مقالات، وأعمدة، وآراء

أين نحن من نيران  أفريقيا الوسطى؟

مصعب المشرّف

على العكس مما يظن البعض في وسائط المعلوماتية والإعلام . فإننا لسنا ببعيد عن جمهورية أفريقيا الوسطى أرض الذهب والماس والفقر والجوع والضنك في آن واحد . يما يمثل متلازمة الدول والشعوب الأفريقية التي يشيب لها الرأس من فرط أطماع وتدخلات القوى والقناعات الإستعمارية العجوز والفتيّة.

 

قد لا يعلم البعض أن جمهورية أفريقيا الوسطى كانت فيما مضى “قبيل الثورة المهدية” مملكة سودانية تأسست على يد القائد رابح فضل الله أحد مساعدي الزبير باشا . إمتدت هذه المملكة الجعلية التي عرفت بمملكة ودّايْ من الكاميرون جنوباً إلى تشاد شمالاً. ودامت سنوات صامدة في وجه المستعمر الفرنسي وانتصرت على جيوشه في ثلاث معارك ضارية . قبل أن تتمكن فرنسا من تدميرها بعد إستشهاد الملك رابح عام 1900م في ميدان المعركة وتقسيم  أراضيها ما بين ثلاث دول هي الكاميرون وأفريقيا الوسطى وتشاد.

 

ولقد تكتمت مناهج بخت الرضا على أيام الإحتلال الثنائي الإشارة إلى هذا التاريخ تحاشياً لإيقاظ الروح الوطنية والغيرة في نفوس الشعب السوداني ….. ولم تهتم الإدارة الوطنية للمناهج بعد الإستقلال بتوثيق سيرة الملك رابح ربما خوفاً من إلتصاق إسمه بالزبير باشا الذي قدمته الخديوية المصرية وبريطانيا كبش فداء لتنفي به عن نفسها وتلصق به وصمة الإتجار بالبشر كذباً وإفتراء.

ثم مضت السنوات سراعاً . فنسي الناس قصة مملكة ودّاي. ولم يعودوا يعرفون عن الكاميرون سوى تجليات مشاركاتهم في كاس العالم . ولم يعودوا يعرفون عن تشاد وأفريقيا الوسطى ومالي سوى أنها بلدان  أفريقية تشارك ببعض أبنائها في مشروع الجزيرة والمشاريع الزراعية المروية التابعة. وأنها شعوب كغيرها من شعوب غرب أفريقيا لاتزال تراوح مأساتها كضحية من ضحايا الإستعمار الفرنسي الشرس البغيض سيء السمعة. الذي يستنسخ نموذجه الجزائري أينما ذهب وحيثما حل به ترحال وتطواف المصلحة ، ونهب ثروات البشعوب وإنتهاكات حقوق الإنسان والتنصير بالقوة.

 

واليوم وعلى هامش التنافس على السلطة في أفريقيا الوسطى ما بين رئيس إنقلابي سابق (فرانسوا بوزيزي) مخلوع فرنسي التبعية ، و رئيس قائم (فوستين آرشانج) روسي التبعية . تشهد جمهورية أفريقيا الوسطى صراعاً محتدماً من المتوقع أن تكون له عواقب وخيمة . ونموذجا ومقدمة تنذر بإمتداد النيران إلى دارفور وجبال النوبة على وقع ميوعة النور  وتصلّب الحلو.

 

منذ أيام وعلى ذات الطريقة التي طلب بها المخلوع عمر البشير من الرئيس بوتين التدخل لحمايته من الأمريكان ، وبناء قاعدة روسية على سواحل البحر الأحمر شبيهة بالقاعدة الروسية في طرطوس السورية . يستنسخ رئيس جمهورية أفريقيا الوسطى ذات الطلب والتسول البشيري. ويحصل بالفعل على خدمات الحماية الروسية في مواجهة الرئيس الأسبق المسنود من فرنسا.

ووفقاً لذلك فقد وصلت للعاصمة بانغي قزات رواندية بالإضافة إلى قوات روسية تابعة لشركة فاغنر الأمنية القريبة من الكرملين . وبسطت حمايتها (الروسية) على الرئيس القائم .

 

واليوم وبوصول قوات روسية ورواندية حليفة إلى أفريقيا الوسطى . فإن شمس فرنسا قد غربت في هذا البلد . أو ربما تنقسم هذه الجمهورية ما بين روسيا وفرنسا. على ذات الإنشقاق الليبي.

 

وعلى واقع أن الإهتمامات الروسية تتشابه مع الفرنسية في التركيز على السيطرة والنهب للثروات , فلا يستبعد أن يمتد الصراع بينهما للسيطرة على أقليم دارفور على أقل تقدير إن لم تمتد السيطرة إلى جبال النوبة. ولكن الغلبة ستكون لروسيا على فرنسا من واقع التفوق الروسي في المجالين العسكري والإقتصادي.

 

حمى الذهب والماس واليورانيوم . وكثير من الغاز وقليل من البترول تستدعي أن يسيل لها لعاب فرنسا التي تعاني صعوبات إقتصادية جدية تستنزف قدراتها كدولة تراجعت إلى الصف الثاني. كما أن الرئيس بوتين بعد تجاربه الناجة في سوريا وليبيا نراه اليوم يمد عنقه إلى الساحل السوداني الشرقي . وبما يقتضي أيضا التمدد داخل الأراضي السودانية,

 

مجيء الروس إلى (أعماق) أفريقيا لا يبشر بخير أبداً , فالروس لا يقيمون وزنا للعدالة وحقوق الإنسان واتنمية البلدان والشعوب الأخرى . وقد كان للعلاقة السرية التي ربطت ما بين بوتين وترامب خلال السنوات الأربع الماضية ما يثير القلق والشكوك بأن ترامب قد منح بوتين الضوء الأخضر للتمدد في الشرق الأوسط وأفريقيا.

وفي ظل إبتعاد المواطن والمثقف السوداني الملحوظ طوال الثلاثين عاماً الماضية عن الإهتمام ومتابعة ما يدور في القارة الأفريقية . واهتمامه فقط (بسبب موجة التعريب) بمتابعة ما يدور في مصر من حراك سياسي ، وتطلّعه وتشوّفه لرفاهية بلدان النفط العربي ، وعنتريات تركيا أردوغان ، وإسلاميات إيران الخميني وأفغانستان طالبان. فإنه وبمثل ما تفاجأت به البلاد من تركيبة قوات الدعم السريع الإثنية التي ضمت معظمها أبناء شعوب غرب أفريقيا المسلمة وفلول مملكة رابح هناك . فإن من المؤكد أن نيران أفريقيا الوسطى وألسنة اللهب المتوقعة لن تكون بعيداً عن الأراضي السودانية والقبائل الهشة في إقليم دارفور وجبال النوبة…… وستعقد ألستنا المفاجأة وتتبلد الحواس . ولن يفيدنا لطم الخدود وشق الجيوب  إن حدث وسبق السيف العذل.

 

مصعب المشرّف

 

22 ديسمبر 2020م

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى