة.   

ويوضح هذا المرسوم (الروسي) أن روسيا تعتزم بناء قاعدة عسكرية لوجستية في السودان – عبارة عن تشكيل عسكري للقوات المسلحة للاتحاد الروسي مزود بمعدات عسكرية وأخرى خاصة.

  • تحتوي القاعدة على مرافق لرسو السفن الحربية الروسية وإصلاحها.
  • سيتم بناء المركز اللوجستي في البحر الأحمر من قبل الجانب الروسي وعلى نفقته.
  • تستوعب القاعدة 300 عنصر بشري كحد أقصى. ولايسمح لأكثر من أربع سفن تابعة للبحرية الروسية البقاء في القاعدة في وقت واحد ، بما في ذلك السفن التي تعمل بالطاقة النووية ، بشرط الامتثال لمعايير الأمن النووي والطاقة.
  • وبحسب المشروع ، ستكون روسيا قادرة على نشر مواقع عسكرية مؤقتة في السودان لحراسة قاعدتها البحرية خارج الإقليم الذي ستتمركز عليه.
  • سيضمن الجانب السوداني حماية الحدود الخارجية للمركز اللوجستي.
  • روسيا بدورها ستكفل حماية حدود المنطقة المائية حول القاعدة ، فضلاً عن مهام الدفاع الجوي ، ومسئولية الحماية الداخلية والحفاظ على القانون والنظام على أراضي القاعدة.
  • سيتم تنفيذ عمليات القاعدة وفقًا لمعايير ومتطلبات السلامة البيئية التي تحددها تشريعات الاتحاد الروسي. وستتعهد إدارة القاعدة بـ “اتخاذ كافة الإجراءات الممكنة لمنع إلحاق الضرر بالسكان المحليين والموارد الطبيعية والقيم الثقافية والتاريخية للسودان”.
  • وبحسب التقارير الأولية ، فإن الاتفاقية ستكون سارية المفعول لمدة 25 عامًا مع إمكانية تمديدها.
  • ووفقاً لرؤية الجانب الروسي فإن هدف وأغراض هذه القاعدة العسكرية روسية في السودان هو التأثير على خطط الولايات المتحدة للهيمنة على العالم .

ووفقاً لما ورد في المرسوم المشار إليه فقد جاء فيه: “أن روسيا تتفهم أن إيجابيات القاعدة البحرية المزمع إنشاؤها تفوق تلك السلبيات التي شكك بها بعض المستشارين الخبراء من تكلفة الإنشاء الباهظة. بوصفها ستكون قاعدة عسكرية متكاملة. كما أن القلق من هشاشة الوضع السياسي غير المستقر في السودان لم يعد ماثلاً اليوم.

وذكر المرسوم بالأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن لدى روسيا. وأن هذه القاعدة البحرية في السودان ستعزز مكانة الإتحاد الروسي في المنطقة ، بالنظر إلى أنها لا تمتلك حالياً سوى قاعدة عسكرية واحدة على البحر الأبيض المتوسط في طرطوس السورية. ومن ثم  يعتقد خبراء في الجغرافيا السياسية أن إنشاء قاعدة مماثلة في منطقة البحر الأحمر سيعزز بشكل كبير مكانة الاتحاد الروسي في المنطقة في رأيهم ، وستصبح القاعدة ضامناً للاستقرار في المنطقة وستؤثر بلا شك على خطط الولايات المتحدة للسيطرة على الإقليم.

كل الذي ورد في المرسوم الروسي أعلاه الذي شكل الحاشية التي وقع بمقتضاها رئيس الوزراء الروسي والرئيس  بوتين على الإتفاقية يشير إلى منافع الروس من إنشاء هذه القاعدة ….

ولكن الغائب الأكبر يظل دائماً هو السودان وشعبه . الذي لو مضى في تنفيذ هذه الإتفاقية . فإنه لاشك ستثور أسئلة كثيرة مبررة ومنطقية حول مدى الفائدة التي ستعود على السودان مقابل ما سيتكبده من خسائر تنازله عن أجزاء من أراضيه . وربما إستنساخ نموذج بشار الأسد لاحقاً (لا قدر الله) إذا إعتلى مغامر عسكري سدة الحكم على حِينِ غِـرّة بسندٍ  حزبي آيدولوجي مُشوّش  أو طائفي مخبول ؛ ثم جثا مفتي من فصيلة “عبد الميت جوزيف” تحت قدميه . ليفتي له بما لم يفتي به الأوائل . وأعاد عجلة البلاد إلى الوراء واستعان بالروس لضرب شعبه وقتل نصفهم ، وهدم بيوتهم ومساجدهم وأسواقهم على رؤوسهم كما تفعله روسيا في سوريا بلا هوادة.

الطريف أن عبارة “الخسائر الباهظة” التي وردت في المرسوم الروسي وفق تقييم بعض الخبراء الروس المعارضين للمشروع . هذه “الخسائر الباهظة” تتعلق فقط بـ “تكلفة الإنشاء” . ولم يشير المرسوم الروسي من قريب أو بعيد إلى تكاليف تتعلق بأموال ومنافع يحصدها السودان؟

أخطر ما جاء في المرسوم الروسي المتعلق بإنشاء هذه القاعدة التي تشمل سفن حربية نووية وطائرات حربية هو السماح لروسيا بمهاجمة وضرب أهداف (غير عسكرية) داخل حدود السودان . وهو نفس المبرر الذي تتخذه روسيا اليوم في قصفها لمنازل وقرى ومدن الشعب السوري. فقد جاء في أحد بنود هذا المرسوم .وهذا البند واضح أنه  قد كان مصمما على مقياس عمر البشير ولحمايته على غرار النموذج السوري.

 

مصعب المشرف

[email protected]

تعليق واحد

  1. هل يستطيع 300 رجل احتلال السودان انا شخصيا لا أستطيع الخروج من المنزل الا في أوقات معينة آمنوا أنفسكم جيدا أمريكا لن ترحمكم فهي بنيت هكذا على عدم الرحمة الأفضل لكم ان تعملوا بتقدم شوية الروس أذكياء وعباقرة تنقصهم الرياضيات ومعسكر شرقي يعني محافظين الزموا بيوتكم وفقط اما أمريكا فكفاية عليهم الصين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..