مقالات وآراء

العقل ام العاطفة

محمد مهاجر

كثيرا ما يحدث ان تبث وسائل الاعلام خبرا مهما فيهرع الناس اليها وتنفتح شهيتهم لسماع او قراءة المزيد. ولان الاعلام المسؤول الذى يحترم رسالته ينأى بنفسه عن إعطاء المعلومات المضللة او الكاذبة, فان الاعلام غير المسؤول غالبا ما ينتهز الفرصة لكى يضخ كمية كبيرة من التطورات والتفاصيل حول الحدث المعنى. وفى الجانب الاخر غالبا ما يكون دور السواد الأعظم من الجمهور سلبيا لقلة خبراته ومعارفه التي تمكنه من اصدار الاحكام المناسبة في ما يختص بمصداقية الاخبار الواردة اليه وتفاصيلها.

ان الحكم المبنى على العاطفة فقط لا يمكن ان يصيب كبد الحقيقة.  وفى حالات كثيرة تتكئ جهات تجارية او غيرها الى ميل الجمهور الى الحماس وتغليب العاطفة فتستغل ذلك في الكسب التجارى او السياسى. وتساعد على ذلك عوامل ذاتية بحتة مثل الحب الاعمى او الغضب العارم اوالتحيز اوالتعصب للحزب او الطائفة او الجماعة. وفى كل الأحوال ينقاد الناس الى التفكير العاطفى السطحى المندفع عوضا عن التفكير العلمى النقدى.

ان اهم مدخل للتفكير النقدى هو المقدرة على طرح الأسئلة, مثل ما هو الخبر ومتى حدث ذلك الذى حدث وأين ولماذا حدث وغيرها من الاسئلة. فاذا سئل سائل عن مصير لوح ثلج وضع على حجر في منصف نهار صيف حار فى السودان, فان المجيب سيختار ذوبان الثلج او ربما تبخر الماء. وفى حال إصرار البعض على احتمال ان يكون السبب هو وجود قوة خفية او سحر, فاننا نفترض على الأقل ان ليس لدى تلك المجموعة قدرة على التفكير النقدى. والشاهد هنا ان الحرارة تؤثر على انلماء فتبدل حاله من الصلابة الى السيولة ومن السيولة الى الغازية, او التبخر. واذا سال المدرس تلاميذه الصغار عن حاصل جمع نصف الى نصف فان اجابتهم ستكون اما واحد او رغيفة كاملة او قطعة بيتزا. هذه مسألة رياضية بسيطة تحل بواسطة قوانين الرياضيات.

في العلوم هنالك مسائل معرفة تعريفا محكما ودقيقا وهذه يمكن إيجاد الحلول لها باستخدام القوانين وأدوات الاستنباط المنطقى المحكوم بالضوابط العلمية. وفى المقابل هنالك مسائل طارئة ومشاهدات وهنالك رصد لظواهر طبيعية, هذا النوع من المسائل يحتاج الى معرفة علمية عميقة وخبرة طويلة لكى نستطيع إيجاد الحلول لها. وكمثال للنوع الثانى فان تشخيص الامراض التي لا تتوافر معلومات كافية عن اعراضها ومسبباتها يحتاج الى طبيب اخصائى من ذوى العلم والخبرة المميزة. وكذلك الحال في مجالات الأرصاد الجوى والتنبوء باحوال البورصة وقياس وتحليل توجهات الناخبين.

ان ركون الناس الى الاحكام المستندة الى العاطفة يجعل إمكانية استغلالهم من قبل الاخرين كبيرة. فشركات المراهنات الرياضية مثلا تستخدم خوارزميات معينة لكى تعينها على التنبؤ بإمكانية الربح والخسارة, ومن هنا تصمم صيغ المراهنات المختلفة. فمثلا قد ترصد شركة ما جائزة كبيرة جدا لمن يتكهن بفوز فريق معين على خصمه الضعيف بشرط ان يحرز الهدف في الشوط الأول ومن قبل لاعب هو من اللاعبين الاعلى اجرا في العالم. وبالرغم من إن الاحتمال كبير في ان تخسر الشركة في هذا الرهان, الا انها ستربح في نهاية المطاف لان الخاسرين سيراهنون من جديد في مباريات أخرى, والسبب هو بلعهم للطعم. وكل شيء محسوب بخوارزمية محكمة. هذا ما يفسر الغنى الفاحش لشركات المراهنات الرياضية والحالات الكثيرة من الإفلاس وتحول بعض المراهنين الى متسولين ومرضى ومدمنين للخمور والمخدرات. انه الاندفاع العاطفى واهمال العقل.

ان تغليب حكم العاطفة على العقل هو المسؤول عن الكثير من حالات التطرف والفشل. والامثلة كثيرة منها اليمين المتطرف في الدول الغربية والذى ينظم المظاهرات من اجل طرد الأجانب ويستخدم العنف, ومنها حركات التطرف الاسلامى مثل داعش وحزب الله والجهاد الاسلامى والكتائب الشيعية الارهابية التي صنعها النظام الايرانى. والثابت ان الدين الذى يدعو الى الإرهاب لا ينتمى الى الدين او الاخلاق. كذلك لا يوجد انجاز او اختراع علمى او تجارى يكون سببه الانتماء العرقى للشخص الذى انجزه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى