فلسفة الأزمان في ثنايا القرآن: العقل الأداتي (2)

معتصم القاضي

أدت الإكتشافات العظيمة التي أنتجها “العقل الحداثي” في عصر الأنوار إلى طفرة هائلة في العلوم والتقنية، غير أن نتائج هذا التطور كانت كارثية على العالم والإنسان، حيث أدى توظيف العلم والتكنولوجيا في صناعة الأسلحة المتطورة إلى إشعال الحروب وإزهاق ملايين الأرواح، وإستعمار الشعوب الضعيفة وإستغلالها ونهب ثرواتها، بدلاً من إرساء مفاهيم الحرية والسلام.

أدت هذه المآسي  التي نتجت عن “العقل الحداثي” إلى رفضه ونشوء فلسفات ما بعد الحداثة، مثل الوجودية والعدمية، التى لا ترى معنى لوجود الإنسان في هذا العالم، وان وجوده فيها مجرد عبث لا طائل من ورائه.

إلا أن الفيلسوف وعالم الإجتماع المعاصر يورغن هابرماس، وهو من مواليد 1929م ويعد من الجيل الثاني من مدرسة فرانكفورت النقدية، كانت له نظرة مختلفة في التعامل مع العقل الحداثي.

يتفق هابرماس مع من سبقه من فلاسفة ما بعد الحداثة في ان تطور البنية الصناعية منذ عصر الأنوار قد أدى لتكوين “عقل أداتي” لا يخضع للقيم ولا للأخلاق، وان همّه الأكبر منصب في جمع المال بأي ثمن وبأي وسيلة، إلا أن هابرماس قدم نظرية نقدية إجتماعية لتطوير هذا العقل وجعله أكثر مرونة بدلاً من القضاء عليه.

لكن إذا نظرنا في القرآن سنجد أن هذا “العقل الأداتي” ليس وليد الحداثة،  وإنما هو “العقل الإنساني” على فطرته التي خلقه عليها الله، ويمكن أن نسميه، إذا جاز التعبير، بالعقل الفطري. وهذا “العقل الفطري” هو الذي وصفه القرآن بأنه مجبول على الهلع وحب المال والبخل كما جاء في قوله تعالى: «إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا. إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا. وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا»، «وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا. وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا»، «قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّىٓ إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ ٱلْإِنفَاقِ ۚ وَكَانَ ٱلْإِنسَٰنُ قَتُورًا».

كذلك وصف القرآن “العقل الفطري” بأنه، في سعيه لتحقيق أهدافه، يتّسم بالجهل والظلم والعجلة”: «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا»، . «وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ ۖ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا».

ومن الصفات الملازمة  للعقل الفطري كثرة المراء أو الجدل الذي جاء في قوله تعالى: «وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآن لِلنَّاسِ مِنْ كُلّ مَثَل وَكَانَ الْإِنْسَان أَكْثَر شَيْء جَدَلًا»، وكثرة الجدل تدل على العقلية  الدغومائية، أو العقل ذو البعد الواحد الذي لا يتعامل مع المنطق والأسباب ولا يقتنع الا بأن يقتنع الناس برأيه.

وهكذا نجد أن، ما يسمى بالعقل الأداتي ليس وليد الحداثة،  وإنما هو العقل الفطري للإنسان. وهذا العقل هو الذي كان (على مر الأزمان) ومازال يؤجج الحروب ويدفع  قادة البلدان القوية لغزو  البلدان الضعيفة وقتل أبنائها ونهب ثرواتها وأموالها.

إلا أن جرائم “العقل الأداتي” عندما  وقعت في وقت تطورت فيه الصناعة وأسلحة الدمار الشامل وأجهزة تصوير الأحداث وبثها، تجلّت أفعاله في أبشع صوره في تاريخ الإنسانية، حيث استخدمت  الدبابات والمدافع والصواريخ والطائرات والقنابل الكيمائية والنووية وحصدت ملايين الأرواح وشوهت ملاين الأجساد دون أن يرمش له جفن. ولا يختلف هذا في عقل ديني أو إلحادي أو لا ديني. فتاريخ البشرية مليئ بالحروب ومآسيها من ابادات جماعية وأمراض ومجاعات منذ نشأتها.

أما مشروع هابرماس كما أسلفنا فهو ليس تدمير هذا العقل كما كان يرى فلاسفة ما بعد الحداثة، وإنما تحويله لعقل مرن أو “عقل تواصلي” يخلق فضاءات وفعل التواصل الإجتماعي. وكم نحن محتاجون لمثل هذه الفضاءات وهذا الفعل في يومنا هذا في بلادنا حيث اسشرت النزاعات بدوافع قبلية وطائفية ودينية ومذهبية وسياسية.

وبالنظر للقرآن، نجد أن بنيته حوارية في أساسها، حوار بين الله ورسوله، وحوار بين الله والانسان، وحوار بين الله والشيطان. ليس هذا فحسب بل إن القرآن يحثّنا على خلق فضاءات التواصل وفعل التواصل في قوله؛ «وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ». الشورى هنا يمكن أن تأتي على مستوى الذوات لخلق مساحات مشتركة للتفاهم، وبين العمال والموظفين والرؤساء والمرؤسين في مواقع العمل لتحسين الانتاج وتقديم أفضل الخدمات للجمهور. كما يمكن أن تكون بين المؤسسات والعملاء لجمع الاستبيانات والتعرف على ما لا يرضيها فتعمل على إصلاحه وعلى ما يرضيها فتحافظ على جودته.

إن غياب العقل التواصلي وعدم وجود فضاءات صحية هو من أهم أسباب نزاعاتنا القبلية والطائفية والمذهبية والحزبية. وهو كذلك من أهم أسباب عدم مقدرتنا على تحسين الخدمات التعليمية والصحية وأي خدمات أخرى متعلقة بالجمهور في دواوين الحكومة أو القطاع الخاص.

وتتجلى خطورة هذا “العقل الأداتي” أكثر ما يكون عندما يتلبس لبوس الدين ويلتحف قداسته لتحقيق مآربه. وقد شهد السودان على مدى ثلاثين عام من حكم الاسلام السياسي أن من جاء ليطبق شرع الله قد ارتكب باسم الله أفظع الجرائم في تاريخ السودان بتأجيج الحروب الدينية والنزاعات القبلية وتعذيب وإغتصاب المعارضين في بيوت الأشباح وتمكين عضويته من نهب ثروة البلاد وإفقار الشعب السوداني.

كذلك إن وجود عقول “أحادية البعد” دون تدريب وتطوير على رأس مؤسسات التعليم ومواقع الخدمة المدنية ينتج أجيالاً لا تعرف ابجديات التواصل ولا تقبل  الحوار والنقد لتحسين الأداء، وهذا يستدعي أن تحرّر هذه العقول من  من نزعة الظلم والمراء والإعتداد بالرأي إلى رحاب العدل وتقبل الرأي الآخر والنقد.

لذا نحن في حاجة ماسة لتفعيل دور الجامعات  ومؤسسات التعليم المختلفة والأبحاث في حقل العلوم الإنسانية مثل الفلسفة والاجتماع وعلم النفس والاقتصاد لدراسة أنماط سلوكً الإنسان في بلادنا وإستنباط أساليب فاعلة للتواصل  بين القبائل والطوائف والمذاهب والأديان والأحزاب والأفراد والمؤسسات وداخل المؤسسات والخدمة المدنية من واقع موروثنا الثقافي وتنوعه، مع الإستفادة من خبرات الشعوب الأخرى لننهض ببلادنا.

وكذلك نحن في حاجة ملحة لتطوير دراستنا للقرآن في ظل التطور الكبير في العلوم الانسانية لنخرج من حظيرة  الفقهاء والفتاوى في شهوات البطون والفروج  والتحريم والتكفير إلى رحاب العلم باستنباط القيم القرآنية السامية وتطوير أساليب علمية حديثة للتواصل  لاكتشاف القواسم المشتركة بين مكونات المجتمع السوداني والعمل على ترسيخها.
13 نوفمبر 2020
[email protected]

تعليق واحد

  1. لذا نحن في حاجة ماسة لتفعيل دور الجامعات ومؤسسات التعليم المختلفة والأبحاث في حقل العلوم الإنسانية مثل الفلسفة والاجتماع وعلم النفس والاقتصاد لدراسة أنماط سلوكً الإنسان في بلادنا وإستنباط أساليب فاعلة للتواصل بين القبائل والطوائف والمذاهب والأديان والأحزاب والأفراد والمؤسسات وداخل المؤسسات والخدمة المدنية من واقع موروثنا الثقافي وتنوعه، مع الإستفادة من خبرات الشعوب الأخرى لننهض ببلادنا.

    هذا يتطلب إعادة النظر في مناهجنا التعليمية من الصغر حتى مرحلة الجامعة ليس على طريقة القراي ولكن ا يتولى شأن المناهج أناس من ذوي الخبرة والمعرفة والعقول المستنيرة والبصيرة والأخلاق حتى يكون المنهج متوازنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *