مقالات وآراء

زوبعة في فنجان حول كتاب التاريخ للصف السادس

محمود محمد ياسين

من خلال اللعب بمشاعر قطاعات معتبرة من الشعب بالهجوم على كتاب التاريخ للصف السادس الابتدائي حتى تجميد تدريس محتويات المُؤَلّف، حقق الإسلاميون من نظام الإنقاذ المقلوع انتصارا كبيرا على درب عودتهم الى الساحة السياسية؛ وعودة الظلاميين بدأت منذ اليوم الأول لتشكيل الحكم الانتقالي الذي اخضع البلاد لمشيئة المحاور الأجنبية التي طالما تربصت بالسودان انتظارا لهجمة كاسحة تخلخل كيان البلاد لإخضاعها لخدمة مصالحهم. فمنذ أسبوع عمله الأول، عمد رئيس الوزراء لاستقبال قادة النظام السابق والتحاور معهم، كما أسلم التحكم في إدارة مكتبه وقراراته للجماعة المروجة لفكرة ” مساومة تاريخية بين الإسلاميين واليساريين” التي لا يسندها أي تصور نظري ما وانما جاءت معبرة عن السقوط الفكري المريع لأصحابها.

كشفت التصريحات المختلفة للأطراف المتنازعة حول المنهج (مدير المركز القومي للمناهج، مجلس الوزراء، وزير التربية والتعليم، مجمع الفقه الإسلامي، الخ،) أن النظام الحاكم ليس لديه رؤية واضحة موحدة حول السياسة التعليمية التي تتضمن موجهات تصميم المناهج المدرسية. كما أوضحت أن رئيس الوزراء كان غير مُلم ومتابع لسير عملية وضع المنهج التي تعتبر متابعتها جزء من العمل اللصيق لأعلى مستويات الدولة وذلك لأهميتها الاستثنائية. والم يكن مفترضا، لو كانت لدى الحكومة رؤية واضحة للصورة التي يجب أن يكون عليها المنهج أو حتى أي قدر من الجدية، أن يُعرض المنهج المقترح على مجلس الوزراء لإجازته النهائية؟

لكن من ناحية أخرى فان د. عمر القراي مدير المركز القومي للمناهج غير معفى من تحمل مسؤولية وصول الأمور الى الحد الذي وصلت اليه. ومهما حاول، فان الدكتور لا يمكنه اقناع أحد بان تصريحاته المتواصلة حول المنهج لم تكن خالية من نعرة تحرك اجتهاده لربط الخطوط العريضة للمنهج بأفكار حزبه الجمهوري. ولم يكن القراي في حاجة لذلك الخروج المتواصل للتحدث للناس عن العمل الفني الذي يقوم به. وان لم يكن هناك ما يثبت بشكل قاطع اسقاط أفكاره العقدية على مخرجات المنهج تحت النظر، الا ان تصريحات مدير المركز القومي للمناهج اشتملت على ما أدى الى تأجج الجدل الدائري القديم بين الحزب الجمهوري والجماعات الدينية الأخرى. فمثلا بدلا من أن تعمل لجنة تغيير المناهج بهدوء على إزالة “الحشو” من المناهج الموروثة من النظام السابق، يظهر القراي ويلقى بأحاديث تثير الجدل مثل اعلانه أن سورة الزلزلة تسبب الذعر للأطفال!

وحول لوحة “خلق آدم” لمايكل آنجلو المنشورة بكتاب التاريخ للصف السادس الابتدائي، فان الجدل حولها الذي اثار بداية لواء الارجاف فيه اعلامي جماعة الهوس الديني، فمن غير الواضح لماذا هذه اللوحة بالذات؟ وفى ضوء الضجيج الذي ظل يمارسه القراي حول المنهج، فليس افتراء عليه القول إن اختياره للوحة جاء بإيعاز من خلافه مع السلفيين والاخوان. وفى هذا الخصوص فان القراي لم يستطع الدفاع عن اللوحة وتبريره افتقد للعمق ويثير الضحك، ” وشر البلية ما يضحك”، عنما ظل يكرر (ومن قال ان “الرجل” في اللوحة هو “الله”).

خلافا للموقف الديني المتزمت، برز رأى وسط كثير من المثقفين وغيرهم يعبر عن عدم التوفق في وضع اللوحة في الكتاب المذكور. وبينما يتسم هذا الرأي بالمعقولية، الا ان مطالبة الكثيرين من أصحابه طمس اللوحة واخفائها تثير الاستغراب؛ فاللوحة متوفرة رقميا بكثرة وليس مستبعدا ان يكون الكثيرين من أولاد الصف السادس الابتدائي راوها قبل نشرها في كتاب التاريخ، ليس هذا وحسب بل راوا صورا وكتابات أخرى بشعة تسيئ للناس والأفكار والمعتقدات بشكل مبتذل يتسم بفقر فكرى بائس.

اننا نعيش في عصر انفجار المعلومات ومن مظاهره أن الاطفال صاروا يتمتعون بذكاء أكثر من الأجيال السابقة؛ وتعرضهم لكم هائل من المعلومات والمعارف وسع مداركهم ووعيهم وبالتالي ميلهم لطرح المزيد من الأسئلة حول مختلف الموضوعات. ان إخفاء لوحة مايكل آنجلو لا يجدي. فتعرض الاطفال لرؤيتها وغيرها من المحتوى المعلوماتي الغث الذي يبث عبر الانترنت لا مفر منه وهذا يطرح أمام المجتمع تحديات تربوية جديدة مواكبة للعصر. فمثلا يمكن معالجة أو تناول لوحة مايكل آنجلو في إطار حقيقة تعدد واختلاف أفكار ومعتقدات الناس في العالم وليس شطبها واعتباها غير موجودة…(قد يكون الدفاع عن اللوحة هو أن الغرض من تضمينها بالمنهج هو أنه بجانب الإشارة للأبداع الفني لفنان تشكيلي عبقري من عصر النهضة الأوربية تعليم الصغار حقيقة تواجدهم وعيشهم في عالم تختلف فيه أفكار الناس ومعتقدتهم، الخ.)

لكن النقطة المهمة هي أنه لا يوجد في كتاب التاريخ للصف السادس الابتدائي أي إساءه للإسلام وان 85% من مواده تتحدث عن الإسلام ولا تدعو لغيره. وهكذا بكل صراحة لا يوجد جديد في المنهج الموضوع للصف السادس الابتدائي الذي جرى فقط إعادة تصميمه شكليا. والضجة التي يثيرها الظلاميون مجرد زوبعة في فنجان. فان المنهج الجديد ما هو الا امتداد للتوجه القديم في اعداد مناهج التاريخ ونشير بشكل خاص للتركيز أساسا على المحتوى وليس المفاهيم الأمر الذي يمنع الرؤية المستخرجة من النطاق الضيق لتجربة معرفية (أولية بالطبع في حالة الأطفال) التمدد إلى نطاق أوسع او كلى، أي إهمال التركيز على القدرات المفاهيمية. لكن هل نبالغ عندما ننادى بضرورة تطوير القدرات المفاهيمية للأطفال على أساس أن هذه القدرات لا تتحقق الا في مراحل عمرية متقدمة؟ لا اعتقد:

ان لأطفال لهم تواصل فكرى بدائي مع تجارب خارج تجاربهم المباشرة، فمثلا صغار السن تتجمع لهم مجموعة من المفاهيم من خلال تعرفهم على عوالم الخيال التي تذخر بها القصص التراثية المحلية والعالمية، المقروءة والمسموعة والمرئيّة. مفاهيم مثل الشجاعة مقابل الجبن؛ البطولة/الانهزام؛ العدالة /الظلم؛ المحمدة/ العيب.  ان تعليم الطفل المفاهيم في شكلها البدائي والمستمدة من تجاربه الأولية وتطبيقها على مواضيع مختلفة او جديدة (بغير ما يعرفه الطفل أصلا) يجعله يميز بين المفهوم والمضمون، كما يجعله يمتلك قدرة أكبر على الحفاظ على متابعة الموضوع المعين بصورة مستمرة.

تعليم الطفل تطبيق هذه المفاهيم البسيطة هو بمثابة اعداده لكي يكون أكثر استعدادا لتطوير مفاهيم معقدة مجردة في مراحل دراسية لاحقة متقدمة، وهذا يجعل المناهج الخاصة بالتاريخ للمراحل الدراسية المختلفة تكون متكاملة؛ وهو تكامل يحققه الصقل المتواصل للمفاهيم.

محمود محمد ياسين <mahya[email protected]>

تعليق واحد

  1. مش حقو نعرف مؤهلات الكاتب هل يكتب من خلفيه وتجربه أو مؤهل تربوى فهذا يجعلنا نقيم أرائه فى هذا المجال. أصله المسأله جاطت وصار كل من هب ودب يدلى برأئه فى هذا الموضوع المهم.

زر الذهاب إلى الأعلى