مقالات وآراء سياسية

فى وداع الرجل النبيل الصادق المهدى هل يستعيد السودان تسامحه؟

أمير شاهين

فى البداية نود ان نترحم على فقيد الوطن الكبير السيد الصادق المهدى ونسال الله ان يتقبله القبول الحسن و يغفر له ويدخله فسيح جناته مع الصديقين و الشهداء  .
بدون شك  ان السودان الوطن الكبير  قد فقد بوفاة السيد الصادق المهدى امام الانصار و رئيس حزب الامة القومى و اخر رئيس وزراء شرعى و منتخب واحدا من ابرز رموزه الكبيرة  وعلم من اعلامه الخفاقة  و معلم من معالمه البارزة     ! فالرجل مهما اختلف الناس حوله الا انهم يتفقون جميعهم على انه كان مشهورا بنزاهة اليد وعفة اللسان و كان عليه الرحمة  نزيها لم تطاله شبهة فسادطوال حياته  فقد كانت يده نظيفة و طاهره لم تمتد الى المال العام و ولم يتهمه حتى الد خصومه بالفساد او الافساد , و يقال بانه عندما كان رئيسا للوزراء لم يكن يصرف مرتبا  حكوميا , ولعل اكبر مناقب الفقيد الراحل بانه كان ديمقراطيا  يؤمن بالسلم و  لا يحب العنف و لا يقرب منه ولا يوصى به  . كما كان كاتبا و اديبا  و مفكرا و مثقفا من الطراز الاول . ومتحدثا لا يشق له غبار فهو يدهشك اذا  تحدث بالعربية  ويذهلك اذا ما تكلم بالانجليزية   .
ولكنى اعتقد بان اهم ميزات الامام الراحل هو حبه الكبير للسودان و السودانيين و ايمانه الذى لا يتزحزح بحق هذا الشعب  فى الحرية الحياة الكريمة  والتقدم و الرقى . وعلى حسب ما ذكرت ابنته مريم بانه  كان مهموما و منزعجا لعدم وجود مرجعية فى السودان للسودانيين والذين هم  اهل كرامة و عزة وخير ومنهم يتحرر العالم الاسلامى و الافريقى وكان يرى ان مهمته هى السعى فى هذا الامر  وكان يرى ان هنالك ثوابت يجب على الجميع الاتفاق حولها و ان الاختلاف مشروع و مطلوب فى كيفية الوصول الى تلك الاهداف  , وانه يجب على الجميع التحلى بفضيلة قبول الاخرين و اعلاء قيم المسامحة وحسن الظن بالاخرين . وقد كانت زيارته لمعاودة زعيم الحزب الشيوعى السودانى الراحل محمد ابراهيم نقد فى مرضه  و تقبيله له على راسه دلالة على سماحة نفس الرجل و محبته و احترامه حتى لخصومه وهى خصلة  لا يتحلى بها الا النبلاء و الكرماء من الناس  ,  ويذهب البعض الى وجود العديد  من القواسم المشتركة التى تجمع بين الزعيمين الراحلين برغم اختلافاتهم الفكرية العميقة , فكلاهما كان يؤمن بالسودان  الوطن الواحد الذى يتسع  لجميع ابنائه ليعيشوا معا فى امان و سلام و حب ووئام , فالراحل محمد ابراهيم نقد كان هو الاخر محبوبا من الجميع بسبب عفة  لسانه و ادبه و احترامه للجميع بما فيهم خصومه وكان يردد على الدوام بانه سودانى فى المقام الاول و شيوعى فى المقام الثانى و يتفق الكثيرون بانه كان يدعو الى ” سودنة” الشيوعية بدلا من ” شيوعية” السودان !! اى ان الشيوعية يجب ان تحترم و تستوعب معتقدات و مكونات و تقاليد وعادات  السودان بدلا من تحويل السودان الى نسخة مثل كوريا الشمالية او كوبا ,   وبعد وفاة السيد نقد فى ماس 2012 كتب المرحوم الصادق المهدى كلمات من ذهب عن الراحل نقد ولعلها كانت الاكثر نبلا و توازنا فيما كل ما كتب عن  زعيم الحزب الشيوعى
“أنعي للشعب السوداني وفاة الزعيم الوطني محمد إبراهيم نقد. أمر العقائد عند رب العالمين وهو ارحم الراحمين. ولكننا البشر المعاصرين له في السجن وخارج السجن نشهد أنه إذا كان الدين المعاملة فقد كانت معاملته للناس فاضلة وعادلة وودودة، كما ان حب الوطن والدفاع عن مصالحه ومصالح أهله من المحامد في نظر الدين والإنسانية، وقد كان صادق الوطنية ونهجه فكري. كان متعلقا بالدفاع عن المستضعفين في المجتمع اكثر من أية اعتبارات أخرى. رحمه الله فإن رحمته وسعت كل شيء؛ وأحسن عزاء أسرته الخاصة وزملائه والبلاد التي هي في أمسّ الحاجة لوحدة الكلمة لإنقاذها مما هي فيه، وقد كان من الذين يرجى أن يساهموا في وحدة الكلمة الوطنية”  و بالطبع فان هذه الكلمات لا تحتاج الى تعقيب !! ويبدو ان  ان هنالك جذور و تاريخ لمثل هذه القناعات وهذا الفكر لدى اسرة المهدى !   .  فقد حكى لى عمى الراحل و زوج خالتى و معلمى فى مدرسة الحياة  الاستاذ عبداللطيف كمرات القائد النقابى التاريخى واول ممثل لنقابات السودان فى اتحاد  نقابات في اتحاد نقابات العمال العالمي  وهو نفس  الدرب  الذى سار فيه  المرحومين قاسم امين و الشفيع احمد الشيخ وهو كذلك  واحد مؤسسى الحزب الشيوعى السودانى و الرفيق و الصديق الصدوق للاستاذ الراحل محمد ابراهيم نقد حيث كان يحرص عند زيارته للسودان ان يقضى كل الاوقات معه فى دار الحزب فى الخرطوم  , ولنا عودة باذن الله الى ذكرى الراحل عبداللطيف كمرات ,   حيث  ذكر لى بان الشيوعيين بالرغم من اختلافاتهم الفكرية مع اعضاء حزب الامة و الانصار  الا انهم كانوا على الدوام يحترمونهم و يقدرونهم ولا سيما بان هؤلاء الشيوعيين ومنهم كمرات نفسه ينحدرون من عوائل انصارية مية فى المية   , وقد ذكر لى القصة التالية و التى نهديها الى الجيل الحالى بدون تعليق , هذه القصة قد وجدت لها تاكيد فيما بعد  فى رواية  اديبنا العالمى الراحل الطيب صالح ” منسى انسان نادر على طريقته ”  ويحكيها الامام احمد المهدى
.
” حل وفدا من الحزب الشيوعى السوفيتى ضيفا على الحزب الشيوعى السودانى  فى الخرطوم , ولما سمع السيد عبدالرحمن المهدى وهو فى ذلك الزمن امام الانصار و رئيس حزب الامة  بالخبر وكان يطلق عليه لقب ” ابوالسودانيين” اذ انه كان يعتبرنفسه  بانه ابو كل السودانيين و هو صاحب مقولة ” السودان للسودانيين” قام  بطلب مقابلة المرحوم عبدالخالق محجوب سكرتير عام الحزب الشيوعى السودانى  فقد كان الامام عبدالرحمن المهدى يعامل عبدالخالق مثل ابنه و يكن له معزة خاصة بسبب العلاقة الوطيدة التى كانت تربط الامام بوالد عبدالخالق محجوب ! بالله شوف !!   وعند حضور عبدالخالق  قال له الامام :
يا ابنى يا عبدالخالق لقد سمعت بان هنالك وفد روسى جاء لزيارتكم هنا فى السودان , وانا يهمنى ان اعرف بانكم سوف تقومون بواجب الضيافة و الكرم السودانى المعروف , فماذا  سوف تقدمون لهم ؟
ورد عبدالخالق : والله يا  مولانا الامام  احنا ما فكرنا فى الموضوع دة و لكن زى ما عارف احنا ماعندنا الامكانيات ( وطبعا الشيوعيين مفلسين من زمان) وعشان كدة حا نكتفى بحفلة شاى !
وتبسم الامام وقال لعبد الخالق :
ابدا حفلة شاى مش كفاية لضيوف السودان ولازم تعزموهم كلهم  يجوا هنا و يتعشوا معاى !!
وقد كان فقد اجتمع للعشاء الفاخر  فى دار السيد عبدالرحمن دهاقنة الحزب الشيوعى الروسى اكبر واقوى حزب شيوعى فى العالم فى زمنه  حيث كان ينادى بوحدة عمال العالم و ش الشعوب المضطهدة و الصراع الطبقىو  دكتاتورية البروليتاريا  و الشيوعيين السودانيين  فى مائدة واحدة مع  يسمونهم بالاحزاب التقليدية المحافظة اعداء التقدم و التطور  وحلفاء الرجعية و القوى الاستعمارية  !!  وطبعا الدهشة كانت كبيرة لدى الروس عند معرفتهم من  يكون صاحب الدعوة  ! و اقتنعوا  تماما بان الكرم  واخلاق النبلاء و الفرسان هى صفات سودانية لا يشاركهم فيها احد ”  انتهى
وفى الختام ندعو اجعل من وفاة الامام الصادق المهدى مناسبة ننطلق منها لبناء الوطن و اسعاد بنيه فهذه هى الاهداف التى عاش الامام الراحل من اجلها وكرس لها كل اهتماماته ووقته ولقى فى سبيل ذلك مالقى من عنت و مشقة  نحسب بانها سوف تحسب له فى ميزان حسناته باذن الله.

[email protected]

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..