أهم الأخبار والمقالات

التناقض الرئيس ومآلات اسقاط السلطة الانتقالية في السودان

عدلان أحمد عبد العزيز

تمور الساحة السياسية في السودان بصراعات حول السلطة الانتقالية تمثلها ثلاث تيارات رئيسية متباينة في رؤاها وأهدافها حول مهام المرحلة. فهناك تيار يضم قوى تعمل على تفكيك كامل النظام البائد وإقامة بديل مدني ديمقراطي مكانه، ويرفض الشراكة مع العسكر. وتيار آخر (يطلق عليه اسم قوى الهبوط الناعم) يضم قوى تعمل أيضاً على الانتقال إلى حكم مدني كامل عبر الانتخابات ولكنها تكتفي بإزالة رأس ورموز النظام السابق مع الابقاء على سياسته الاقتصادية والاجتماعية وتسعى لإجراء تحديث وإصلاحات ترقيعية هنا وهناك. أمّا التيار الثالث فيسعى لوراثة النظام البائد ونهجه ويعمل على استمرارية حكم المكون العسكري بالتحالف مع الفلول على نهج نظام السيسي المصري.

في ذلك المشهد ثمان قوى متباينة، ومتصارعة، داخلها، وفيما بينها، تتوزع داخل التيارات الثلاث، وهي: قوى إعلان الحرية والتغيير (بتركيبته الراهنة)، الجيش، مليشيا الدعم السريع، الجبهة الثورية، لجان المقاومة (لها القدرة والتأثير الأكبر في تحريك الشارع)، حزب الأمة، الحزب الشيوعي (من خياراته اسقاط السلطة للانتقالية)، والمكون المدني للحكومة الانتقالية بقيادة رئيس الوزراء.

كما توجد قوتان كبيرتان خارج صراعات السلطة الانتقالية وهما الحركة الشعبية شمال بقيادة الحلو، وحركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد النور. فمنذ سقوط نظام البشير الفاسد وحتى كتابة هذه السطور، لم تشارك هاتان القوتان في أيً من مستويات السلطة الانتقالية كما لم يشاركا في الصراع حول السلطة، كما لا ترفعا شعار اسقاط السلطة الانتقالية ولكن تتعامل معها بريبة وتشك في أن السلطة الانتقالية يمكن أن تكون شريك موثوق في مخاطبة جذور القضايا التي قادت للصراع المسلح وحلها في سبيل تحقيق سلام مُستدام.

في ذلك المشهد الذي يمور بالصراع وتباين المصالح والأهداف، والمتأثر بالتدخلات الخارجية حيث هناك محاور اقليمية ودولية تسعى للتأثير على المشهد بما يخدم مصالحها في المنطقة. مثل محور التحالف الذي يضم السعودية والامارات ومصر (الأخيرة لها مصالح في السودان تتعارض أحياناً مع شريكيها)، وهناك محور قطر وتركيا، كما وتسعى روسيا لاستئناف تمديد نفوذها في السودان عبر إيجاد موطئ قدم لها في البحر الأحمر، وأيضاً كمدخل وبوابة لوجود نفوذ وتأثير لها في قارة أفريقيا. أمّا الولايات المتحدة فتعمل منفردة أحياناً وبالتنسيق مع محور السعودية-الامارات-مصر في أحيان أخرى، وتارة ثالثة مع الاتحاد الأوربي في قضايا الهجرة والجريمة العابرة للقارات والقضايا الانسانية خاصةً. كل هذه المحاور الخارجية تعمل للتأثير على القوى السياسية المتصارعة في الساحة، بدعم وتقوية من يصلحون لخدمة أهدافهم من جانب، وأيضاً بالعمل على إضعاف المناوئون لحفائهم في الجانب الآخر.

بالرجوع للتيارات الرئيسية الثلاثة، المذكورة أعلاه، يمكن أن نعيد ترتيبهم ليصبحوا تيارين رئيسيين عبر دمج تياري القوى الساعية للانتقال بالسودان إلى حكم مدني خالص (تيار رفض الشراكة وتيار الهبوط الناعم)، باعتبارهم يشتركون في هدف واحد رئيسي لا يجدون صعوبة في الاتفاق حوله وهو؛ الانتقال إلى حكم مدني كامل عبر الانتخابات في نهاية الفترة الانتقالية. بذلك، كل الصراعات القائمة، يمكن أن نحصرها في التناقض الرئيسي بين تيار القوى الساعية للانتقال لحكم مدني خالص وتلك القوى الساعية لاستمرار حُكم العسكر على نهج نظام السيسي في مصر!

تحديد التناقض الرئيسي بين القوى المتصارعة، لا ينفي وجود تناقضات أخرى كثيرة، ولكنها تناقضات ثانوية لا يجب تضخيمها بما يحب الرؤية عن التناقض الرئيس. فأهمية دراسة وتحديد وفرز التناقض الرئيس عن التناقضات الثانوية تساعد في وضوح الرؤية فيما يتعلق ببناء التحالفات السياسية، ما يقود لمعرفة دقيقة بمن هو الصليح ومن هو العدو. وفي ذلك لا يغيب عن الانتباه أن فسيفساء السياسة مُتحركة، والتقديرات للمصالح المنفردة للأفراد وللمنظمات السياسية ليست ساكنة، فكثير منها، يلعب مزاج الجماهير وقدراتها على فرض إرادتها، دوراً كبيراً في تبدل مواقف القوى السياسية، صعوداً، أو هبوطاً، أو انحناءً مؤقتاً في مواجهة العاصفة.

ببساطة، من السهل معرفة دوافع وأهداف فلول النظام البائد الرافعة شعار اسقاط السلطة الانتقالية، والتي تصادِف هوىً عند قيادات عسكرية طامحة في الحكم وتعوّل كثيراً على تأييد مؤسساتهم العسكرية التي أشرفوا على بناءها على مدى ثلاثون عاماً بما يضمن الولاء لهم، إلا من رَحِم ربه. لكن من الصعوبة تفسير رفع شعار إسقاط السلطة الانتقالية في السودان من قوى على النقيض من الفلول. إذ من الصعب تصوّر أن قوى التغيير يمكن أن تتوافق على شخصية أخرى كما تمّ التوافق على شخصية رئيس الوزراء الحالي د. عبد الله حمدوك، هذا إذا كان المعني بشعار إسقاط السلطة الانتقالية هو استبدال رئيس الوزراء وطاقمه. أمّا إذا كان المقصود هو إسقاط كامل السلطة الانتقالية بمكونيها المدني والعسكري، ولنفترض أنّ ذلك تمّ عبر حراك جماهيري كبير وواسع، إلى حد وصول الحركة الجماهيرية لمستوى صعودها عشية الحادي عشر من أبريل ٢٠١٩، فلنا أن نتدبر السيناريوهات المحتملة.

السيناريو الأول، تتقدم قيادات من رُتب عسكرية أقل تتولى مواجهة البرهان وحميدتي وحمدوك وتعمل على اعتقالهم وايداعهم السجن، معلنين عن، أيّ هؤلاء الضباط الأقل رتبة، انحيازهم للثورة واستعدادهم لحمايتها. فإذا كان البرهان ينتمي للدفعة ٣١ التي تمّ تخريجها في عهد جعفر نميري سنة ١٩٨٢، فإنّ كل ضباط الجيش، من الرُتَب الأقل، من رتبة العميد فما دون، تربوا وتدرّجوا في الرُتب في عهد الانقاذ البائد، فللقارئ أن يعمل خياله عن أرجح الاحتمالات، وغالباً هي أن يكون الضباط الذين يتولون السيطرة على البرهان وحميدتي وحمدوك علاقتهم الأقوى هي بالفلول، لا قوى الثورة!

السيناريو الثاني، أنّ القوة المسلحة التي سوف تعتقل المكون العسكري في مجلس السيادة هي قوات حركات الكفاح المسلح، وللقارئ أيضاً، تخيُّل ما سوف يحدث بعد ذلك.

السيناريو الثالث، أن يعلن الجيش ومليشيا الدعم السريع وكل القوى المسلحة انسحابها الكامل من كافة مؤسسات الحكم ووضع نفسها تحت إمرة الحكومة التي تشكلها قوى الثورة المدنية السلمية الظافرة. وللقارئ أن يحدد بالتقريب ما هي نسبة نجاح هذا السيناريو؟ نضع في الاعتبار أن تجارب الثورات الشعبية في السودان، حيث حسم أمر نجاحها في ازالة رأس النظام، انحياز قسم من القوات المسلحة للجماهير الثائرة لتجبر العسكريون الحاكمون وقتها، على التنحي في حالة عبود، والازاحة في حالة نميري، والاستسلام للاعتقال في حالة البشير. كان المفكر الثوري فلاديمير لينين قد كتب: ” الثورة هي عمل يفرض به قسم من السكان إرادته على القسم الآخر بالبنادق، بالحرب، بالمدافع، أي بوسائل لا يعلو سلطانها سلطانا”، منقول عن كتابه “الدولة والثورة، ١٩١٧”.

نعود للقول بأنه بدراسة ومعرفة وتحديد التناقض الرئيس، يتم الاصطفاف وينبني التحالف الواسع لحل التناقض الرئيس لصالح قوى الثورة. وبالطبع ذلك ليس نهاية المطاف، فبتقدم الثورة سينشأ تناقض رئيس جديد آخر، كان تناقضاً ثانوياً في الماضي، ولكن هكذا تتم عملية ترتيب الأولويات. فاذا أنت مُقدم على زرعة محصولٍ ما في أرضك، ستكون الأولية لتجهيز التربة، وبعد انجاز ذلك، تتحول الأولوية المُقدمة لنثر البذور، ثمّ الري، ثمّ الرعاية، ثمّ الحصاد، ثمّ التسويق، وهكذا.. فأنت لا يمكنك البدء في ري محصول قبل زراعته. فبعد كل مرحلة مُنجزة يحدث تحوّل في الأولويات، فما كان في المرتبة الثانية، يتحول للمرتبة الأولى. إذاً، في اتجاه لحل التناقض الرئيس، فالتُركّز قوى الثورة السودانية على الانتقال للحكم المدني الكامل أولاً. ونتوقع بعد حل التناقض بين طموح العسكر وإقامة الحكم المدني، أن يتحول الصراع ليحل تناقض رئيس جديد محل السابق قوامه صراع قوى التغيير الجذري مع القوى المحافِظة.

[email protected]
الخرطوم، السبت الموافق ٢١ نوفمبر ٢٠٢٠

‫4 تعليقات

  1. أقتباس (تيار يضم قوى تعمل على تفكيك كامل النظام البائد وإقامة بديل مدني ديمقراطي مكانه، ويرفض الشراكة مع العسكر. وتيار آخر (يطلق عليه اسم قوى الهبوط الناعم) يضم قوى تعمل أيضاً على الانتقال إلى حكم مدني كامل عبر الانتخابات ولكنها تكتفي بإزالة رأس ورموز النظام السابق مع الابقاء على سياسته الاقتصادية والاجتماعية وتسعى لإجراء تحديث وإصلاحات ترقيعية هنا وهناك.)

    أبدا هنالك الحزب الشيوعى الذى يسعى لاقصاء الإسلاميين من المشهد السياسى في صراعهم العبثى العدمى منذ الاستقلال وهنلك الأحزاب والمجتمع المدنى الذى يرى ان الشعب السودانى وعبر الانتخاب هو الذى يمنح والذى يمنع
    الحزب الشيوعى وتحت ستار الثورية يريد ان يحقق المكاسب التي يعجز عنها لقصر قامته الانتخابية

    هذا هو بيت القصيد اما المتبقى من التحليل فهو أثارة الغبار لاخفاء المقاصد الحقيقية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..