مقالات وآراء

المحاكمة الطائشة .. ضغط القاضي .. أم ضغط الشعب  ؟؟

   أبو الحسن الشاعر

لو أن غاصبا اقتحم مع مجموعة مسلحة قرية واعتدى على أهلها بالقوة وفرض سيطرته عليها مدعيا أن له الحق فيها  .. وقبض على شيخ القرية وأتباعه وأولاده ومن معهم واحتجزهم ..
ولكن المفارقة أن المعتدى استطاع إقناع جميع أهل القرى المجاورة بل وأهل المدن البعيدة والقريبة بخطوته وباركوا له استيلاءه على القرية وصاروا يستقبلون سكان القرية، المغتصبين الجدد ويتبادلون معهم الهدايا والتبريكات بل المشاركات والمعاملات التجارية ويستقبلون زعيم القرية  الجديد ومن أسكنهم معه ويقيمون لهم الولائم ..
وفيما بعد أطلق المغتصب سراح شيخ القرية ومن معه والذي يبدو أنه اقتنع بالواقع فصارت له اتفاقيات وزيارات ومعاملات مع المغتصب بل أن هذا المعتدي أعطى بعض الغرف للعديد من أبناء القرية الذين كان ينظر إليهم كمشاكسين إرضاء واسترضاء ومن بينهم أبناء شيخ القرية نفسه.  .

المهم في الأمر أن القرية متعددة المنازل ووسائل الترفيه دخل فيها معظم ، إن نقل جميع أهل المصالح من أهل القرية بعد أن اكتشفوا أن فيها بئر بترول ، منهم من أكل ومنهم من شرب ومنهم من احتفل وكانت تقدم لهم العطايا والهبات والوظائف وتوزع عليهم مهام القرية فهذا مسؤول عن القاعات وذاك عن الحدائق وهذا عن حل المشاكل بين المتنازعين وذاك عن استقبال الضيوف وأكابرهم عن صرف الأموال وذلك عن الصبية والمرأة والتعليم والاقتصاد والقضاء إلخ .. ويمهر المغتصب كل التعيينات باسمه وبينهم ” قاضي القرية ” ويفرح الجميع بذلك .

ثم مرت السنوات وتبدل الحال ونفد المال وساءت علاقات الزعيم المعتدي بالقرى والمدن المجاورة فنبذوه وضاق أهل القرية ذرعا بقوانين القرية الجائرة وسطوة البعض على المال وإفقار أهل القرية إلخ .. فثاروا على المعتدى بعد أن وقفوا جميعا حول القرية مطالبين باستردادها فما كان من الحرس إلا أن قبض على زعيم القرية المعتدى وأدخله في غرفة ثم تذاكى على أهل القرية قائلا إنه لولاه لما استطاعوا استعادة القرية ولذلك فإنه سيكون له نصف القرية ولهم النصف واتفقوا على ذلك على مضض من أهل القرية..

وحين دخل شيخ القرية وأهل القرية يتفقدون قريتهم ، التي يعرفون كل ما فيها لم يصدقوا ما رأت أعينهم حيث فقد وجدوا ثلث قريتهم قد تم فصله لإخوانهم الذين عاشوا معهم في قرية واحدة ولكنهم واجهوا حريا ضروسا من المعتدي ووجدوا قرى مجاورة قد اقتطعت وأخذت نصيبها من قريتهم أما الجزء الغربي للقرية فقد كان محروقا بالكامل مع آثار رماد القطاطي والرواكيب ودماء على جدران بيوت الطين المتهدمة وبقايا ملابس حرائر القرية على الأرض وفر من بقي على قيد الحياة من كوة في السور الخلفي ووجدوا النيران وقد أضرمت في الجزء الواقع شرق القرية وتفحمت الجثث وفي شماله ووسطه وجدوا جثثا لشباب قالوا إنهم احتجوا يوما على تغييرات يرغب فيها المعتدي ووجدوا في شارع جانبي صورا لعشرات التلاميذ قيل إن الحرس أطلق عليهم النار يوم احتجوا على رفع قيمة الكتب والفطور والوقود  .. وفي بعض الغرف رسومات لأشباح وأدوات تعذيب قاسية وعبارات كتبها من ” كانوا هناك وأهينت كرامتهم ” .. وفي جدول الحديقة الكبرى وجدوا بعض الشباب غرقى وكتب أحدهم رسالة لوالدته يخبرها فيها أنهم سيحاولون الهرب الليلة من الجحيم إن تمكنوا لحضور العيد معهم لكنهم قتلوا قبل أن يصلوا .. وفي غرفة مجاورة وجدوا ضابطا كتب لزوجته نحن في طريقنا لمكان مجهول .. الليلة قبل العيد بيوم .. سيقتلوننا ويخفون جثثنا .. وداعا أبناءنا الصغار وشرفاء بلادي .. ابحثوا عنا في أقصى الجدار الغربي فقد تجدون جثثنا في قبر جماعي ..

وطاف الناس أرجاء القرية فوجدوا كل شيء قد صار خرابا يبابا .. فالماء جف في الحدائق ويبست الأشجار ونشف الزرع ونفقت الحيوانات الأليفة منها والمتوحشة ولا كهرباء ولا ماء للشرب .. الجدران متصدعة في كل مكان والخزائن منهوبة .. هلك الزرع والضرع والحرث والنسل .. الشوارع متهالكة .. الناس سكارى وما هم بسكارى .. البطون خاوية والجوع والفقر والجهل في كل موقع سوى بعض البنايات التي اختص بها أهل الحظوة أنفسهم ..
هال المحتشدون ما رأوا من فظائع ووقفوا خارج القرية يطالبون بالقصاص .. فهدأهم الحرس قائلا ” كله بالقانون ” ..
وانتظر الناس نصب المشانق وأصوات البنادق.. !! جزاء وفاقا.

بعد عدة أشهر جاءوا بالزعيم المعتدي على القرية وعصابته ” من دون الحرس طبعا الذي تحول زعيما للقرية المستردة ” وقالوا الآن نحاكمه لكم .. فماذا كانت القضية ؟؟..

القضية انحصرت فقط في..  ” لماذا استولى زعيم القرية من دون وجه حق على القرية ” ؟؟!!!!..
لا سؤال عن الدماء ولا الخراب ولا القتل ولا السحل ولا الحروب ولا الإبادة ولا الإعدام ولا التخريب ولا النهب ولا السلب ولا التفريط في أرض القرية ووحدتها وحدودها !!

لم يهتم أحد بمتابعة المحكمة التي طاش سهمها في الاتجاه الخاطئ .. ترى لو وجدوا القرية وقد عمرت وتطورت واغتنى أهلها وعاش أهلها في أمن وأمان وعيش رغيد .. فعن أي شيء تتم مساءلة المغتصبين ؟؟
احتلال القرية بالقوة ووضع اليد جريمة .. لكن قمة الطيش أن تدخل القرية فتجد الجثث في كل طريق والحرائق في كل مكان ورائحة الموت في كل بيت وتسأل الجاني عن ” لماذا جئت إلى قريتنا ؟ ” وهذا شبيه بمن يدخل بيته ويجد مجرما تسلق الحائط ليسرق وقتل عائلته حين قاوموه ويقبض عليه ويقدم فيه بلاغا ” أن هذا اللص تسور المنزل ” وحين يسأل عن مقتل أبنائه على يديه  يقول ” القضية دي خلوها جاية بعدين !!”  ..

لا أرى شخصيا أن الانقلاب جريمة إلا في حدود المعاقبة عليه لعدم تكراره من المؤسسة العسكرية ، خاصة أن كل من اعترف بالانقلابيين دولا وحكومات وأفرادا يمكن اعتبارهم ” شركاء في الجريمة ” بمن فيهم ” الجمعية العامة للأمم المتحدة ” ..  لكن المحاكمة عليه وقد تقادم العهد ، ليست أولوية بالنسبة للجرائم التي ارتكبها الانقلابيون .. وما يحدث عندنا اليوم يجري على طريقة نظرية ” الهرم المقلوب ” .. أما عبارة ” تقويض النظام الدستوري ” فهي مضحكة لدرجة أن أحمد الضي بشارة، يحاكم بموجبها.

الآن قاضي محاكمة ” زعيم العصابة وعصبته ” التي احتلت القرية .. يتنحى بزعم ارتفاع ضغط الدم .. شفاه الله وعافاه ، لكني على قناعة أن ” ارتفاع الضغط ” كان ملازما لمولانا قبل القضية ربما بعقود ..

وإن كان ضغط مولانا القاضي قد ارتفع لمجرد قليل من هياج وصياح افتعله محامو زعيم العصابة .. فإن ضغط الشارع وضغط الشعب قد ارتفع أضعافا مضاعفة من الذين يطلقون الحمار ويتمسكون بالبردعة ويحاكمون ” الزعيم ” بجريرة ليلة دخوله القرية .. تاركين ما فعله من فظائع لثلاثين عاما خلت.

ما أكثر ” الضغوط ” المرتفعة .. ضغط الخبز وضغط الوقود وضغط الجيش وضغط كرونا .. ولا ضغط منخفض سوى ” ضغط الحكومة ”  التي تتراخى .. تتراخي في كل شيء فمن يضغط عليها حتى ” تتنحى ” !!؟؟.

ولا حول ولا قوة إلا بالله ..

‫3 تعليقات

  1. لا أرى شخصيا أن الانقلاب جريمة إلا في حدود المعاقبة عليه لعدم تكراره من المؤسسة العسكرية ، خاصة أن كل من اعترف بالانقلابيين دولا وحكومات وأفرادا يمكن اعتبارهم ” يا كاتب المقال كيف لا تري ان الانقلاب جريمة، هو ام الجرائم لانه تآمر علي سلطة منتخبة ديمقراطيا وخرق الدستور، اذن ما هي الجريمة في نظرك؟

    1. أكمل قراءة العبارة ولا تحتزيء ( إلا بمقدار …) ” ولكنها ليست أولوية ” ،، ما الذي جرى في محاكمة النميري وعصابته ؟ خاصة وأنه انقلب على نفس ” النظام الديمقراطي ” ؟؟ التعايات واحدة !! المصيبة لم تكن في الانقلاب فحسب إننا في الذي جرى بعده من فظائع !!

    2. يرجى ملاحظة أخطاء الطباعة في التعايق أعلاه ، وهي لا تخفى على فطنة القاريء وتقديري

زر الذهاب إلى الأعلى