أخبار السودان

الإمام في عيون اليسار

فجعت البلاد في الساعات الأولى من الأمس برحيل رئيس حزب الأمة القومي الإمام الصادق المهدي وأول رئيس وزراء شرعي للبلاد.. يعد الصادق رقماً في السياسة السودانية يصعب تجاوزه. حاولت (السوداني) تسليط ضوء خافت عن المهدي في عيون اليسار، ففي قمة الاختلاف السياسي كانت مقولته “إن الحزب الشيوعي اقرب الينا سياسيا والجبهة الإسلامية اقرب الينا فكريا”.

علاقة الإمام بـ(الشيوعي)

تكمن عبقرية و(فرادة) موقع الإمام الصادق المهدي، في رمزيته وفضاءات فاعليته وحركيته السياسية، بأنه ذلك احد أبرز الفاعلين في مشهد النصف الثاني من القرن العشرين، في تعاقب آل المهدي، منذ الجد مفجَّر مشروع القومية السودانية على أسنة الرماح ضد أفلاك الإمبراطورية الخديوية في سياق حرب الشمال والجنوب.

هكذا ابتدر الصحفي الشيوعي عادل كلر حديثه لـ(السوداني)، بأن المهدي امتداد لمشروح حداثة تستلهم مشروع التطور الرأسمالي في الأطر الحديثة للصراع الإجتماعي في إهاب المدينة وبإرث ثقافة البواد.

وطرح الصادق المهدي، ضمن هذا السياق، مشروعا سياسيا يجادل ميراث الإمامة على باب السياسة ويمضي بفلسفة الوسطية والاعتدال، عوان بين أطراف اليسار واليمين، ومستمداً رمزية وثقل حواضن الأطراف والأقاليم، ومن صميم تربة المركزية المضادة للبقعة: أم درمان، كمدينة تتوسط العاصمة التي شادتها دولة الانجليز الحديثة، ضمن شروط التفاوض بين الأصالة والحداثة والاغتراب. وطرح إمكانية مناورة عالية في التاريخ الديمقراطي البرلماني كمعبر عن قوى اجتماعية تتخطى حواجز المجتمعات التقليدية إلى قلب فاعلية القوى الحديثة، مجيداً للتفاعل مع خطاب ومكونات القوى الاجتماعية في المعسكر المضان، ابان فترات تسنمه دفة السلطة، من قلب صندوق الاقتراع.

وأضاف: بذات الفرادة، ختم الصادق المهدي، مشهد تجربته السياسية، بإغلاق القوس عند منحى الموقف الانتقالي من التطبيع، في صورة تلتبس عندها المبدئية الصارمة حيال منازعة شرق غرب وشمال جنوب، مع صورة آخر زعيم شعبي لقطاع اجتماعي وقاعدة سودانية، عريضة وراسخة في الحاضر والتاريخ.

نائب رئيس الحركة الشعبية ياسر عرمان قال معزياً: “إن رحيل الإمام الصادق المهدي، خسارة كبيرة للسودان لا سيما فى ظروفه الحرجة التي يمر بها، وما احوج السودان لخبرته ولإنسانيته”.

الصحفي المقرب من اليسار علاء الدين محمود يقول لـ(السوداني): إن المهدي كان على طرف نقيض من اليسار السوداني ممثلا في الحزب الشيوعي، حيث انه يميني صاحب رؤية تتفق مع تكوينه اليميني والطائفي، واستمر في ذات الطريقة القديمة المتوارثة. موضحاً أن علاقته باليسار هي محكومة بنظرة الطائفة للشيوعية، وتظهر جليا في قضية حل الحزب الشيوعي عام 1965 وموقف المهدي من تلك القضية، فقد كان من الموافقين عليها.

واشار محمود إلى أن هنالك محطات كثيرة التقى فيها الجانبان مثل ثورة اكتوبر، ومقارعة نظام مايو، وهنالك محطة مهمة وهي مرحلة التجمع الوطني الديموقراطي منذ سقوط الديموقراطية واستيلاء الجبهة الإسلامية على الحكم في 1989م، وقاد هذا التحالف إلى بلورة مشروع نظري كبير وهو مؤتمر اسمرا للقضايا المصيرية عام 1995، وضمهم كذلك تحالف قوى الاجماع الوطني، مضيفاً أن العلاقة بين الجانبين تقوى بصورة أكبر في عهد الديكتاتوريات العسكرية وظهور الحاجة للتحالفات السياسية ضدها.

اما القيادي بالحزب الشيوعي السوداني كمال كرار فذهب في حديثه لـ(السوداني)، أن غياب المهدي يوجِد فراغا كبيرا في الساحة السياسية، موضحاً أنه رقم لا يستطيع أن تتخطاه الساحة السياسية، موضحاً أنه حمل اعباء السياسة من وقت مبكر، وكان رقما في النضال منذ ديكتاتورية عبود، مشيراً إلى أنه يحمد له مواقفه واسهاماته في الفكر الوسطي الإسلامي.
وأكد كرار أن علاقة المهدي بالحزب الشيوعي لم تنقطع حتى في سنوات الاختفاء و العمل السري كانت هناك قناة بين الحزبين، مشيراً إلى انه وداخل التجمع الديمقراطي بعد انقلاب يونيو عندما حدثت الخلافات ظل المهدي في المعارضة بكل نزاهة وشفافية مدافعاً عن الديمقراطية، مؤكداً أن غيابه في الوقت الراهن يسبب فراغا كبيرا ومخاطر عديدة للساحة السياسية بما فيها الحزب الشيوعي، قائلاً: “غادر في وقت حرج”.

رحيل في ظرف صعب

لم يكن المهدي رئيساً لحزب الأمة القومي فقط بل مرشداً وحليفا لمعظم الأحزاب السياسية حتى تلك المختلفة معها سياسياً وفكرياً.

القيادي بحزب البعث القومي كمال بولاد يذهب في حديثه لـ(السوداني)، إلى أن الإمام حليف لمعظم القوى السياسية وكان أميناً في تعامله مع حزب البعث، مشيراً إلى أن آخر حديث له مع الحزب كان حول اصلاح قوى الحرية ووعد خيراً قبل وفاته بأيام، موضحاً أن كثيرا من القضايا السياسية تمت صياغتها معاً، وتابع: “التمسنا منه التجويد في العمل”.

واوضح بولاد أنه طيلة السنوات الماضية كان حزب البعث والمهدي ينسقان معاً، واصفاً علاقتهما بالقريبة جداً، مشيراً إلى اتفاقهما في كثير من القضايا حول الحد الأدنى وابرزها كان اسقاط النظام السابق، وتكوين قوى الحرية والتغيير، موضحاً أن دوره كان محورياً؛ كان رجلا يجيد الاستماع واحترام الرأي وتقبله.

وقال بولاد إن رحيل المهدي فاجعة كبيرة وفقد في ظرف صعب وتحديات الانتقال تتوسع وتحتاج إلى حنكته وحكمته وتجربته الطويلة، مضيفاً انه شكل كارزيما مهمة في كل التحالفات طيلة السنوات الماضية ولعب ادوارا مهمة في التحولات في الساحة السياسية في العام 1964 و 1985، عندما كان رئيس وزراء شرعي وعندما ناضل ضد الحكومات السابقة، وتابع: كانت الأدوار التي لعبها عن طريق الممارسة والديمقراطية الخالصة، موضحاً انه ظل يقدم باستمرار مبادرات واجتهادات فكرية وثقافية للساحة وبعلمه وبفكره الديني واطروحاته على فسيح العمل العام.

(قطية الإمام)

داخل منزله بالملازمين لدى الإمام الصادق (قطية) تحل في داخلها كل القضايا الاجتماعية والسياسية جلس فيها معه إن لم يكن جل القادة والمسؤولين فمعظمهم.

رئيس المكتب السياسي لحزب الأمة القومي محمد المهدي حسن يذهب في في حديثه لـ(السوداني)، إلى أن الإمام كان شخصية معتدلة يعامل الكل دون اي خصومة سياسية صارخة، كان يجتهد في أن يجمع اهل السودان على مواثيق عبر التاريخ والبعد القومي في كل قضايا الوطن ويترفع عن القضايا الحزبية الضيقة، ويلعب دورا قوميا.

وقال الحسن عندما اختلفت قوى نداء السودان لم يجدوا إلا الإمام أن يكون رئيسا، وعندما اجتمع الناس لم يجدوا من يصلي على الشهيد القرشي غيره، وعندما خرج الشعب ضد نظام مايو لم يحسم الأمر الا بعد خطبته، وعندما دخل السجن بعد انقلاب الانقاذ اقترح ميثاق التجمع الوطني الديمقراطي، موضحاً انه عندما كان رئيس وزراء يريد أن يجمع كل قوى البرلمان في حكومة واحدة.

واضاف: نجد أن كل القوى السياسية كلها حوله؛ وبابه مفتوح يستمع اليهم ويحترم رأيهم، مشيراً إلى ان (القطية) في منزله؛ كانت اكثر نشاطا وحضوراً في قضية الوطن، موضحاً انه ليس للفرقاء ولا النقابات بل حتى الدول لا تكتمل رؤيتهم إلا بعد أن يجتمع بهم في قطيته، وموضحاً أن شخصيته تشكل المجسد السوداني.

السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..