مقالات وآراء

التدريب يصنع الفرق!

محمد التجاني عمر قش

 

“الدنيا أم قدود دار العوج مو عديل

ها الأيام بتنقد في الكبار وتشيل

رحل صافينا خلا اليتامى هميل

عليهو أنوح وأبكي طول النهار والليل”

قلت هذه المربوعة في رثاء الصديق العزيز والرجل الكريم الأستاذ محمد الصافي البخيت، المستشار القانوني، الذي رحل عن هذه الفانية، أثناء جائحة كورونا، نسأل الله له الرحمة والمغفرة، ولجميع أحبائنا الذين غابوا عنا جراء هذا الوباء الفتاك، الذي خلف الحزن واليتم والفقر والخسائر الفادحة، أينما حل في جميع بقاع العالم. وفي واقع الأمر إنّ ما جعلني أستهل هذا المقال بذكرى الصديق الراحل هو اكتشاف لقاح كورونا بعد أيام قلائل بعد رحيله، ولو كانت الآجال بيد الناس لفدينا ود الصافي بأرواحنا وما نملك، ولكنّ أجل الله إذا جاء لا يؤخر، ولا نقول إلا ما يرضي الله الذي له الحمد والمنة من قبل ومن بعد.

والشيء بالشيء يذكر فقد وفقتُ بحمد الله في تلقي الجرعة الأولى من لقاح كورونا في مركز الرياض للمعارض، ذلك الصرح، الذي يعد في حد ذاته، شاهداً على التطور العمراني في مملكة الإنسانية، فهو يتيح استخدامات متعددة ولأغراض شتى. وهذه الأيام تحول هذا الصرح الحضاري لمركز للتطعيم ضد كورونا في العاصمة السعودية، الرياض، بعد تهيئته بشكل يعكس قدراً عظيماً من الاهتمام بالإنسان وصحته.

وفي الحقيقة كنت أنوي أن تكون “ومضة” هذا الأسبوع عن استقلال السودان، وعن جهابذة العمل الوطني الذين خلدوا أسماءهم في سجلات التاريخ، وكتبوها بأحرف من نور، وغرسوا في نفوس الشعب قيماً سامية ورووها بدم وطني خالص، ورحلوا عن دنيانا، ولا تزال ذكراهم باقية في الأذهان؛ خاصة لدى الجيل الذي ولد وعاش في خمسينات وستينات القرن الماضي، حيث كانت بلادنا تعيش في رغد من العيش والبحبوحة، بيد أن هذا الوطن العملاق قد ساءت أوضاعه المعيشية وتدهورت حتى صرنا نستجدي الخبز والتدقيق من غيرنا أعطونا أو منعونا، حتى بعد مرور أكثر من ستة عقود منذ رفع العلم السوداني الخفاق على سارية القصر الجمهوري بالخرطوم!  وما ذلك إلا بسبب عدم التدريب على أساليب جديدة تهيئ شبابنا للانخراط في العمل الإنتاجي المثمر، مع تزويدهم بالخبرات والمهارات اللازمة في المجالات كافة. إلا أن الحكومات الوطنية المتعاقبة من مدنية وعسكرية لم تنتبه لموضوع التدريب الذي هو أحد أركان التنمية والنهضة كما يفهمها حكام الدول المتقدمة والنامية. وللأسف فقد انحصر اهتمام السياسيين في السودان، وكان مبلغ طموحهم، الحصول على كراسي الحكم، والمحاصصة بين فرقهم وأحزابهم حتى أوردوا البلاد مورد الفقر والتخلف دون أدنى التفات منهم لأمور حيوية كثيرة من بينها التدريب!

تذكرت هذا وأنا أجلس لتلقي جرعة لقاح كورونا على يد شباب سعوديين، من الجنسين، في غاية الأناقة والذوق وحسن التصرف واللباقة والأدب؛ فالكل يلقاك بوجه طلق يبعث الطمأنينة في النفس ويشيع جواً من الأريحية تجعل المراجع للمركز يشعر بأنه في مكان آمن وتحت رعاية فريق عمل مدرب بأعلى المستويات.  ولهذا السبب أخترت العنوان أعلاه. وفي الحقيقة إن ما شهدته أثلج صدري تماماً، ولا أملك إلا أن أتقدم بوافر الشكر والتقدير لكل من يقف وراء هذا العمل الخلاق، بعد حمد لله تعالى وشكره. وقد يقول قائل إن المملكة لديها مقدرات مهولة وإمكانيات مادية كبيرة، وإن كان هذا صحيحاً، إلا أن الإرادة الواعية هي ما تحول الإمكانيات إلى إنجازات وفوائد مباشرة تصل مجاناً للمواطن والمقيم على حد سواء.

لكننا في السودان صرنا لا نجيد صنعة ولا عمل، للأسف الشديد، وما ذلك إلا لأننا لم نعد نهتم بالتدريب، كما ينبغي، في أي من المجالات، ولا حتى في الرياضة، ولذلك ليس مستغرباً أن تتردى الخدمات في كافة المرافق، العامة والخاصة، وليس في مجال الصحة وحسب ولكن حتى في الخدمة المدنية والتعليم وكل ما يتعلق بحياة الناس، والنهضة والتقدم، وأما في مجال الإعلام فحدث ولا حرج، فقد باتت أجهزة الإعلام السودانية تعتمد على المكياج، والكلام المتكلف الذي يخلو من الإبداع والابتكار.

ومن جانب، لا يمكن مقارنة الفني السوداني سواء في مجال الميكانيكا أو التمريض بنظيره الفلبيني مثلاً، فهؤلاء يقوم عملهم على تدريب متقدم وفي معاهد معتبرة تمنحهم شهادات في تخصصات محددة، وجماعتنا مبلغ علمهم التلمذة على يد من سبقوهم في المهنة. والسؤال الذي يطرح نفسه هو من المسؤول عن هذا كله؟ ولهذا فإننا نريد من وزارة العمل السودانية وضع برنامج تدريب فعال وناجح، إن هي أرادت تأهيل مواطنيها للمنافسة في سوق العمل محلياً وإقليمياً، وحتى ذلك الحين يظل التدريب مطلباً شعبياً في الحالة السودانية. نحن بحاجة إلى التدريب على نطاق واسع يبدأ بالأسرة ثم المجتمع ويطال حتى النخب السياسية وشاغلي المناصب الدستورية العليا، لأننا إذا لم ندرب هؤلاء، فإنهم لن يدركوا أهمية التدريب أبداً. والتدريب، في الواقع الأمر، أصبح أحد أهم مرتكزات العمل الناجح، في القطاعين الخاص والعام، وهو الذي يصنع الفرق.

 

 

محمد التجاني عمر قش

<[email protected]>

 

تعليق واحد

  1. ((فهؤلاء يقوم عملهم على تدريب متقدم وفي معاهد معتبرة تمنحهم شهادات في تخصصات محددة، وجماعتنا مبلغ علمهم التلمذة على يد من سبقوهم في المهنة. والسؤال الذي يطرح نفسه هو من المسؤول عن هذا كله؟)))
    معقولة يا قش ما عندك فكرة عمن هو المسؤول عن هذا كله؟ يا ترى من يكون غير جماعتك الكانوا حاكمننا 30 سنة ظللنا ندفع لهم المليارات كل يوم من جبايات ودمغات وزكوات وكل البترول الذي تم اكتشافه ويمة كل المؤسسات وممتلكاتها بدءاً من السكة حديدة والخطوط الجوية والبحرية والنهرية والنل الميكانيكي وحتى المباني الحكومية وكل ما كان يصرف على التعليم والتلاميذ والطلاب في المدارس والجامعات الحكومية من مساكن وغذاء وصحة – ألم يلهف جماعتك كل هذا وضنوا به على الشعب وليتهم اكتفوا بهذا الخراب ولكنهم حرموا مؤسسات الدولة الخدمية والانتاجية والتعليمية والتدريبية من الموظظفين المؤهلين الذين كانوا يديرون مرافق الدولة أحلت محلهم بأوباش أنجاس ليس لهم مؤهلات غير الولاء واللصوصية بجانب المؤهلات الكاذبة الأخرى كالمجاهدين والدبابين فالحقيقيين منهم قد هلكوا ليستأثر الأدعياء منهم بذلك بقسمة الوظائف والفيء وفي الحالين لم يكونوا مؤهلين حيث تم منحهم الشهادات الجامعية من غير استحقاق سوى فرية الجهاد وفكرته التي هي حد ذاتها فكرة باططلة وتشي بأن حاملها لا يمكن أن يبني دولة أو يصوغ مجتمعاً متعلماً ويحقق رفاه نفسه.
    خذ مثلاً نفسك وجيلك يا قش وقارن نوع التعليم والرعاية التي حظيتم بها من الابتدائي حتى الجامعة والتدريب الذي نلتموه بعد التخرج في مؤسسات ومعاهد الدولة للتدريب ثم انظر ماذا حصل أبناء جيلكم من بعدكم من هذه الرعاية الحكومية واحسبها في راسك إن كنت ستجد أنهم قد نالوا صفراً بالمائة من ذلك ثم ل لنا من المسئول؟ ولا تقل لنا هم مسئولون عن أنفسهم لأنهم لم يتدربوا؟ ياخي كتر الله خيرهم كونهم استطاعوا يتعلموا على نفقتهم فكيف تطالبهم بالتدريب كذلك؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى