مقالات وآراء

الخطاب السياسي والقتل العشوائي . و7 غرباء في المدينة

سنوات ظل السودان يرزح تحت جور الحكومات العسكرية التي كان همها الأول والأخير القضاء على كل من تتخيل إنه يريد أن ينافسها، أو مجرد أن تسول له نفسه شق عصا الطاعة، فقتل في سبيل ذلك الملايين من الأبرياء ظلما وبهتاناً حكومات جثمت على صدر الوطن كممت الأفواه بالحديد والنار، ومنعت الحريات فظلت الدولة فاسدة ولم يجن من ورائها الشعب إلا الحروب والجوع والمرض والتخلف ،حاول عدد من الكتاب السودانيين تجسيد هذا الواقع المحزن من خلال رواياتهم فقد كان حجم المعاناة المؤثرة على الإنسان أكبر من التحمل فانزلقت البلاد إلى هاوية الفوضى والتفكك الاجتماعي، لأن الفقر لا يولد إلا الدمار، فمثل هذا الواقع مفصل مهم من أطوار الرواية السودانية.

لعبت السياسة دوراً في معظم الروايات السودانية الحديثة ومن بين الكتاب الذين حاولوا أن يرسموا هذا الواقع الإنساني أحمد الملك … في روايته 7 غرباء في المدينة التي كان فضاؤها الصراع من أجل السلطة وما صاحب هذا الجبروت من ضحايا ودمار للإنسان الذي يعانى الأمرين الظلم والفقر.

7 غرباء في المدينة رواية دارت فصولها حول سبعة أشخاص سلك بهم القدر الطريق إلى المدينة وكل منهم يحمل تفاصيل مأساة مختلفة عن الآخر كان السبب الرئيس فيها استبداد الحكم العسكري…
جاء مدخل الرواية عبر شخصية عبد الحي وحسب تركيبته الفسيولوجية التي ناسبت دوره الذي لعبه في الرواية …. وهو بين الانداية لجلب الخمر مرتدياً ملابسه الرسمية، وموقع عمله بالحامية الواقعة خارج المدينة ومن أول سطور الرواية تستشعر اتجاه السرد خلال واقعية النص وفضاءاته التي تصب حول الدمار الذي صنعته الحروب والنزاعات التي تختلقها الحكومة وهى تشيد أطماعها حتى تظل على رأس الحكم مهما كان الثمن.

” تمازحه بائعة العرقي قائلة في كل مرة : إذا كانت الحكومة تريد أن تغيب عن الوعي فماذا يفعل الناس الآخرون؟ “وعلى لسان صاحبة الإنداية يستنكر ما تقوم به الحكومة من فساد وتخريب ويجسد الحال الذي تعيشه البلاد في زمن السرد، وإلى أي مدى وصل الحال من التردي والانحطاط على لسان صاحبة الانداية النسيم: “الناس يموتون بالجوع والأطفال لا يذهبون إلى للمدرسة وهناك من يريد إقناعنا أنه توجد حكومة ، هذه مجرد عصابة تعيش على حساب الغلابة ، حين تنفد النقود في أيديهم يهاجموننا ويهاجمون التجار الفقراء لنهب نقودهم تحت اسم الضرائب أو الزكاة أو الغرامات إنه نهب مسلح لا يختلف كثيرا عما تقوم به عصابات الشفتة”.

تنقلنا مجريات أحداث الرواية ومنذ بداياتها الأولى إلى طريقة بطش الحكومة بمن تسميهم متمردين، وتخلق المبررات لإعدامهم حتى تقفز عبر هذا المسلك الدموي إلى مرحلة تتمكن فيها من مفاصل الحكم أكثر، ويستمد الكاتب رؤيته من الواقع الذي جثم على صدر الإنسان السوداني .

وظف الكاتب شخصية الرقيب عبد الحي لتكون هي الأكثر حضورا، فهو يحمل صفتين ممثل للحكومة كحارس لغرفة المحكوم عليهم بدون محاكمة بالإعدام، و من جانب آخر هو من عامة الشعب المصطلين بنار الظلم والاستعباد.
ويتحول مستوى السرد شيئاً فشيئاً لتدور الأحداث كلها حول المحور الذي ظهر منذ بداية النص في هروب السجين من الزنزانة، وهنا عكس الراوي حال الحكومة ومحاولة سيطرتها على الأوضاع بغض النظر عن الوسيلة إلى تلك الأهداف.
وكذلك يمكن ملاحظة أن الكاتب أراد أن يبرز عبر شخصية الرقيب عبد الحي الخلل والفوضى التي كانت سائدة في البلاد ،حسب تداعيات الرواية وكانت تلك بمثابة الظاهرة الأكثر حضورا في النص.
عكس لنا الراوي حجم الظلم والانفلات الذي استشرى وسيطر على كل أركان الدولة، حيث العدل المفقود وليس هناك تقصي حقائق من قبل الحكومة بل نجد هنالك اختلالاً في كل المعايير كما يصورها الراوي وهي صور تتكرر كثيراً في فضاء الرواية.
” مهمة الرقيب عبد الحي هي حراسة المتمردين الذين تم القبض عليهم عشوائياً ولا دليل على أنهم بالفعل متمردون، معظمهم أشخاص عبروا بالصدفة في مناطق تكون تحت سيطرة قوات حركة التمرد أو عثروا عليهم قريباً من بعض المناطق الحدودية، التي ينشط فيها المتمردون، البعض يشتبه في أنهم متمردون لمجرد العثور على آثار متوهمة في أجسادهم ناتجة عن حمل البندقية على الكتف لفترة طويلة! يتم إيداع هؤلاء المقبوض عليهم في حراسة عبد الحي، وفي الغالب لا يطول حبسهم أكثر من يوم واحد ولا يكلفون الرقيب عبد الحي سوى وجبة واحدة من غذائه القليل، قبل أن يساقوا في الصباح التالي للإعدام رمياً بالرصاص”.( )

بطل الرواية الذي دارت الأحداث حوله كما جسدها الراوي شخصية تحاصرها المعاناة من كل الأطراف وتتجاذبه تناقضات ما يدور حوله وهو يعانى ذل الفقر وعدم الإنصاف، وكونه يعمل ضمن قوات الحكومة لم يكن بإمكانه أن يصرح لأحد بما في سريرته ، ثم أراد الراوي أن تكون بداية القصة وصراع أحداثها مع هذا السجين الذي سوف يتم إعدامه في اليوم التالي، فبعد أن استلطفه عبد الحي وشربا معا من العرقي الذي جلبه الأخير من الانداية، ولما سنحت فرصة الهروب للسجين أدخل يده في جيب عبد الحي الذي فعلت الخمر فيه فعلتها وغط في نوم عميق، وأخرج الأخير مفتاح الزنزانة وهرب، هكذا أصبح الرقيب عبد الحي رهين ورطة كبيرة، هروب سجين يجب أن ينفذ عليه الإعدام في اليوم التالي.

هكذا سعى عبد الحي أن يجد له من هذه الورطة مخرجاً، وذلك بالبحث عن سجين بديل يحل محل السجين الهارب، وأراد الكاتب من خلال المسار السردي للنص أن يدور الصراع حول الشخص الذي سوف يحل محل السجين الهارب ليعدم في اليوم التالي ،ومن خلال هذه المشاهد الدرامية عكس لنا الراوي مشاهد الظلم والاستبداد وكيف أن الإنسان في السودان أصبح بلا قيمة، وأن القتل الممنهج والعشوائي أصبح ممارسة مشروعة، والإعدام يطال الأبرياء وهو يستنطق الشخصيات ويحرك مسار الرواية نحو كشف المزيد من الظلم والتعسف والقمع الذي تقوم به الحكومة اتجاه الشعب السوداني.

د. منتصر نابلسي
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..