أخبار السودان

رحيل الصادق المهدي رجل الديمقراطية وإمام الحكمة بلا منازع

الخرطوم: عمار عوض

عبّر السودانيون بكافة مشاربهم السياسية والفكرية والاجتماعية، عن حزنهم على رحيل الصادق المهدي، ( 86 عاماً) زعيم طائفة الأنصار ورئيس حزب الأمة القومي وآخر رئيس وزراء منتخب، الذي توفي فجر أمس الخميس، متاثرا بإصابته بفيروس كورونا في إحدى مستشفيات مدينة أبوظبي في الإمارات، حيث نقل إليها قبل فترة للعلاج.
واحتشد المئات من الصباح الباكر في قبة الإمام المهدي في أمدرمان، المدينة التي ولد فيها الراحل عام 1935 وعاش فيها ولم يبارحها إلا إلى منفى اختياري أو معتقل لمعارضته الشرسة لكل النظم الديكتاتورية التي مرت على البلاد منذ الانقلاب الأول للفريق عبود وانتهاء بنظام العميد عمر البشير، الذي ناهض حكمه وأنتهى بثورة شعبية، أيدها المهدي وهو على رأس تحالف قوى «الحرية والتغيير» الحاكم الآن.

حداد عام

وأعلن مجلسي السيادة والوزراء الانتقالي، حالة الحداد العام لمدة ثلاثة أيام ابتداءً من الخميس على وفاة المهدي ووجّه بتنكيس الأعلام في جميع مرافق الدولة ومؤسساتها داخل البلاد، والسفارات السودانية في الخارج.
وقال رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان: «برحيل الإمام الحبيب الصادق المهدي فقدت بلادنا رمزاً وطنياً وقائداً سياسياً ساهم في صنع وتشكيل الحياة السياسية في البلاد».
أما نائب رئيس المجلس، محمد حمد دقلو»حميدتي» فعلق على رحيل المهدي بالقول: «انطفأ برحيله سراج الحكمة والوعي الكامل بقضايا وهموم هذا البلد».
وأضاف في حسابه على «فيسبوك» «كنا ندّخرك للمواقف الصعبة والظروف السياسية المعقّدة التي تعيشها بلادنا» وتابع: «فقدنا اليوم بعض تاريخنا وملامحنا وتسامحنا السوداني الأصيل».

نموذج القيادة الرشيدة

كذلك، نعى رئيس مجلس الوزراء، عبد الله حمدوك للشعب السوداني، المهدي، ووصفه أنه «كان أحد أهم رجالات الفكر والسياسة والأدب والحكمة في البلاد، دالةً للديمقراطية، ونموذجاً للقيادة الراشدة، وصفحةً من الحلم والاطمئنان في زمان نُحت فيه السخط وتوالت الخيبات على صدر كتاب التاريخ»
وأضاف: «برحيل الإمام، انطفأ قنديلٌ من الوعي يستغرق إشعاله آلاف السنين من عمر الشعوب».
وزير الإعلام فيصل محمد صالح، أيضاً قال إن « رحيل المهدي فقدٌ مُوجعٌ وقاسٍ، فقد إنهد ركن ركين، ورحلت جبال من الحكمة والمعرفة».

في السياق، أصدر المجلس المركزي لقوى «الحرية والتغيير» بياناً، ممهورا باسم القيادي إبراهيم الشيخ، جاء فيه «فجعت بلادنا اليوم (أمس) برحيل علماً من أعلامها السامقه ومفكراً وحكيماً من حكمائها وقائداُ سياسياً وزعيماً من قادتها العظام أنفق عمره كله منافحاً ومدافعاً عن الديمقراطية والحرية وعاملاً من اجل عزة وكرامة شعبه اعطي ولم يستبق شيئا من أجل بلاده».
وبين أن الإمام الصادق المهدي رحل والبلاد تتطلع إلى حكمته وكلمته للعبور من أشد الأوقات عسرا واضطراباً» وأضاف «ننعيه باسم كل الوطن ونرسل التعازي لأهله وأسرته آل بيت المهدي وصلة رحمه وأحبابه في حزب الأمة وكيان الأنصار وللعالم العربي والإفريقي عارفي فضله وقدره».

عطاء ونضال

كما أصدر رفيق درب المهدي، زعيم طائفة الختمية، محمد عثمان المرغني ورئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي الذي رافقه ونافسه على الحكم في سنوات الديمقراطية المتقطعة في السودان، بيانا أكد فيه أن «المهدي كان حليفا لحزبه رغم أن الحزبين يشهدان تنافسا قويا خلال كل الديمقراطيات ومناهضة الأنظمة الديكتاتورية».
وزاد أن «حياة الفقيد كانت حافلة بالعطاء والنضال في مختلف الميادين محليا ودوليا» ووصفه بأنه «كان من القيادات الوطنية المخلصة للوطن والمواطن».
وأضاف: «عاش المهدي حياته مناضلاً من أجل الديمقراطية والحرية وكفالة حقوق الإنسان في السودان».

نعاه خصومه وحلفاؤه على السواء… وآخر مواقفه السياسية كان رفض التطبيع

وواصل: «فقد السودان اليوم زعيماً وطنياً في مرحلة دقيقة كانت تحتاج إلى حنكته وخبرته، عملنا سويا في أوقات شديدة الصعوبة خلال سنوات الحكم وسنوات المعارضة في المعتقلات وفي المنافي ووجدت منه تفهما وتعاونا مكنا من إنجاز الكثير من المهام الوطنية» وأضاف: «إن المهدي كان من رموز السودان السياسية ومن أعلام البلاد الوطنية وظلت إسهاماته مستمرة في الشأن الوطني حتى مماته».
واعتبر أن «تنطوي برحيل الصادق المهدي حقبة من تاريخ السودان حفلت بالإنجازات والإخفاقات على حد سواء، وتركت بصمات من التطور والحداثة في مختلف المجالات. الصادق كان وفيا للسودان وحليفا لحزبنا، نذكره بالخير ونسأل الله له الرحمة والمغفرة».
كما نعى المهدي، تنظيم «الحركة الإسلامية» الذي تم حله، بعد الثورة على البشير، و قالت الحركة «نحن إذ ننعيه انما ننعي زعيماً حكيماً وقائداً جسورا وسياسياً محنكاً، يُشكل غيابه في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ الوطن فراغاً عريضاً ومصاباً كبيراً؟».
وعلى المنوال نفسه نعاه حزب المؤتمر الشعبي (اسسه الراحل حسن الترابي) وقال الحزب في بيانه «الإمام الحبيب الصادق المهدي فقد كبير للسودان في ظل هذه الظروف السياسية الحرجة التي ترتجي حكمته وسماحته وتطلعاته نحو وطن يتسع للجميع».

إسناد القضية الفلسطينية

حزب البعث العربي الاشتراكي (الأصل) قال في بيان : «ظلت قيادة قطر السودان لحزب البعث العربي الاشتراكي تتابع بقلق الحالة الصحية للسيد الصادق المهدي، رئيس حزب الأمة القومي، وإمام الأنصار، ورئيس الوزراء في الحكومة المنتخبة قبل إنقلاب الإنقاذ المشئوم، خاصة بعد مغادرته البلاد لتلقي العلاج، حتى تلقت بحزن بالغ نبأ رحيله إلى جوار ربه».
وتابع: «برحيله فقدت البلاد والعالم الإسلامي، وخاصة حزب الأمة القومي وكيان الأنصار، زعيماً وقامة فاعلة ومؤثرة في مختلف الميادين الفكرية والسياسية».

وواصل «وقد اختتم حياته العامرة، بجهد مقدر لتطوير تحالف قوى الحرية والتغيير، ولتقويم السلطة الانتقالية وبموقف قوي ومؤصل في شجب الصهيونية وإسناد القضية الفلسطينية. ندعو المولي عز وجل أن يتقبله تقبلاً حسناً وأن يغفر له ويشمله برحمته الواسعة، وأن يدخله فسيح جناته مع الشهداء والصديقين وحسن أولئك رفيقا. وأن ينزل السكينة والسلوان وحسن العزاء على اسرته وأنصاره ومريديه».

كذلك، نعت «حركة القوى الجديدة الديمقراطية»(حق) الراحل موضحة في بيان: « لقد كان الفقيد أحد أركان السياسة السودانية ورمزا من رموزها التاريخية التي قدمت لبلادها عطاء ثرا وطبعت بصمتها على التاريخ السياسي والاجتماعي للوطن، وامتد بحر عطائه الزاخر حتى خارج البلاد فكان مفخرة يشار لها بالبنان».
وزادت: «كان الراحل سياسيا حاذقا ومثقفا غزير المعرفة وخطيبا مفوها طلق العبارة ذرب اللسان. كان الصادق منافحا شرسا عن حقوق شعبه ومناضلا عتيدا في مقاومة جبروت الأنظمة الدكتاتورية وصلفها طوال عهودها، كان الفقيد صبورا حليما امتاز بالأدب الجم والتسامح وسعة الصدر وعفة اللسان».

وختمت: «غيب الموت الراحل الخالد وبلادنا أحوج ما تكون لحكمته وفطنته ومقدرته العالية على جمع الصف صادق الوعد وفيا للعهد. ترك الفقيد اثرا باقيا وأن رحل وارثا ضخما من الفكر».
وذكر بيان حزب الامة القومي الذي يترأسه الراحل الصادق المهدي «جثمان الفقيد الطاهر سيصل إلى السودان صباح اليوم الجمعة، وسوف يوارى الثرى في قبة الإمام المهدي عند الساعة التاسعة صباحاً ويقام المأتم في بيت الإمام المهدي عليه السلام».
ونوه إلى «أهمية اتباع التحوطات الصحية اللازمة ضد وباء جائحة كورونا».

