لقد تركتم القراي وحيداً

هشام باسبار
بتوصيةِ من السيد وزير التربية والتعليم أصدر السيد رئيس مجلس الوزراء قراراً في أكتوبر2019 بتعَيًن الدكتور عمر القراي مديراً للمركز القومي للمناهجِ والبَحث التربوي ومنذ ترشيحهُ واجه دكتور القراي حرباً مستمرة من جماعات الهوس الديني والقوى التقليدية بسبب علاقته بحركة الأخوان الجمهوريين . علماً بأن تعيينه قد تم بناءاً علي استفاءهِ للمطلوبات العلمية والمهنية للوظيفة ، والتي ليس من ضمنها (النوع او الدين او الإنتماء السياسي) . وهذا يعني أن الذين إصطفوا ضد تعيينه قد خالفوا الأسس المعروفة للتعيين وبناء دولة الحرية والعدالة .
أن الحرب الموجه ضد دكتور القراي حرب إعلامية ذات أبعاد فكرية وتأريخية ، يجب أن نفهمها في هذا الإطار . موقف الذين اصطفوا ضد دكتور القراي لا ينعزل عن موقفهم التأريخي من حركة الأخوان الجمهوريون ( المنهج ، التجديد ، المساواة ، المرأة والسلام ) وتصديها فكرياً لقوانين سبتمبر 1983م التي أعلن فيها الرئيس نميري تطبيق الشريعة الإسلامية وتنصيب نفسه إماماً للمسلمين ، وجاء في بيان الأخوان الجمهوريون ( هذا … أو الطوفان ) مخالفة تلك القوانين للشريعةِ والدين . بينما كانت تؤيد تدافع جماعة الأخوان المسلمين وجماعة أنصار السنة وبعض القوى التقليدية عن تلك القوانين بإعتبار إنها تطبيقاً لشرع الله .
تعلو أصوات الرافضين للقراي لإستغلالهم لمنابر المساجد ودور العبادة ولمكانة الدين في الوجدان لذا تجد خطبهم وندواتهم الدينية حظها من الرواج والانتشار يسعون لتجهيل الناس للحفاظ على أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية المميزة التي اكتسبوها من موائد النظام المباد والطفيلية ، وأن أي تغيير يحدث سيكون خصماً على تلك المصالح . لذا يجب أن لا ننظر لأصوات جماعات الهوس الديني بمقولة ( البراميل الفارغة أكثر ضجيجاً) ونكتفي بالرد عليهم بالبساطة والإستهتار لأن ما يقومون به له علاقة مباشرة بالوعي والتربية والتوجيه .
الواقع الذي فرضه صراع المناهج يحدد أطرافه بوضوح (جماعة الهوس الديني مقابل شعب آمان بثورته في التغيير والتطور) ولابد للمثقف أن يعتلي مسرح الصراع ويساهم بإمكانياته المعرفية وقدراته الرفيعة في التحليل ومساهمته في إبتكار أدوات الصراع وتحسين بنية الوعي في المجتمع والتصدي للأفكار التشويهية والمفاهيم التي تسوقنا ضد المسار الطبيعي للتطور .هذا الواقع يحتاج أيضا للدور الواضح للمبدع لترتقي عقولنا وتسمو أرواحنا بالموسيقى والرسم والخيال حينها سننظر الى لوحات الرسم والتشكيل بالتحليل والنقد لا بنظرة العين البلهاء.
لذا كانت معركة المناهج الفترة السابقة معركة فكرية من طرف جماعات الهوس الديني وقابلها نشطاء مواقع التواصل الإجتماعي بأدوات العمل السياسي فقط دون أن نجد دورا واضح للمثقفين والمبدعين وكتاب الرأي العام ، في توضيح ما أضافه المركز القومي للمناهج خلال الفترة التي كان في قيادته الدكتور القراي ، في رياض الأطفال والتعديل علي المرحلة الإبتدائية و المدخل للعلوم التطبيقية الحديثة والعلوم الإجتماعية ، وهذا الطرح للإنجازات يفتح الباب للنقاش مع أولياء أمور التلاميذ ومع الطلاب . وقد أشار السيد وزير التربية والتعليم في بيانه الصادر في 6يناير 2021 الي رؤيته الواضحة لنظام التعليم العام والعالي وطرف وزارته أوراق مؤتمر ثورة ديسمبر للنهوض بالتعليم وإنجازات الوزارة كل هذا يحتاج أن يصل بتفاصيله لجماهير الشعب كي تعرف موطئ خطوتها القادمة ولابد من ابتداع الأدوات التي تمكن الناس من معرفة ما يدور .
وتلك الحاجة للمعرفة يجب أن تشبعها وسائل الإعلام الحكومية . وايضا الدور المهم للكُتًاب السودانيين الذين بإنتاجهم وإبداعهم أصبحوا ( سلطة نافذة) في توجيه الراي العام لهم تأثيرهم الإيجابي في تغيير المناهج وهنا أذكر لقاء تم حديثاً مع الأستاذ محجوب محمد صالح في إذاعة هلا 96 أوضح فيه أستاذنا وحلل الواقع الراهن وحكومة الفترة الإنتقالية بما أنجزته وما عليها وما يجب أن يكون كان لقاءاً نوعياً وإستثنائياً حقاً ، كتب أيضاً الدكتور عبد الله علي إبراهيم في 9 يناير مقالاً بعنوان ( إستقالة القراي لم ينجح أحد) كعهدنا بمساهمته الثرة أوضح نقاط الضعف حين قال :( فأغلق رئيس الوزراء بابه في وجه القراي في حين دخلته المتردية والنطيحة وما أكل السبع ) و(أما خسارتنا الأكبر للثورة والإسلام فهي في فرض مجمع الفقه الإسلامي نفسه في خطاب المناهج كديدبان الهوية السودانية ) . لكن ساحة الصراع في مواقع التواصل الإجتماعي كعادتها واسعة ولكن تقل فيها مثل هذه المساهمات ، برغم كثرة الناشطين فيها من نالوا لقب المثقف و( المثقف العضوي ) اين مساهماتهم ودعهم للدكتور القراي بمسمياتهم تلك . أين المبدعين من صراع المناهج وقاصمة ظهرهِ كانت لوحة خلق أدم لمايك أنجلو التي صمدت كعادة العمل الإبداعي وتفوح رائحتها بعد أكثر من 500 سنة من تاريخ رسمها . أين المبدعين الذين كنا نرجو منهم بصيرة أخري غير التي ينظر بها المهووسين الي الإبداع ،من أين لنا من النقد و القراءة لتلك اللوحة وعمق خيالها وحمولة العقل البشري في زمن رسمها ، أين لنا من فهم الألوان والمعاير التي رسمت بها وأبعادها الجمالية التي تتجلى في العمل الفني أين مبدعي كلية الفنون الجميلة من هذا الصراع ، أين مساهمة النور حمد حامل درجة الدكتوراة في التربية الفنية من اهمية تدريس التلاميذ للفنون قديمها وحديثها ونماذجها ، أين مساهمات الفنان التشكيلي العالمي حسن موسي من تطوير المناهج والفنون في المدارس ونحن الذين كنا نسرق من زمن دوام العمل المدفوع الأجر لوفرة الانترنت في المكتب لنبحث عن كتاباته(في سودان فو ر ال ) فقدناك والنت علي (قفا من يشيل). هنا يحضرني ما ورد في كتاب عنف البادية للأستاذ حسن الجزولي من أحاديث الإنفعالات لحظة تنفيذ الإعدام علي أستاذنا عبد الخالق محجوب حينما قال احدهم للفنان التشكيلي جرجس نصيف داخل زنازين سجن كوبر الشرقيات :( لابورك في فنكم إذا لم تسجلوا هذه اللحظة) .
ايضاً جال بخاطري السؤال عن دور مؤسسات الاستنارة والمؤسسات الحزبية والمجتمع المدني وحركات الكفاح من صراع المناهج هذا أين الأنشطة والندوات والورش التي تدعم المناهج الجديدة . بينة الحركة الشعبية في البيان الممهور بتوقيع القائد عبد العزيز الحلو فيه ( غياب الإرادة الحقيقية في التغيير لدى الحكومة واجتماع حمدوك مع كيانات دينية اسلامية دون غيرها والإصرار على مكونات السودان القديم وتأثيرها المستمر حتي بعد ثورة ديسمبر المجيدة ). أعتقد بإمكان ( إتحاد الكتاب السودانيين) أن تكون واحدة من انشطة فعالياته مخصصة للمناهج الجديدة وكتبها كإنتاج بشري إبداعي، فالكتاب المدرسي ادوات تطوير عقلي وقيمي و فني و ( إلزامي ) . ايضا أشار الأستاذ محجوب محمد صالح في لقاءه الإذاعي سالف الذكر الى تنظيم اكثر وضوحاً للجان المقاومة لتلعب دورا حقيقيا في التغيير وتناول نفس الموضوع بروف محمد الأمين التوم في بيانه وتظهر اهمية هذا الموضوع في عدم وجود رأي واضح للجان المقاومة في مسألة تغيير المناهج وهذا اهم من دور الرقابة الامنية التي زجت بها في محطات الوقود والمخابز .
وفي هذا الوضع المربك المظلم تدهشنا المبدعة إستيلا قايتانو بمبادرتها (أصنع فرقاً بكتاب) بمشروع مكتبة عامة للإطلاع ونشر الوعي ألف مبروك لناس الضعين ، نيالا ونيرتتي بنفاج إستيلا البديع ، هذه المبادرة هي الداعم الحقيقي للعملية التعليمة ولمشروع الاستنارة في السودان شكراً من القلب إستيلا ، حقا ما قال دكتور عبد الله علي إبراهيم في زمن الانفصال (إلا إستيلا).



