مقالات، وأعمدة، وآراء

صرخة في وادي الثورة

مهدي امين التوم

أعتقد مخلصاً أن  إصلاح الوضع المتردي الحالي في السودان ،و إنقاذ الثورة و الوطن مما يحيط بهما من تآمر داخلي و خارجي ،و ما تستبطنه لهما الفلول العسكرية و الإنقاذية ،  و ما تستوجبه الحاجة لتهيئة البيئة السياسية الصالحة للإستفادة القصوى   من الإنفتاح علي العالم لإقتناص فرص  التنمية التي تتيحها  قرارات الإنعتاق من  قائمة الإرهاب الأمريكية، و التحرر من ربقات حجب الحصانة السيادية ،  أعتقد أن ذلك يقع في محيط   ست جهات وتنظيمات محددة يُوجَد علي بعض مواقفهم شيئ من الإمتعاض الشعبي بإعتبار  أنهم مسؤولين، بشكل مباشر أو غير مباشر، عن كل ما يدور في حلبة الصراع السياسي  و ما يُشَاهَد من إخفاقات في السودان،  كما يُربَط بهم، و لو بدرجات متفاوتة، معظم أسباب ما نعيشه من إحباط و تقهقر للخلف لازمنا منذ الإستقلال، و تسارع بشكل كبير في عامي الثورة الأخيرين..و لكي لا نتأسَّى علي ما فات و نندم علي ما هو آت ، و لكي تعود اللحمة و الزخم الثوري المتحد الذي أطاح سلمياً بأعتى و أظلم ديكتاتورية رُزِئ بها وطننا العزيز ، فإني  أبدي هنا ملاحظات متواضعة تستهدف الدفع للعودة للوحدة العظيمة و المنتجة التي ظللت سماء الوطن قبل توقيع الوثيقة الدستورية ، التي هي ذاتها، بكل أسف، أصبحت اليوم غير ما كانت عليه بالأمس ،إذ مسها الضر بالتعديلات و الإضافات التي طمست كثيراً من معالمها الاصلية، و لم تأت بأفضل..عليه فإني أقول :-

*أول المعنيين :حزب الأمة:-
لا بد للحزب من طي مرحلة الإكتفاء برجع صدى الصوت الواحد..يكفي نصف قرن..كونوا أنتم ،أجهزة و أفراداً، و لا تعتبروا أن ما أعددتم ،أو ستعدون، من خطط و أفكار مقدسة و يجب قبولها بحذافيرها إملاءً و فرضاً..نعم جذوركم عميقة في التاريخ وتجربتكم كبيرة، لكن عليكم إدراك أنكم تتعاملون مع أجيال جديدة ليس التقديس الأعمى جزء من تركيبتها النفسية، و مثل هؤلاء موجودين حتى بين ظهرانيكم، دعكم من الآخرين..عودوا بتواضع و بقلوب مفتوحة الى المظلة التي قدتم عبرها، مع الآخرين، الثورة و بنيتم مؤسسات الحكم ثم آثرتم الإبتعاد في غضبة مضرية لأن آذان الآخرين ليست صاغية بما يكفي لوجهات نظركم و التي تفترضون قبولها بنفس قدسية القبول في مؤسسات و بين جماهير الحزب. إن مياهاً كثيرة  قد جرت تحت جسر الوطن مما يتطلب تواضعاً في طرح الرؤى، و تكاملاً في بناء البرامج، و مرونة في المفاهيم، و ثقة في أن الآخرين هم أيضاً و طنيون  و من حقهم النظر بعيون أخرى و بأبعاد مختلفة … عودوا لمقعدكم الخالي في منبر الثورة العام لتعيدوا للثورة زخمها و للمدنية كلمتها و سطوتها.

*ثانيا:الحزب الشيوعي:-
ديناميكيتكم و قدراتكم التنظيمية و شبابية جماهيركم لا تخطئها العين. إتسم تاريخكم بالصراعات الداخلية و المجاورة و اتسمت علاقاتكم مع الآخرين بالجرأة و الإخلاص لكنها لم تكن يوماً طويلة النَفَس  إذ سرعان ما تتضعضع و ربما تتحول إلى عداوة…مشكلتكم الأساسية هي إعتقادكم الدائم بأنكم تملكون كل الحقيقة ، و أنكم أكثر فهماً و إدراكاً من كل الآخرين، و تبدون كثيراً وكأنكم تظنون أن كل الآخرين متآمرين عليكم و علي الوطن، و أن فهمهم قاصر أو متخلف .. من هنا تنبع حساسيات بينكم و بين الآخرين تؤدي لمواقف سياسية يصعب فهمها أو هضمها،مثل إبتعادكم الحالي عن قوى الحرية و التغيير و محاولة تكوين حاضنة ضرار ، بشكل ساهم بقوة في إضعاف قوى الثورة أمام المتربصين بها ، عسكراً و مدنيين. يضاف الى ذلك ظاهرة تنكرونها و لكنها واقع و هي إزدواجية المواقف..فأنتم تبدون في أحيان كثيرة و كأنكم تقفون مع الشيئ و ضده في نفس الوقت ، و هذا ما عقد كثيراً من المواقف، و أربك حتى المتعاطفين معكم من خارج العضوية الملتزمة . كذلك ما أسهل التخوين عندكم.. رغم كل ذلك  فإن عودتكم لموقعكم الطبيعي بين قوى الثورة ضرورة تاريخية و ظرفية لإعادة بناء مؤسسات الثورة علي أسس تتواضعون عليها مع الآخرين ، تقوم علي أساس المشاركة و الجماعية التي أنجزتم بها معاً الثورة،  و وضعتم بها الوطن في بداية الطريق قبل أن  تتخلوا عن رفقاء الدرب  ليفقد الجميع البوصلة و يروح عليهم الدَرِب..عودوا للآخرين بقلوب مفتوحة و بإيمان صادق بأن الحقيقة ليست حِكراً عليكم، و تخلصوا من إزدواجية المواقف التي لا تفوت علي الذكاء الفطري لأهل السودان رغم عدم إقراركم بها .

 * ثالثاً: تجمع المهنيين:-
لقد قمتم يا معشر تجمع المهنيين بقيادة مسيرة الثورة بكفاءة عالية في ظروف حرجة، و ساهمتم بفعالية عالية في كتابة سطور مشرفة في تاريخ السودان الحديث، و تمكنتم بمهارة عالية من جمع و توحيد شتات الاحزاب السياسية و التنظيمات المدنية و ملايين اللامنتمين، حتى وقف كامل الشعب السوداني وقفة رجل واحد هزَّت عرش الإنقاذيين ،و أطاحت برؤوسهم و نظامهم عنوة و إقتداراً…لكنكم ضربتم الثورة في مقتل بتشظيكم و بإنحنائكم للتأثير الحزبي الذي جعل صورتكم الحيادية القومية إبان الثورة ، تنقلب الي شيوعية صارخة عبر إنتخابات إنتقدها كثيرون بحقٍ أحياناً ،و بدون حق في أحيان أخرى…و إنتهيتم بكل أسف إلى تشظي تجمعكم قيادياً، و إلى ما نرى من فقدان للتأييد الجماهيري الضخم الذي حظيتم به عن إستحقاق، و انتهى بكم الأمر إلى إبتعاد  عن المنصة التي كنتم أنتم سبب إنشائها و نجاحاتها ، بل كنتم دون شك رمانة ميزانها ، و ملَّاحها الماهر في بحر تخبطاتها ، كما كنتم طاقتها الإحيائية الكامنة في كل مرة كاد يطيح بها اليأس أو التقاعس..
عودوا إلى رشدكم و وحدتكم أيها المهنيون فالظروف لا تحتمل ما أنتم فيه من تشظي و  فُرقة، و ما يلوح في الافق من تهديدات داخلية و خارجية..كونوا المبادرين للم شملكم أولاً و من بعد أعيدوا بناء الكتلة التي تحتاجها الثورة لتبقى وسط ما يحيط بها من عواصف، فالوطن يحتاجها  ليشفى مما هو فيه من تمزق، و يسلم عبرها مما يتهدده من إخوة أعداء يملؤن الساحات المحلية و الإقليمية و الدولية..عودوا بإسم الثورة لكي لا تخبو نيرانها و تصبحوا علي ما فعلتم نادمين.

 رابعاً:الجبهة الثورية:
صحيح أنكم صارعتم نظام الإنقاذ لفترة طويلة زعزعت كيانه و أفشلت الكثير من خططه، إلى أن قال الله لثورة ديسمبر كوني فكانت و نجحت بتضحيات و دماء الشباب و الكنداكات  الذين هبوا في كل بقاع السودان فاتحين صدورهم العارية للرصاص، هاتفين بحياة الوطن ،  فبهروا العالم بجرأتهم و سلميتهم و وطنيتهم التي تعدت كل الحدود الجغرافية و الإثنية و العقائدية..نعم كان لكم كسبكم الثوري الذي لا يُنكَر و يعترف به الجميع ، و لكني أراكم مؤخراً تبدون جاحدين لكسب الآخرين!!!  . فمنذ أن شرفتم الوطن بحضوركم الميمون بعد إتفاقية جوبا، ظلت  الأسافير و الإعلام المرئي و المسموع تمتلئ جميعها بكل ما هو مستفز للثوار المدنيين، و مقلل دون وجه حق لأدوار و إنجازات التنظيمات المدنية التي  قادت الثورة دون كلل أو ملل، و  في أوقات لم نشهد لكم خلالها أي محاولات، و لو متواضعة ، لشغل قوات الجنجويد و عصابات الإنقاذ عن ما كانوا يقومون به في الخرطوم و المدن الأخرى من تقتيل و إنتهاكات للحقوق و الحرمات يندى لها الجبين..إننا لسنا في وضع تلاوم لكننا نتطلع لرؤية تواضع، و لو محدود، من جانبكم، إعترافاً و تقديراً لما قام به الآخرون من غير حملة السلاح ، و نتوقع منكم عودة مخلصة و عاجلة للمنصة السياسية الموحدة التي كنتم جزءً أساسياً منها عبر عضويتكم  في نداء السودان..إن الوضع لا يتحمل ما نشهد من عدم إصطفاف قومي، و تنافر غير منطقي، بينكم و بين الشق المدني من مؤسسات المجتمع السياسية مما يوحي  و كأنكم تتجاهلون حقيقة أنكم في الأصل مدنيون إضطرتكم ظروف إنقاذية قاهرة لحمل سلاح أسكته نجاح الثورة و  طواه ما أنجزته قوى الثورة من إتفاقية سلام نأمل ان يعضدها قريباً إتفاق مُكمِّل مع الأخوين عبدالواحد و الحلو و كل المغاضبين الآخرين إن وجدوا ..
إن وقوفكم في الشاطئ الآخر  ،و ما تبدون من مظاهر تضاد مع قوى الثورة المدنية، غير منطقي و يستلزم إعادة التقييم لتعود الوحدة الوطنية الشاملة التي يحتاجها السودان في هذا المنعرج الخطير من تاريخه.. إن مكانكم الطبيعي في شاطئ الثورة المدني لتدفعوا مع الآخرين سفينة الحكم المدني إلى مرافئ السلام و الحرية و الديمقراطية و العدالة و التنمية المتوازنة و المستدامة .

 
خامساً: الجيش:-
أنتم  يا جنود الوطن دون شك شرف الأمة و سندها ، و لكنكم ،كمؤسسة، جلستم علي أنفاسنا طويلاً ،و عطَّلتم بذلك ما كان يجب أن يتم بالممارسة من تطور طبيعي لنظام الحكم الديمقراطي، الذي رغم كل مشاكله، يعتبر أفضل أنظمة الحكم التي عرفتها البشرية، و قد إرتضاه أهل السودان و ثاروا مراراً من أجل إستعادته من أنظمة عسكرية ديكتاتورية، و حاولوا جاهدين توطينه و تثبيته و تطويعه ليلائم ظروف  السودان و طبائع أهله…لكنكم كنتم دائماً تقطعون الطريق و تعودون بالبلاد القهقرى  ، ليس عدم وطنية منكم، و لكن ببساطة لأنكم كنتم تقحمون أنفسكم في أمور حكم أنتم بطبيعة تكوينكم و تدريبكم غير مهيئين لها.. فأنتم عسكريون و كفاكم صنعة و شرفاً فخراً ..فكل مهيأ لما خُلِقَ له..أتركوا المدنيين في حالهم يخطئون و يتعثرون و يتعلمون..وجودكم الحالي بعد الثورة فرضته الظروف ، ليس ضعفاً من الثورة ،بل قراءة ظرفية للثوار كان لها ما يبررها في حينها، و لن تتكرر إذا عادت عقارب الثورة.. و عموماً أتمنى أن تدركوا أنه ليس من مصلحة أحد، و لا من مصلحة الوطن، إختلاق صراع مدني/ عسكري، أو تعطيل خطوات التحول المدني الديمقراطي، فأنتم أمام جيل مختلف من الثوار الشباب الذين عرفوا الدرب ،و جذوة الثورة باقية فيهم بكل عنفوانها ، و لكنهم يراقبون بحذر و يمدون حبل الصبر ، ليس خوفاً ، بل أملاً أن تلتفتوا أنتم قبل فوات الأوان إلى مفاتيح التاريخ الذي يتشكل أمامكم و أنتم عنه متغافلين..إنكم حيال شعب يكتب تاريخاً ،و يخط أثراً يريد له أن يكون باقياً، فلا تخذلوه أو تضطروه ليخرج من جديد .

*سادساً:القوى
الإقليمية :-
لا أقول هانت…و لكن أقول : نحن شعب غير .. و فينا المكفينا.
و أخيراً  أسأل الله العفو و العافية للوطن العزيز و لأهله الطيبين و لثورته المجيدة، متمنياً أن تجد الصرخة آذاناً صاغية في لحظة قبول، و قبل فوات الأوان.
مهدي أمين التوم
٢٣ ديسمبر٢٠٢٠م.

بروفيسر مهدي أمين التوم

[email protected]

‫2 تعليقات

  1. أعتقد مخلصاً، انك غير مخلص مطلقا الا فيما قد تريد الاخلاص فيه. دونك الجامعه التي تنتمي اليها، وما نسمعة ببعض المخالفات من أعضاء هم في أعلي الدرجات الادارية، وهم قد فاتو سن المعاش فلم السكوت! تخاطب الاحزاب السياسيه، ولكن لك واجبا ايضا وصوت ينبغي ان ينبري للحق فيما هو خطأ جسيما في محيطك! ان ما تفعله الاحزاب هو ما تفعله انت في محيطك؟
    ولكنكم معشر المعاشيون تريدون ان تملكوا كل شي، دائما وابدا، من دون ترك فرصه للشباب للتدرب والنهوض بالوطن.

    المشكله الاساسيه، هي اعطاء كل ذي حق حقه! المشكله هي ترك المحاصصه والشلليات! المشكله غياب الوطنيه وحلول الانانيه والنظرة الشخصية الضيقة والنظر للمصالح فقط دون مراعاه للمواطن!

    لم نسمع لك حسا، داخل الجامعة للحديث عن الاخطاء او كيفية تصحيحها. عن المبادرة وادارتها المريبه! عن الادارة وعدم اهلية البعض ممن هم علي رأسها، ولكنكم تطبلون هنا وهناك وتعاتبون الاخرين!

زر الذهاب إلى الأعلى