أصغر رئيس وزراء

وولد الراحل الصادق المهدي يوم 25 ديسمبر/ كانون الأول 1935 في حي العباسية في أمدرمان وتلقى مراحله الدراسية الأولية فيها، قبل أن يلتحق بجامعة أكسفورد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية والفلسفة ليعود بعدها إلى السودان ويلتحق بوزارة المالية في العام الثاني لاستقلال السودان عام 1956 ثم يغادرها بعد وقوع انقلاب الفريق عبود عام 1957 الذي ناهضه بشدة إلى جانب والده الإمام الصديق زعيم طائفة الانصار ورئيس الحزب الذي رحل في عمر مبكر ليخلفه اخيه الإمام الهادي وواصل الصادق معارضته لنظام عبود بشراسة ولعب دوا محوريا في تعبئة الشارع ضده إلى أن سقط النظام في العام 1964 عبر ثورة إكتوبر الشعبية الشهيرة.

انتخب المهدي لأول مرة رئيسا لحزب الأمة في نوفمبر/ تشرين الثاني 1964 وهو دون الثلاثين من عمره وقاد حملة لتطوير العمل السياسي والشعار الإسلامي وإصلاح الحزب في اتجاه الشورى والديمقراطية وتوسيع القاعدة الشعبية، استغلها البعض لإذكاء الخلاف بينه وبين الإمام الهادي المهدي، مما أدى لانشقاق في حزب الأمة، وصار رئيسا للوزراء عن حزب الأمة في حكومة ائتلافية مع الحزب الوطني الاتحادي في 25 يوليو/ تموز 1966 كاصغر رئيس وزراء في العالم في ذلك الوقت المبكر من القرن الماضي.

لكن العقيد جعفر نميري، استولى على السلطة في العام 1969 عبرانقلاب عسكري يساري التوجه، فعادى حزب الأمة في بدايات عهده بشكل صارخ، ما قاد الحزب لقيادة عمل مناهض للحكم الجديد، بقيادة عم الصادق، الإمام الهادي المهدي زعيم طائفة الأنصار، ليقوم نميري بقصف معقل الطائفة في جزيرة ابا بالطائرات ومطاردة الإمام الهادي إلى أن قتله على الحدود مع اثيوبيا. مقتل الهادي، أثار غضب الأنصار الذين خرجوا وأقاموا معسكرات داخل الأراضي الليبيىة برعاية من الرئيس الراحل معمر الغذافي ليفزوا الخرطوم بعدها في العام 1976 ويتم أسر جميع قادة المحاولة من تنظيم حزب الأمة والاتحادي الديمقراطي والحركة الاسلامية.

واستمر حزب الأمة، في مناهضته لنظام نميري إلى أن سقط في نيسان / إبريل، عام 1985 بثورة شعبية. عقب ذلك، فاز الصادق المهدي في أول انتخابات برلمانية للمرة الثانية بالأغلبية في البرلمان وأصبح رئيسا للوزراء للمرة الثانية.
ولكن لم يدم الحال كثيراً، حيث عاد نظام الجبهة الإسلامية وتولى الحكم عبر انقلاب العميد عمر البشير في العام 1989 ليواصل الصادق المهدي حمل لواء المعارضة من جديد هو ورفيق دربه محمد عثمان المرغني، ليكونا مع «الحركة الشعبية» بزعامة الراحل جون قرنق «التجمع الوطني الديمقراطي» الذي نازل نظام الإسلاميين في معسكرات جيوش المعارضة في إرتيريا، وفي الداخل السوداني إلى أن تم توقيع اتفاق السلام الشامل عام 2005 مع «الحركة الشعبية» و«التجمع الوطني». والمهدي عارض الاتفاقيتين، معتبرا إياهما تكريساً لانفصال جنوب السودان عبر منحه حق تقرير المصير، مبيناً أن الاتفاقية ثنائية ولا تشمل كل أهل السودان، وهو ما كان حيث قرر الجنوبيون في نهاية الفترة، الانفصال عن السودان وتكوين دولتهم المستقلة.

وواصل المهدي منازلته لحزب «المؤتمر الوطني» بقيادة البشير محملا إياه مسؤولية الانفصال الجنوبي، حيث كون المهدي مع زعامات دارفور وجبال النوبة وبعض القوى السياسية تحالف «نداء السودان» وهو التحالف الذي كان العمود الأساسي في تحالف «الحرية والتغيير» الذي أسقط البشير عام 2010 بثورة شعبية، كان على قيادتها تجمع المهنيين في شهر إبريل/ نيسان، ليصبح المهدي مرجعية الحكم الجديد وهو الحال الذي كان عليه حتى أصيب بفيروس كورونا، الشهر الماضي ليرحل أمس.

وكان آخر موقف سياسي له هو رفضه لما أعلنته الحكومة السودانية، في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، من قبولها بتطبيع العلاقات مع إسرائيل.
واعتبر المهدي أن التطبيع مع إسرائيل يناقض المصلحة الوطنية العليا والموقف الشعبي.
وانسحب من المشاركة في مؤتمر لوزارة الشؤون الدينية والأوقاف في الخرطوم؛ احتجاجا على خطوات التطبيع مع إسرائيل، التي تواصل احتلال أراضٍ عربية وترفض قيام دولة فلسطينية.
القدس العربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..