مقالات وآراء سياسية

ماذا بعد رحيل قائد ونصير الأنصار!!

أيوب يحي

الأشخاص يرحلون والأفكار باقية!!

ان الواقع الأكثر وضوحاً هو أن الشر متأصل في الإنسان، ولم يكن يوما خيرا بطبعه، لأن طبعه الأناني ومصالحه هي التي تدفع به إلى مصاف الشر… وأن العائق أمام تلاقح الأفكار تلاقحاً سليماً، من أجل الخروج من عنق زجاجة التخلف بكل أشكاله عبر الزمن، عندما تطرأ قضية جديدة على الساحة الفكرية أو السياسية تبدأ السجالات البينية، ولا أقول الحوارات، فالأخير يهدف في النهاية إلى الوصول إلى قناعة مشتركة تثري الساحة بالأفكار والمفاهيم، وتسهم في إيجاد حلّ متفق عليه بين وجهات النظر المختلفة… أما السجال فلا يعدو أن يكون تقاذف بالتهم والسبباب كل فريق يريد أن ينفي الآخر وإزاحته وإقصاؤة من المشهد، ليس أكثر… هذا النفي أو الإقصاء يتخذ صوراً عديدة كلها على مرّ تاريخ الأزمة السودانية، تنضوي تحت راية التكفير والتخوين، فلا يمر يوم بدون انتقادات سلبية، أو تعليق يضم أسلوب التجريح، وعبارات السب والشتم والقدح، إذ أصبحت هذه الثقافة غير المرحب بها تسري في عروق أغلبية السودانين… وكما قال الإمام الهمداني الشعبي: لو أصبت (٩٩) وأخطأت مرة واحدة، لأخذوا الواحدة، وتركوا التسع والتسعين.

ظل المرحوم زعيم حزب الأمة وإمام الأنصار علية رحمة الله، عرضة للإنتقاد والتشهير ولم يتزحزح قيد أنملة أمام تلك الهجمات الطويلة لشخصه، ولم تفلح الحملات المعادية والنيران الصديقة في ثني الرجل عن مواصلة كفاحه لأجل مبادئه التى آمن بها وأفنى عمره لأجلها… فلا أحد منا يستطيع العيش دون أن يتعرض للانتقاد، ولو أردت أن تعيش من دون أن ينتقدك أحد يعني ذلك أن لا تقول شيئاً، لا تفعل شيئاً وأن لا تكون شيئاً… وأكد على ذلك الفيلسوف “أرسطو” عندما قال “إن أفضل طريقة لتجنب الانتقاد، هي أن لا تفعل شيئاً وتكون نكرة… وعلى الرغم من إدراكنا لهذه الحقيقة، فقلّة قليلة هم من يمتلكون مهارات الردّ على النقد والتعامل مع هذا الأمر بكفاءة… وهنا تكمن شهادتي عن المرحوم الصادق المهدي، الذى لولا أنني إلتقيته شخصياً وحاورته مرات عديدة في مناسبات مختلفة لما عرفته ولحكمت عليه حكم الغائب كما يفعل الكثيرين… لقد وجدته على عكس الكثيرين من القيادات السياسية، فهو الأكثر رحابة والأوسع صدراً بقدرته على التحمل والصبر على من عاداه… ظل الرجل يتواضع في تعامله مع الجميع بابه مفتوح ويتقبل النقد من الكبير والصغير، والأهم من ذلك أسلوبه الهادئ ومهاراته العلمية والعملية في الرد على محاوريه… ومن خلال ندوات عديدة حضرتها له سمعت ورأيت البعض يهاجمه بطريقة سلبية يضم أسلوب التجريح، وعبارات السب والشتم والقدح، ولكنه لم يتعامل بالمثل بل يتحمل كل ذلك بأعصاب هادئة ثم يبدع في عرض حُجته وقدرته على أمتصاص الغضب، ولن تسمع منه سوي عبارة يا أبنائي ثم يشرح قائلا بأن كان الأمر كذا وكذا، وأننا جاهزون للمكاشفة والمحاسبة في أي وقت.

بالطبع ليس هنالك نظام خالياً من الأخطاء فالأخوة في حزب الأمة لهم أخفاقات واضحة تتمثل في مواقف قادتهم تجاه الكثير من الأحداث في الساحة، والتى تظهر جلياً في تصريحاتهم المتناقضة تجاه المظالم التاريخية وقضايا العدالة والإنصاف، فضلا عن دعاوى تفيد بضلوعهم في جرائم ضد الإنسانية ومن أشهرها ما يعرف بمذبحة الضعين في ٢٨مارس ١٩٨٧م أي قبل ٣١عاماً… والتى راح ضحيتها نفر كريم من أبناء قبيلة الدينكا، النازحين من شعب جنوب السودان، كانت ولاتزال الجريمة الأشد قسوة التى حدثت خلال فترة الحكومة الائتلافية بين حزب الأمة والحزب الاتحادي الديمقراطي بقيادة رئيس الوزراء الصادق المهدي وينبغي ألّا تمر دون محاسبة وألَّا تسقط بالتقادم… هذه وغيرها من الإنتهاكات الموثقة لا يستطيع أحد إنكارها او تبرئتهم منها مالم يتم البت في القضية أمام محاكم مختصة… وهذا حال كل أقطاب المعارضة بشقيها المسلح والسلمي، التى تواجه هي الأخرى سيل من الإنتقادات، وبالقدر نفسه يواجه الحزب الشيوعي السوداني دعاوى وإتهامات مختلفة وكذلك الحزب الإتحادي الديمقراطي وحركات الكفاح المسلح الخ، كل له نصيب من النقد اللاذع حسب حجم أخطاءه ومواقفه السياسية… وإذا نظرنا إلى مناقشة أي موضوع سياسي على شبكات التواصل الاجتماعي فمن النادر جداً أن تجد تفاءل إيجابي بل كل ما تجده هو الهجوم والهجوم المضاد والصراعات البينية، لأن أغلب الفاعلين في الساحة السياسية غارقون في الفشل… ومهما كانت الغاية من الانتقادات يجب أن تساعد على تصحيح الأخطاء والعودة إلى المسار الصحيح بهدف تحقيق الأهداف المنشودة في الحياة بشرط أن يكون النقد إيجابي يدفع إلى الارتقاء والتقدم وليس نزعة ترمي إلى الهدم وإظهار المساوئ دون الالتفات إلى نقاط القوّة.

الأنصار في حزب الأمة شئنا أم أبينا ظلوا في خندق واحد مع المعارضة السودانية، والمرحوم الصادق ظل يقاتل على طريقته المعهودة جنباً الي جنب مع كل قياداتها… حقاً كان الرجل في موقف يُحسد عليه، لأن لا أعتقد أحدا في موقفة وعمرة يستطيع أن يصمد أمام تلك العواصف الرعدية دون أن يتسبب له على الأقل إرتفاعاً في ضغط الدم… فالإنسان بطبعة لا يتحمل النقد من أقرب الناس اليه وفي أحيان كثيرة مجرد الإختلاف في الرأي يعد سبب كافي لوضع نهاية لأقوى العلاقات وتحويل الصداقة الي عداوة وخصومة… ولا أشك في أن الكثير من تلك الحملات المقرضة ضد المعارضة كان من صناعة الكيزان، فتلك صناعتهم وحرفتهم بأمتياز، فأنصار الإسلاموفوبيا السياسي بارعون في نشر وترويج ثقافة التخوين والتكفير لحرق الشخصيات الوطنية المؤثرة عبر إشاعة النقد الهدام والتعدي على أعراض الناس بالسخرية أو القذف، أو اللعن للنيل منهم وتشويه سمعتهم والطعن في نياتهم من غير حجة ولا برهان، وقد نجحوا في شق صف المعارضة وتقسيمها حتى صارت أَعضاؤها أَشلاءً بعد التفرق والتشتت… وللأسف الشديد اليوم بات أغلبنا يحمل معه سلاحا فتاكاً أسمه النقد الهدام، ويوجهه تجاهك مستعملاً عبارات وألفاظا يندى لها الجبين مثل؛ أنت عميل وكافر، أنت شيوعي، أنت إرهابي، أنت ملحد إلخ، كل هذا يحدث بسبب أطماع سياسية وتكريس سياسة فرق تسد… لقد رحل الصادق ولم ترحل معه هموم الوطن، كما رحل من قبله عرَّاب الكيزان تاركاً خلفه كل البلايا والمحن… فإذا كان الخلل في الأشخاص فقد يرحلون وإن كان الخلل في الأفكار فهي باقية فماذا نحن فاعلون؟؟.

يقول الشاعر خليل جبران:
“الخير في الناس مصنوع إذا جبروا، والشر في الناس لا يفنى وإن قبروا”… اللهم أبعدنا عن الشر وعن الناقدين السلبيين، كما أبعدت السماء عن الأرض.
إنا لله وإنا اليه راجعون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..