أهم الأخبار والمقالات

إنْتِقَالاتُ الطَّلَاسِم!

كمال الجزولي

الإثنين

كانت أمريكا، قبل ترمب، تطرح «حلَّ الدَّولتين» للمشكلة الفلسطينيَّة. لكن سياستها تحوَّلت، خلال سنواته، لتنتهي إلى «صفقة القرن»، حيث دخلت «أوسلو» في طريق مسدود، وانشقَّت حركة التَّحرُّر الفلسطينيَّة، وتصعَّدت الممارسة الاستعمارية الصُّهيونية، وقيَّدت واشنطن سياستها، أكثر من أيِّ وقت مضى، بالقاطرة الإسرائيليَّة، فنقلت سفارتها إلى القدس، وقطعت تمويلها عن وكالة «الأونروا» ، ولم يعُد لديها بناء المستوطنات في الضِّفَّة الغربيَّة خرقاً للقانون الدَّولي، ولا، كذلك، السَّماح بضم مساحات من الضِّفة الغربيَّة لإسرائيل، كما غيَّرت نهج التَّفاوض بفرض الأمر الواقع، وبدأت ممارسة الضَّغط على البلدان العربيَّة لقبول «التَّطبيع» مع إسرائيل. 

الآن عاد «حلُّ الدَّولتين» يلوح، وفق برنامج الدِّيموقراطيِّين،عشيَّة دخول جو بايدن البيت الأبيض، على خلفيَّة تعهُّدات حملته الانتخابيَّة بالعودة إلى معادلة «الأرض مقابل السَّلام»، وإعادة فتح القنصليَّة الأمريكيَّة في القدس الشَّرقيَّة، ومكتب منظمة التَّحرير في واشنطن، والدَّعم الاقتصادي السِّياسي للفلسطينيِّين، واتِّخاذ موقف حازم ضدَّ «صفقة القرن»، وضدَّ توسيع الاستيطان في الضِّفة الغربيَّة، وهلمَّجرَّا. 

لكن التَّيَّار الترمبي، خصوصاً إذا ما ظلَّت لقدرته على الإفساد بغير حياء، سطوة على الجُّمهوريِّين، سيواصل الدَّفع نحو موالاة إسرائيل، وعرقلة أيَّة سياسة تتَّسم بالمعقوليَّة تجاه القضيَّة الفلسطينيَّة، مستخدماً مختلف أساليب البلطجة، وما يمكن الاعتماد عليه مِن عناصر قد تكون تراكمت خلال الفترة الماضية، مِمَّا ينذر بطقس سياسي غاية في السُّخونة بين الدِّيموقراطيِّين والجُّمهوريِّين، في مستويي الإدارة والكونغرس، أخذاً في الاعتبار باستعداد التَّيَّار التَّرمبي لاتِّباع أحطِّ أسـاليب «جمهوريَّات الموز»، ما لم يتمكَّـن عقـلاء الجُّمهوريِّين من هزيمته في حزبهم.  

ترامب ونتنياهو
ترامب ونتنياهو

أكثر العناصر ترشيحاً للتَّسخير في خدمة هذا التَّيَّار ما بُني من علاقات ابتزازيَّة في الشَّرق الأوسط، وعلى رأسها «الاتفاقيَّات الإبراهيميَّة Abraham Accords»، إشارة إلى أب الأنبياء إبراهيم، والدِّيانات الكتابيَّة الثَّلاث. والمقصود كلُّ ما أنجز، أو سينجز، لتيسير «التَّطبيع» بين بلدان المنطقة وإسرائيل. وقد استُخدمت التَّسمية، لأوَّل مرَّة، في البيان المشترك بين إسرائيل والإمارات وأمريكا، في 13 أغسطس 2020م، ثمَّ في اتِّفاقيَّات السَّلام بين إسرائيل والإمارات، من جهة، وإسرائيل والبحرين، من جهة أخرى، برعاية أمريكا، في 15 سبتمبر 2020م.  

بالنِّسبة للسُّودان لم يُخف ترامب، أصلاً، اشتراطه «تطبيع» علاقاته مع إسرائيل، فضلاً عن تعويض الضَّحايا، لرفع اسمه من قائمة الدُّول الرَّاعية للإرهاب. وبالفعل، بعد تنفيذ شرط التَّعويضات، شُطب الاسم نهائيَّاً، مع النُّهوض، بموازاة ذلك، لإنفاذ شرط «التَّطبيع»، حيث التقى البرهان، بدون اختصاص دستوري، أو تفويض مؤسَّسي، مع نتنياهو، في عنتبي، في 3 فبراير 2020م، بوساطة ظاهريَّة من موسيفيني، وفعليَّة من ترمب. واستمرَّت التَّرتيبات طوال العام، حتَّى تمَّ توقيع «إعلان اتِّفاقيَّات إبراهام» بين السُّودان وأمريكا، في إطار زيارة ستيف منوشين، وزير الخزانة الأمريكي للخرطوم، في 6  يناير 2021م،. رحَّبت تل أبيب، على الفور، بالحدث، قائلة، بحسب موقعها الرَّسمي، إنه يفتح أبواب «التَّطبيع» بينها والخرطوم. وفي 8 يناير رحَّبت الخارجيَّة السُّودانيَّة بهذا «الإعلان»، كونه «يرمي لترسيخ قيم التَّسامح، والحوار، والتَّعايش، بين الشُّعوب، والأديان .. بما يمكِّن لثقافة السَّلام، وتوجيه الموارد، والجُّهود لخدمة المصالح المباشرة للأفراد»!

غير أن ثمَّة حقيقة لن تكتمل هذه السَّرديَّة بغير إيرادها، وهي أن «الإبراهيميَّة» ليست خطَّة طارئة على فكر الإسلامويِّين السُّودانيِّين، إذ تعود بجذورها إلى عقد التِّسعينات الذي ولجوه، بزعامة التُّرابي، عقب انقلاب الثَّلاثين من يونيو 1989م، بثقة تامَّة، أوَّل الأمر، في ترتيباتهم. على أن رياح العداء التي هبَّت تملأ أشرعتهم، من كلِّ حدب وصوب، أثارت لديهم مخاوف ما كان بمستطاعهم التَّغافل عنها، وقد تركَّزت، بالأساس، في الخطر الخارجي، غربيَّاً وعربيَّاً، مِمَّا اقتضى خطة للتَّقارب مع الغرب، بعد كلِّ التَّنظير حول التَّيئيس من جدوى استمالته؛ وللموادَّة مع العرب، بعد كلِّ الهجاء لملوكهم ورؤسائهم عبر الصُّحف، وأجهزة الإعلام، والمنابر العامَّة. لكن، على حين شكَّل التَّقارب مع الغرب الهمَّ الأوَّل للتُّرابي، قرَّ لديه، بتبسيط مخلٍّ، أن ذلك وحده كفيل باستتباع البلدان العربيَّة، ضربة لازب! مع ذلك ما لبث التَّطبيع مع الغرب أن اصطدم بعقبات كأداء، أكبرها أن شموليَّة النِّظام التي لم يكن بمستطاعه التَّخلي عنها، بحكم طبيعته، وعزلته الدَّاخليَّة، لم تمكِّن الحكومات الغربيَّة من إقناع شعوبها بالتَّطبيع معه، حتَّى بعد أن أقدم التُّرابي على حلِّ «مجلس قيادة الثَّورة» في 16 أكتوبر 1993م، متوهِّماً كفاية ذلك لخداع تلك الحكومات! سوى أن الأخيرة عادت تحاصر النِّظام، بإلحاح، على خطى المعارضة السُّودانيّة المدعومة من مجتمعات الغرب المدنيَّة، مطالبة بالمزيد من الإجراءات، حتَّى بلغ الأمر، في خواتيم التِّسعينات، حدَّ المساس «الخطر» بموقع الرَّئيس نفسه، ما أفضى إلى واقعة «المفاصلة» الشَّهيرة، عام 1999م، والتي أطاحت بأحلام التُّرابي! لكن الانقلاب الأكبر كان قد وقع على المستوى الفقهوفكري، قبل تلك «المفاصلة» بسنوات، حيث أن تفاقم العُزلة، واشتداد الضُّغوط، وتزايد المخاطر، وتباطؤ التَّقارب مع الغرب، حمل التُّرابي على ركوب مغامرة غير مأمونة؛ فقد راح يبثُّ، في البداية، أحاديث تنفي عن الإسلام عداءه لـ «الآخر الدِّيني»، وتقرِّبه إلى الذِّهن الغربي، المسيحي واليهودي، بالتَّركيز على أنه جاء مصدِّقاً لما أنزل على موسى، وعيسى، وجميع الأنبياء منذ أبيهم إبراهيم، حيث دينهم، أجمعين، هو الإيمان بربوبيَّة الخالق، والعبوديَّة له وحده. على أن مشكلة ذلك الخطاب كانت عدم اعتراف المسيحيِّين واليهود، بالإسلام، أصلاً، حتَّى يكون سائغاً لديهم اعترافه بموسى وعيسى! مع ذلك، ولأن مواجهة التَّحدِّي كانت قد ملكت على الزَّعيم الإسلاموي لبَّه، فقد قلب الخطة إلى أخرى بلا مثيل، ليس، فقط، في أدبيَّات حركة الإخوان التي انحدر منها، وإنَّما في أدبيَّات كلِّ حركة الإسلام السِّياسي، وفحواها أنه، طالما أن الإسلام يعترف بجميع الأنبياء، فلماذا يصرُّ المسلمون على الانتساب الضَّيِّق إلى محمَّد، لا الواسع إلى إبراهيم، الجَّامع لهم مع المسيحيِّين واليهود؟!

في الإطار نشر التُّرابي مقالة توجيهيَّة من جزئين، بعنوان «مرتكزات الحوار مع الغرب»، بمجلة «دراسات أفريقيَّة» الصَّادرة، ربَّما خصِّيصاً لهذا الغرض (!)، عن «مركز البحوث والتَّرجمة بجامعة أفريقيا العالميَّة». في الجزء الثَّاني منها قال التَّرابي «إن غالب الأوروبيِّين، وقد غفلوا عن دينهم، يستفزُّهم المسلم إذا خاطبهم من خلال المشترك الفكري للأديان الكتابيَّة، لأنهم، أصلاً، لا يعترفون بالإسلام، ولهذا نرى أن يكون الخطاب مدرجاً في سياق المقارنة من خلال الحدث الإبراهيمي، لأنه هو الأصل المشترك للأديان .. فيمكن للمسلم ألا ينسب نفسه إلى سيدنا محمد النَّبي، بل يمكن أن يقول، تلطفاً، إنه لا يريد أن يُسمَّى (محمَّديَّاً)، ليخاطبهم كأنه يريد التَّحدُّث عن هذا التَّقليد الدِّيني الواحد في السِّلسلة النَّبويَّة منذ إبراهيم، وأن تتابع الأنبياء جميعاً ليس إلا تجديداً في تنزيل ذات القيم والمعاني خطاباً لأقوام مختلفين، وفي ظروف وابتلاءات مختلفة» (ع/12، يناير 1995م، ص 18 ـ 19). 

وهكذا فإن التُّرابي سبق ترمب إلى «الإبراهيميَّة» يسدُّ بها، ذرائعيَّاً، حاجة سياسيَّة ملحَّة، تبرِّر لديه، كما لدى ترمب، ترتيبات سلطويَّة، ولو بمعاظلة النُّصوص والدَّلالات المقدَّسة! 

 

الثُّلاثاء

مع علوِّ الضَّجيج يضيع، للأسف، كثير من الحكمة! ولعلَّ من أحكم ما قرأت، مؤخَّراً، كلمة عبد الرَّحيم حمد النيل، بأخيرة «الدِّيموقراطي»، حيث قال، بتصرُّف: «حملات الثَّورة المضادَّة، بتركيز عالٍ على شخصيَّات مثيرة للجَّدل، يجب أن تجعل قوى الثَّورة الحيَّة أكثر يقظة لمجابهة التَّيَّار الذي يريد تقويض الانتقال، وضـرب الثَّورة، بشخصنة القضايا»! إنتهى .. لا فُضَّ فوك، ولا فُرِّقَتْ أسنُانك!

 

الأربعاء

لم تكد تنسلخ سوى أيَّام على الثَّورة، حتَّى عُهِدَ بمسؤوليَّة إنجاح «الانتقال» إلى «الحريَّة والتَّغيير»؛ ولم تكد تمضي سوى أيَّام أخرى، حتَّى  «انتقلت» هذه المسؤوليَّة إلى «مجلسي الوزراء والسَّيادة الانتقاليَّين»؛ ولم تكد تنقضي إلا أيَّام بعدها، حتَّى أعلن عن قرب «انتقال» هذه المسؤوليَّة إلى «المجلس التَّشريعي الانتقالي»؛ لكن لم تكد تمرُّ سوى أشهر قلائل، حتَّى «انتقلت» هذه المسؤوليَّة، فعليَّاً، إلى «مجلس شركاء الفترة الانتقاليَّة»؛ ثمَّ لم تكد تمرُّ سوى أسابيع على ذلك، حتَّى أُعلن عن تكوين «كتلة» جديدة، ببرنامج جديد، وقيادة جديدة، «تنتقل» إليها هذه المسؤوليَّة! 

وبعد .. أتراه وعد  «الانتقال» الأخير، أم لا يزال الغيب محتقناً بالمزيد من «الانتقالات» إلى طلاسم جديدة؟! 

 

الخميس

أكرمني أستاذي الجَّليل البروف يوسف فضل حسن بإهدائي نسخة من تحقيقه الصَّادر عن «دار مدارك»، في 2018م، لمؤلَّف أحمد بن الحاج أبو علي «كاتب الشُّونة»، بعنوان «تاريخ ملوك سنَّار والحكم التُّركي المصري في السُّودان: 1504م ـ 1872م»، والذي قدَّم له، وعلق عليه، وأرفق به ملاحق بثبت المصادر والمراجع، باللغات العربيَّة والأوربِّيَّة، شاملة ما نُشر وما لم يُنشر من نسخ المخطوطة، وصوراً منها، بالإضافة إلى خارطة بالأماكن التَّاريخيَّة، وفهارس بالأعلام، وبالأماكن، والمدن، والمؤسَّسات، والوظائف، والطَّوائف، وكذلك بالشُّعوب، وبالقبائل وفروعها، فضلاً عن كشَّاف ببعض الكلمات المشروحة، كلِّ ذلك مصنَّفاً وفق التَّرتيب الأبجدي.

البروفيسور يوسف فضل حسن
البروفيسور يوسف فضل حسن

أهدى البروف هذا السِّفر الثمين إلى «أحفاده، وأندادهم، وأترابهم، فلذات الأكباد على امتداد تراب السُّودان الغالي»، بقوله لهم: «سِنَّارُ أَرْضُ جُدُودِكُم أُهْدِي لَكُمْ تَارِيخَهَا/ كُونُوا الحُصُونَ المَانِعَاتِ لِمَنْ بَغَى تَشْرِيخَهَا». وكشف، في المقدِّمة، عن أن ضرورة التَّوفُّر على بذل هذا الجَّهد خطرت له عام 1967م، لدى صدور كتابه «العرب والسُّودان منذ القرن السَّابع الميلادي حتَّى مطلع القرن السَّادس عشر»، وذلك في سياق اهتمامه بدراسة نتائج الهجرات العربيَّة إلى سودان وادي النِّيل، دينيَّاً، وثقافيَّاً، وإثنيَّاً، واقتصاديَّاً، وكذلك تاريخ مملكة سنَّار الإسلاميَّة وما جاورها؛ ولذا فإن هذا العمل هو الثَّاني ضمن مصدرين شُغِل بتحقيقهما، كمدخل لتلك الدِّراسة، حيث كان الأوَّل هو «كتاب الطَّبقات في خصوص الأولياء والصَّالحين والعُلماء والشُّعراء في السُّودان» الصَّادر عام 1971م. 

هكذا أضاف بروف يوسف إلى إنجازه السَّابق بسِفْر «الطبقات»، إنجازه الجَّديد بسِفْر «كاتب الشُّونة». 

 

الجُّمعة

قرار د. حمدوك بشأن «تجميد» التَّعديلات التي أجرتها لجنة د. القرَّاي على المناهج، ما دفع الرَّجل للاستقالة، ودفع وزيره بروفيسير محمَّد الأمين التُّوم للتَّلويح بها؛ وقراره الآخر بعدم قبول هذه الاستقالة، في ما لو صحَّ صدوره فعلاً، كلاهما ليس واضحاً بما يكفي!

عمر القراي

 

في القرار الأوَّل أحاط الغموض بدلالة «التَّجميد»، أهو «إلغاء» لتعديلات أجازها طيف واسع من علماء المناهج؟! أم مجرَّد «إرجاء» للبتِّ في المشكلة التي أثارتها؟! فإن كان الأخير هو المقصود، وهو، غالباً، كذلك، فحتَّام؟! أريثما تتكوَّن لجنة «محايدة» لـ «مراجعتها» كما يُفهم من القرار، أم ريثما تتمُّ «مشاورة» جهات «محايدة» حولها؟! فما هو المنطق، إذن، وراء طرح الخيارين كاحتمالين منفصلين، طالما أن «المراجعة» و«المشاورة»، حال توفُّر عنصر «الحياد» فيهما، يكونان بمثابة «أحمد وحاج أحمد»؟! غير أن رئيس الوزراء استند في إصدار قراره إلى «مشاورة» مرجعيَّات دينيَّة معيَّنة، مع علمه، كما صرَّح مدير مكتبه للشَّرق الأوسط، بالعوار النَّاشب في العديد منها، وأهمُّ ذلك «عدم حيادها»، بل خصومتها التي لا تخفى  مع د. القرَّاي، على خلفيَّة تحيُّزاتها الأيديولوجيَّة، وحزازتها السِّياسيَّة. مع ذلك أخذ د. حمدوك بتلك «الشُّورى»، رغم أنها، هي نفسها، انصبَّت على اتِّهام تعديلات د. القرَّاي المنهجيَّة بالانحياز «الأيديولوجي»، دون، حتَّى، استصحاب تعقيبه عليها، ولو من باب النَّصَفَة البيروقراطيَّة الشَّكليَّة، دَعْ أن الأمـر برمَّته كان من الميسـور، بل كان ينبغي حسمه بعرضه، تحت إشراف الوزير، على لجنة واسعة تتَّسم بـ «الحياد الأيديولوجي»، والتَّخصُّص الأكاديمي، والمعارف المتنوِّعة، قبل البتِّ النِّهائي فيه!    

أمَّا الموقف من استقالة الرَّجل، فقد حيَّرني بأكثر مِمَّا استعصى عليَّ فهمه، لعدَّة أسباب، على رأسها تصريحان لمدير مكتب رئيس الوزراء، حيث قطع، من جهة، بأن د. حمدوك لم يقبل الاستقالة، لكنه ما لبث أن أكَّد، من جهة أخرى، أن د. القرّاي نفسه، بما كتبه في استقالته، «لا يُعقل أن يعمل ثانية تحت إمرة حمدوك»! فحتَّى لو تجاوزنا عن شبهة «قطع الطريق» البائنة في العبارة الثَّانية، فبأيِّ العبارتين نأخذ، أم كلاهما «أحمد وحاج أحمد» أيضاً، لا سيَّما إذا وضعنا في الاعتبار أن المسؤوليَّة عن مرامي تصريحات مدير المكتب تنسحب إلى الرَّئيس نفسه! فلِمَ، إذن، بدا حمدوك، والأمر كذلك، كما لو بوغت بالاستقالة، أو كما لو لم يكن يتوقَّعها أصلاً؟! فهي، مع كونها مِمَّا يسعد قوى الثَّورة المضادَّة، الأمر الذي يؤخذ، قطعاً، على د. القرَّاي، إلا أنها ينبغي أن تعتبر، من زاوية النَّظر الموضوعيَّة، طبيعيَّة جدَّاً، ومتوقَّعة تماماً، للأسف الشَّديد! فالرَّجل أحسَّ بأن ظهيره كشف ظهره، وأن نصيره أعاق نصره، وأنه تمَّ تحكيم خصومه عليه، وأن جهده، لأكثر من عام، أُهدر في لحظات، وبصرف النَّظر عمَّا في الخبايا من نَّوايا، فإن يقينه ظلَّ، بشهادة الآخرين، اتَّفقوا أو اختلفوا معه، منعقداً حول أن «تغيير المناهج» وسيلة يستحيل، بدونها، إنجاز أدنى تأهيل لمواردنا البشريَّة المستقبليَّة!

لكن د. القرَّاي نفسه لم يقصِّر في إهالة الكثير من ضَّغث التَّجاوز على إبالة الغضب، فلم يترك لحمدوك، قط، جنباً يرقد عليه! ولا نرغب، البتَّة، في وَغْر الصدُّور باستعادة ما قال، وما لم يقل، طيَّ استقالته، أو اجترار ما أورد، وما لم يورد، ضمن ما نُقل عنه، هنا أو هناك، عبر الصُّحف والمواقع، تقيِّيماً لشخصيَّة د. حمدوك، وأدائه، مِمَّا قد لا يوافقه فيه كثيرون، رغم أن عدم موافقتهم لا تعني، بالعقل، أن تقديرات د. حمدوك على أفضل ما يرام، أو أن أداءه فوق النَّقد! لكن الفرق شاسع، بطبيعة الحال، بين النَّقد والتَّجنِّي، خاصَّة وأن د. حمدوك هو اختيار الثَّورة، حتَّى الآن على الأقل، وأن مسيرة الثَّورة فيها ما يكفيها، الأمر الذي ينبغي أن يلجمنا عن الانجرار، بلا تحسُّب، خلف كلِّ ما يشعل الصُّدور بالشَّحناء، أو يدفع بالمرارات السَّالبة إلى الحناجر!  

لكن، لئن كنا لا نستطيع تصوُّر رئيس الوزراء، بعد كلِّ الذي طرحه مدير مكتبه، بالذَّات، منتظراً أن يسحب د. القرَّاي استقالته، فإننا قد نتصوَّر، من باب العشم الثَّوري، أن يقدم د. حمدوك على تغليب حكمة نتوقَّعها منه، بمراجعة قراره الذي فجَّر الأزمة عن طريق «الشُّورى» التي انبنى عليها. فهذه المراجعة ستفتح الباب واسعاً أمام مراجعة أخرى نتوقَّعها، أيضاً، من د. القرَّاي لاستقالته، خاصَّة إذا عدَّل صديقنا المحترم وزير التَّربية والتَّعليم من موقف التَّلويح بالاستقالة، هو الآخر، وتحوَّل إلى بذل جهده الثَّوري المقدَّر للمساعدة على استصدار المراجعتَين المطلوبتين من الرَّجلين. ومع أنني لا علم لي بما ستكون قد آلت إليه هذه السِّجاليَّة عند نشر هذه الرُّوزنامة، إلا أنَّني أشدِّد على أن من شأن هاتين المراجعتين، يقيناً، النَّأي بمزايدات الثَّورة المضادَّة عن تخريب مسيرة الثَّورة، من جهة، والنَّأي بالثَّوريِّين، من جهة أخرى، عن الانغلاق في أقبية الكرامة الشَّخصيَّة التي لا أرضاً تقطع، ولا ظهراً تُبقي، والانفتاح، بدلاً من ذلك، على أفاق التَّجرُّد الثَّوري، وتضحيات الشُّـهداء الجَّسـيمة! 

واستطراداً، إذا كنَّا نأخذ على موضوع هذه السِّجاليَّة، اختزال الموقف إزاء لوحة مايكل أنجلو، من كونها أثراً بارزاً من «عصر النَّهضة»، إلى محض خلاف إجرائي مكتبي، فإنه يلزمنا، من كلِّ بُد، أن نشير إلى مسألتين جوهريَّتين: 

المسألة الأولى: لجهة تعديلات د. القرَّاي؛ ومؤدَّاها أن الدَّلالة الحقيقيَّة لمفهوم «عصر النَّهضة» نفسه تستوجب الاهتمام بنتاجاته التَّشكيليَّة، لا من النَّاحية الجَّماليَّة البحتة، فحسب، على أهميَّتها الاستثنائيَّة، وإنَّما، قبل ذلك، وفوق ذلك، من حيث استدبار أهمِّ فنَّانيه محض النَّظر المثالي الشَّكلاني للظواهر الكونيَّة، والتفاتهم، بوجه خاصٍّ، إلى عمقها الفكري العقلاني، بحيث اتَّجهوا، مثلاً، إلى عدم الاكتفاء بالسَّطح الخارجي لجماليَّات الجَّسد البشري، والنَّفاذ، بالاستكشاف التَّشريحي، أكثر فأكثر، لما خلف ذلك السَّطح، وهو ما اعتُبر طفرة عملاقة في طريق استبدال الأوهام المثاليَّة بالنَّظر العلمي. 

المسألة الثَّانية: لجهة قرار د. حمدوك؛ ومؤدَّاها أن أخطر ما تعكس هذه القضيَّة هي الممارسة «التَّكفيريَّة» البغيضة التي درجت على الولوغ فيها، تاريخيَّاً، نفس الشَّريحة السِّياسيَّة الاجتماعيَّة التي استهدفت بها، خلال أحلك سنوات النِّظام البائد، جبهة الاستنارة، ورموزها من الشَّخصيَّات الطبيعيَّة والاعتباريَّة، مِمَّن لم يكن من النادر أن تُهدِر هذه الشَّريحة دمهم بتسعيرة بلغت، ذات مرَّة، عشرة آلاف دولار للرَّأس الواحد، وقد كان كاتب هذه السُّطور من بين المستهدفين! تلك أحداث موثَّقة، بل ما تزال طازجة في الذَّاكرة، وما يزال أغلب من استُهدفوا بها، وشهودها، رجالاً ونساءً، أحياءً يُرزقون، وما تزال أنصع صفحات نضالاتها الفكريَّة والقانونيَّة، عبر «الحملة من أجل حريَّة الضَّمير»، وغيرها، حاضرة تتوهَّج في العقل والوجدان. فلئن كانت تلك الشَّريحة قد مُنيت بالهزيمة وهي تحت حماية نظامها المخصوص، فيقيناً لن يكتب لها أيُّ نصر في رحاب الثَّورة الماجدة. المطلوب، فقط، ألا ينجرَّ الثُّوار وراء التَّناقضات الثَّانويَّة مهملين التَّناقض الرَّئيس، وألا يغرقوا في شبر ماء الخلافات الجَّانبيَّة، والصِّراعات المتعمَّلة، بدلاً من أن يفتحوا أعينهم، جيِّداً، على المؤامرات اللئيمة تحاك للوقيعة في ما بينهم، وأن يولوا انتباههم للمتآمرين المتخفِّين خلف دعاوى الحدب على الثَّورة، والعناية بمصالحها! اللهم هل بلغت، ألا فاشهد!

 

السَّبت

إنْ لم يدرك د. جبريل، اليوم، أن تشويشاً جدِّيَّاً قد أصاب سمعته السِّياسيَّة لمجرَّد تطاير رشاش عن اعتزامه ترشيح أحد عناصر النِّظام البائد للتَّربية والتَّعليم، ضمن كوتة الجَّبهة الثَّوريَّة في الحكومة الجَّديدة، فلن يمكنه، قط، تصوَّر فداحة خسارته، غداً، حالَ تحقُّق هذه الشَّائعة، علماً بأن الإسلامويِّين ظلوا، في كلِّ ائتلاف وزاري، يحرصون، استراتيجيَّاً، على تولي وزارات بعينها، كالثَّقافة، والرِّعاية الاجتماعيَّة، و .. التَّربية والتَّعليم! 

 

الأحد

الفيلسوف وعالم الرياضيَّات والفلك اليوناني طاليس الملطي (نحو 624 ـ546 ق.م) قال مرَّة: إن الموت لا يختلف في شيء عن الحياة. فسأله بعض أصحابه: لماذا، إذن، لا تفضِّل الموت؟! فردَّ قائلاً: بالضَّبط .. لأنه لا يختلف في شئ عن الحياة! 

 

***

محتوى إعلاني

‫2 تعليقات

  1. إنْتِقَالاتُ ؟ غلط الصاح انتقالات همزة وصل كما الانتقال والانفعال والانفصال والاكتمال والاكتحال والامتال الخ

  2. يااستاذ كمال لك التحية والشكر علي ما رفدت به صفحات الراكوبة الالكترونية من تحليل ونقد موضوعي ولكننا كما تعلم في امس الحوجة لخبرتكم القانونية في النقد والتحليل لمألات كثير من الاحداث والمواقف الماثلة والتي تمثل حجر عثرة في ظل الفترة الانتقالية الرجاء اضافة هذا الرابط :-
    https://web.facebook.com/Mujo84

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..