أخبار مختارة

تصفية سوق الخرطوم للأوراق المالية لمصلحة الاقتصاد الوطني

الهادي هبّاني

ظلت سوق الخرطوم للأوراق المالية منذ نشأتها عام 1994م بعيدة عن اهتمام وفهم غالبية السودانيين. فهي غير متجذرة في الثقافة السودانية ولم تكن موجودة في التاريخ الاقتصادي السوداني كغيرها من البلدان التي شكلت بورصات الأوراق المالية جزء من تاريخها الاقتصادي. وبرغم أنها ظهرت كفكرة عام 1962م في عهد النظام العسكري الأول (1959م – 1965م). إلا أن أول محاولة لتأسيسها تمت بعد تحالف الأخوان المسلمين مع النظام المايوي عام 1977م حيث أجاز مجلس الشعب المايوي مسودة قانون سوق الخرطوم للأوراق المالية لعام 1982م. فالرأسمالية السودانية لم تجرب المضاربة في الأوراق المالية كنشاط اقتصادي لمراكمة رؤوس أموالها في كل مراحل تطورها التاريخي بل كانت تنشط في مناطق الزراعة الآلية وتجارة المحاصيل وفي صناعة النسيج والزيوت النباتية والصابون والمواد الغذائية وغيرها من الصناعات التحويلية الخفيفة. وظلت كذلك حتي مع بداية التحول الكبير في تركيبتها بعد سياسة الانفتاح التي لجأ لها النظام المايوي وتحالفه مع رأس المال الإسلامي خلال فترة الطفرة النفطية عام 1973م والذي تجلت أهم مظاهره في سياسة الانفتاح الاقتصادي والتحول نحو أمريكا والغرب، الانصياع لصندوق النقد الدولي، تعديل قانون الاستثمار الأجنبي وتقديم امتيازات غير مسبوقة للاستثمارات الأجنبية، تدمير مؤسسات القطاع العام واستشراء الفساد، وبروز كبار قيادات مايو على قمة الطبقة الرأسمالية العاملة في الصناعة والتجارة والخدمات والبناء والتشييد والمتحالفة مع الطفيلية الإسلامية بعد استقطاب رأس المال الإسلامي الإقليمي والعالمي ودخول الصيرفة الإسلامية. وبالتالي تراجع دور الطبقة الرأسمالية التقليدية وتحولت قطاعات كبيرة منها إلى طبقة رأسمالية طفيلية تراكم رؤوس أموالها من نشاط البنوك الإسلامية وقطاع التأمين وغيرها من الأنشطة الخدمية والتجارية غير المنتجة سريعة العائد. هذا التحول، اكتملت حلقاته بعد انقلاب الأخوان المسلمين العسكري في يونيو 1989م مستصحبا معه سياسة التمكين والتحرير الاقتصادي وخصخصة مؤسسات القطاع العام كتمهيد لتأسيس سوق الأوراق المالية لاستكمال أحد أهم حلقات الاقتصاديات الطفيلية غير المنتجة. واستكمالا لسياسة التحرير الاقتصادي التي قام عليها برنامج عبد الرحيم حمدي الشهير بالبرنامج الثلاثي للإنقاذ الاقتصادي (1990م – 1993م) تم تأسيس هيئة الأسواق المالية عام 1992م وتعديل قانون سوق الأوراق المالية لسنة 1982م في نوفمبر 1992م من قِبَل مجلس الوزراء. ثم أجاز المجلس الانتقالي للسلطة الانقلابية قانون سوق الخرطوم للأوراق المالية لسنة 1994م الذي تم تعديله بموجب قانون سوق الخرطوم لسنة 2016م. وقد بدأ التداول في يناير 1995م بعدد 34 شركة قطاع عام تم خصخصتها وإدراجها في السوق وزاد عددها إلى 40 شركة عام 1996م ثم إلى 67 شركة بالإضافة للعديد من صكوك وشهادات الاستثمار الإسلامية حتى تاريخ اليوم. أما لماذا تعتبر هذه السوق نشاط طفيلي غير منتج كوليد غير شرعي لنظام غير شرعي وفكرة تُعَمِّق روح الكسب السريع ولا تسهم فى التنمية الحقيقية فهذا يرجع للأسباب التالية:

أولا: تتعارض فكرة السوق الثانوي للأوراق المالية مع مفهوم سوق المال كسوق دوره الرئيسي الحصول على الأموال من الوحدات ذات الفائض وتوفيرها للوحدات ذات العجز والتي تنقسم بدورها إلى سوق رأس المال قصير الأجل ويطلق عليه (سوق النقد) ويتمثل في البنوك التجارية، وسوق رأس المال طويل الأجل المتمثل في سوق الإصدارات الأولية. فالسوق الثانوي للأسهم والسندات والتي يطلق عليها عُرفا بورصة الأوراق المالية هى سوق ثانوية تقوم علي هامش سوق الإصدارات الأولية يتم فيها تداول الأسهم والسندات التى تم إصدارها فى السوق الأولية والتى لا تذهب فيها قيم التبادل اليومية للجهة المُصدِرَة للأسهم أو السندات ولا تدخل في حوض استثماراتها وإنما لمالكي أسهمها بهدف توفير السيولة لهم متى ما احتاجوا لها بحجة أن المستثمرون لن يقدموا للاكتتاب فى أوراق مالية لا يتاح تداولها وتحويلها إلى نقد سائل على المدى القصير أو متي ما رغب المستثمر في التخارج منها. فأصل الفكرة معقود على الكسب السريع كبديل للاستثمار المباشر طويل الأجل الذي هو عصب الاقتصاد الذي يسهم فى التنمية الاقتصادية بينما فى السوق الثانوية يتم تبادل أموال ضخمة لا تستفيد منها الشركات والاستثمارات التى يتم تبادل أسهمها والتى هى فى الأصل قائمة على هامشها. فهذه الأموال في حد ذاتها (كنتاج مباشر للمضاربات اليومية فى الأسهم والسندات) تظل دائما خارج نطاق دورة التدفق الدائري للدخل القومي وانتقاله لقطاعات انتاجية أخري، ولا يستفيد منها الاقتصاد شيئا كلما ظلت متداولة في المضاربات اليومية، وحتي بنوك التسوية التي يتم فيها إيداع أموال التداول اليومي لا تَبقَي في البنك لمدد طويلة حيث أن فترة تسوية عقود التبادل اليومي تكون عادة في نفس يوم التداول أو في اليوم الثاني له وبالتالي لا يكون بمقدور البنك استثمار هذه الأموال لصالحه في سوق رأس المال قصير الأجل بين البنوك (لليلة واحدة). وهي لذلك تعتبر فكرة شيطانية غير أخلاقية ومكانا خصبا لتوالد الفقاعات المالية وترسيخ روح الكسب السريع غير المنتج. فمبدأ التخارج الذي يستند إليه المدافعين عن هذه السوق القائم على أنها تتيح للمستثمر شراء الأسهم والتخارج منها متي ما رغب في ذلك هو في الحقيقة السبب الرئيسي في فوضى تلك الأسواق وفي تفريغ مفهوم الاستثمار من مضمونه الحقيقي. فكون السوق يتيح للمستثمر أن يشتري سهم شركة معينة مثلا في أي وقت وفي نفس الوقت يتيح له بيع هذه السهم في أي وقت يشاء حتي لو بعد خمسة دقائق من شرائه فهذا لا يعتبر استثمار حقيقي يفيد الشركة التي اشتري سهمها وباعه خلال خمسة دقائق ولا يخلق قيمة مضافة للاقتصاد الكلي خلال هذه الخمسة دقائق وإنما هو مجرد مضاربة بهدف الاستفادة من تقلبات أسعار الأسهم التي لا يفرضها المركز المالي للشركة التي تم شراء وبيع سهمها بهذه السرعة علي أرض الواقع وإنما بفعل حالة الطلب والعرض الموازية التي خلقها مبدأ التخارج علي السهم في حد ذاته كورقة متداولة وليس علي الأصل الذي تمثله الورقة المتمثل في طبيعة نشاط الشركة نفسها ومدي جدوي استثمارها وقيمته المضافة للمستثمر وللاقتصاد الكلي. والشخص أو الجهة التي تشتري وتبيع في هذه الحالة لا تعتبر مستثمرا أو شريكا حقيقيا في النشاط الاقتصادي الذي تمارسه الشركة على أرض الواقع وإنما مضاربا في أسهمها بهدف الاستفادة والتربح من تقلبات أسعار أسهمها في السوق الثانوي على المدي القصير. 

ثانيا: وجود هذه الأسواق الثانوية على هامش الاقتصاد الحقيقي يجعلها مستفيدة من متغيرات السوق الأولية ولكنها لا تقدم فائدة ملموسة لها تماما كالكائن الطفيلي، فكلما تم إصدار جديد فى السوق الأولية كلما زادت الكتلة النقدية المتداولة في السوق وكلما استفاد المضاربون فى هذه السوق. فضلا عن أن الآليات والقوانين الحالية الحاكمة لهذه الأسواق بما فيها سوق الخرطوم أفرزت الكثير من الكيانات التى تستفيد من السوق وهي تمارس دورا لا يضيف للاقتصاد الحقيقي شيئا كشركات الوساطة وغيرها. ففي أزمة الرهن العقاري 2008م على سبيل المثال، استفادت السوق الثانوية من تصكيك وطرح سندات ديون الرهن العقاري للتداول في كل بورصات العالم واستفادت بنوك وشركات الاستثمار والوساطة لكن فى المقابل انهار الاقتصاد الأمريكي والعالمي ودخل فى مرحلة الركود التام لفترة طويلة لا زالت آثاره السلبية قائمة حتى الآن في بعض البلدان.

ثالثا: نشأت سوق الخرطوم للأوراق المالية كوليد غير شرعي للبرنامج الثلاثي (1990م – 1993م) وسياسة التمكين حيث تم خصخصة مؤسسات القطاع العام المملوكة للشعب بغير وجه حق وبيعها (تحت أكذوبة إصلاحها) بأثمان بخسة لطفيلية الانقاذ وطرح أسهمها في سوق الأوراق المالية كجريمة بيع هيئة المواصلات السلكية واللاسلكية (مجموعة سوداتل حاليا) بقيمة 60 مليون دولار فقط لا غير، وبالتالي التربح من الخصخصة أولا، ثم من المضاربة اليومية في أسهمها في السوق ثانيا، ثم من أعمال شركات الوساطة المملوكة لنفس الطبقة الطفيلية في المرة الثالثة. ولم يتم طرح اكتتابات جديدة لمشاريع أو شركات عامة حقيقية في سوق الإصدارات الأولية وطرحها في السوق الثانوية. بمعني أن نشأة السوق لم تستصحب معها قيام مشروعات جديدة أو شركات إنتاجية حقيقية تمثل قيمة مضافة للاقتصاد تصب في مصلحة الشعب بل جيَّرت مؤسسات عامة قائمة مملوكة للشعب لمصلحة الطفيلية المستفيدة من وجود هذه السوق. وحتى الشركات حديثة التأسيس التي تم طرح الاكتتاب العام على أسهمها هي شركات خدمية هامشية مملوكة إما للمنظومة العسكرية أو لطفيلية النظام البائد تسهم في تكريس النشاط الطفيلي غير المنتج ولا تقدم للاقتصاد الحقيقي شيئا. فعلي سبيل المثال فقد تم إدراج ثلاث شركات صرافة وشركة استثمار واحدة حديثة التأسيس خلال عام 2018م (التقرير السنوي للسوق، 2018م، صفحة 21)

رابعا: هنالك بعض شركات المساهمة العامة التي فشلت سلطة الإنقاذ في بيعها مباشرة. ولكنها في سبيل خصخصتها بشكل غير مباشر من خلال إدراج أسهمها في سوق الأوراق المالية لتكون متاحة لطفيلية الإنقاذ في شاشات التداول، قامت بمحاربتها بموجب قرارات وقوانين تساعد على تدميرها وإضعافها تمهيدا للهيمنة عليها فيما بعد من خلال شراء أسهمها في السوق الثانوي. وأصدق مثال لذلك هو قرار إلغاء امتياز احتكار شركة الصمغ العربي المحدودة لتجارة وصناعة وتصدير الصمغ العربي كشركة مساهمة عامة وإهمالها للدرجة التي فقدت فيها الكثير من أصولها وأسواقها، وإغراقها بالديون المصرفية وتحويلها لشركة متعثرة ومن ثم طرح أسهمها في سوق الخرطوم للأوراق المالية عام 2014م. وهي الآن رهن البحث والتحقيق من خلال لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989م على إثر عدد من ملفات الفساد والتخريب والتفريط في أصول الشركة.

خامسا: تمثل سوق الأوراق المالية عموما من حيث حجم السيولة المتداولة فيها عنصرا مهددا لسوق النقد أو سوق رأس المال قصير الأجل ممثلا في البنوك التجارية (كما أوضحنا في الفقرة أولا). فكلما انخفض سعر الفائدة (الأرباح) على ودائع الاستثمار والادخار في البنوك التجارية وزاد معدلات الربح في سوق الأوراق المالية كلما هربت وانتقلت الأموال من البنوك التجارية إلي سوق الأوراق المالية بحثنا عن فرص أرباح أكبر والعكس صحيح كلما ارتفع سعر الفائدة علي ودائع البنوك كلما هربت الأموال وانتقلت من سوق الأوراق المالية للبنوك باعتبار أن العائد علي الودائع في البنوك هو عائد مضمون ومحمي من الدولة نفسها عموما ولذلك يقال له بالعائد أو الربح الخالي من المخاطر (Risk-Free-Rate). ولكن في السودان الوضع مختل ويمثل استثناءً لهذه القاعدة وذلك للآتي:

  1. لا تضمن حكومة السودان ودائع العملاء وفقا لنظام الصيرفة الإسلامية وبحكم قانون بنك السودان المركزي لسنة 2002م المعدل حتى 2012م وبحكم قانون تنظيم العمل المصرفي لسنة 2004م. وبدلا عن ذلك تم إنشاء صندوق ضمان الودائع المصرفية بموجب قانون الودائع المصرفية لسنة 1996م وهو صندوق فاشل لا يضمن ودائع العملاء فقد بلغ إجمالي مساهمة البنوك فيه ما قيمته 228 مليون عام 2018م زادت إلى 390 مليون جنيه عام 2019م في حين بلغت ودائع العملاء 303 مليار جنيه و362 مليار جنيه في العامين 2018م و2019م على التوالي. حيث تمثل نسبة رصيد مساهمات الصندوق إلى قيمة الودائع 0.08% و0.11% في العامين على التوالي وعلى القارئ أن يتبين شتَّان بين هذا وذاك. علما بأن عدم وجود ضمان من حكومة السودان لودائع العملاء بالكامل يعتبر أحد أهم العوامل التي تدفع الجمهور للاحتفاظ بأموالهم خارج النظام المصرفي. 
  2. إن العوائد التي تمنحها البنوك لأصحاب الودائع لا تتعدي 15% في حين أن معدلات التضخم متزايدة بشكل جامح ووصلت في ديسمبر 2020م لحوالي 269% فضلا عن أن نسبة الأرباح التي يتم توزيعها لأصحاب الودائع مقارنة بما يتم توزيعه لأصحاب رؤوس الأموال في البنوك منخفضة جدا وغير عادلة، وبالتالي فإن الاحتفاظ بالأموال في شكل ودائع في البنوك يبتلعه التضخم ويظل في مصيدة أصحاب رأس المال لمراكمة أرباحهم ورؤوس أموالهم. وبالتالي يفضِّل الجمهور الاحتفاظ بأموالهم نقدا في شكل عملات صعبة أو ذهب أو عقارات. أو يستخدمونها في المضاربة في سوق الأوراق المالية للحصول على عوائد عالية وسريعة برغم المخاطر العالية المحيطة بتقلبات أسعار الأسهم والسندات. 
  3. برغم مخاطر تقلبات أسعار الأسهم والسندات في الأسواق المالية إلا أن الأرباح التي يحققها المضاربون في الصكوك وشهادات الاستثمار الإسلامية ممثلة في شهامة وأخواتها قد تميزت بالارتفاع والثبات طوال السنوات الماضية منذ إدراجها في السوق والتي بلغ متوسطها على سبيل المثال لإصدارات عام 2018م الموزعة عام 2019م 20.8% وهي نسبة عالية جدا (بنك السودان المركزي، التقرير السنوي 2019م، جدول 4-26، صفحة 79).

سادسا: واستنادا إلى الفقرة أعلاه (خامسا) فإن سوق الخرطوم للأوراق المالية تمثل أحد ملاذات هروب الأموال من القطاع المصرفي. وبالتالي تسهم بشكل كبير في إضعاف مراكز السيولة لدي البنوك التجارية. فعلي سبيل المثال بلغت الأموال المستثمرة في سوق الخرطوم للأوراق المالية حوالي 19.8 مليار جنيه عام 2017م زادت إلي 47.9 مليار جنيه عام 2018م (التقرير السنوي 2018م للسوق، جدول رقم 7، صفحة 24) فإذا كان حجم الكتلة النقدية لدي الجمهور خارج الجهاز المصرفي عامي 2017م و2018م 61.5 مليار جنيه و112.8 مليار جنيه علي التوالي فهذا يعني أن نسبة الأموال المتداولة في سوق الخرطوم للأوراق المالية إلي قيمة الأموال لدي الجمهور خارج الجهاز المصرفي تمثل 32.2% و42.5% في العامين علي التوالي وهو ما يعكس لأي درجة تسهم سوق الخرطوم للأوراق المالية في إضعاف سيولة البنوك التجارية وهو ما تثبته وتؤكده أزمة السيولة الطاحنة التي شهدتها البنوك خلال عامي 2017م و2018م وكانت أحد الأسباب التي أدت لاندلاع ثورة ديسمبر 2018م.

سابعا: تسهم سوق الخرطوم للأوراق المالية منذ بداية إدراج صكوك وشهادات الاستثمار الإسلامية عام 2001م في زيادة الدين العام. فعلي الرغم من أن التكييف الشرعي لهذه الصكوك والشهادات الاسلامية حسب أصول فقه المعاملات الإسلامية وحسب نشرات إصدارها نفسها تعتبر أدوات ملكية لحصص في أصول حقيقية لحامليها أي (وثائق متساوية القيمة تمثل حصصاً شائعة في ملكية أعيان أو منافع أو خدمات أو مشروع معين، وذلك بعد تحصيل قيمة الصكوك، وقفل باب الاكتتاب، وبدء استخدامها فيما أُصدِرَت من أجله). وبالتالي فهي ليست أدوات دين كالسندات المحرمة شرعا. إلا أنها في حقيقتها على أرض الواقع تمثل أدوات دين من خلالها تَحصُل الحكومة على أموال لتمويل عجز الموازنة العامة وتكون وفقا لذلك مدينة لحامليها. وأن الأصول التي تمثلها هذه الصكوك والشهادات هي أصول وهمية غير حقيقية ليس لحاملي الصكوك يد حقيقية أو سلطان عليها. ففي شهادات إجارة أصول البنك المركزي (شهاب) مثلا والتي يقوم فيها البنك المركزي ببيع أصوله الممثلة في مباني مقاره في العاصمة والأقاليم للمستثمرين عن طريق شركة السودان للخدمات المالية المملوكة لبنك السودان بنسبة 99% ووزارة المالية بنسبة 1% كوكيل ومن ثم استئجار هذه المقار من هؤلاء المستثمرين عن طريق نفس الشركة الوكيل بقيمة إيجارية معينة تمثل الإيرادات أو الأرباح الشهرية التي يحصلون عليها نظير امتلاكهم لحصص متساوية في هذه العقارات بجانب قيمة العقارات نفسها التي من المفترض أنها أصبحت أصول مملوكة لهم. فالمستثمر في صكوك شهاب يمتلك حصة شائعة في العقارات محل العقد وبالتالي فهي غير معلومة له وللبائع نفسه وكذلك لشركة السودان للخدمات المالية، وأن عملية تسليم هذه الحصة الشائعة انحصرت فقط في تسليم المستثمر صك عبارة عن وثيقة ذات قيمة اسمية محدودة تبين مبلغ الاستثمار الذي دفعه المشتري ولا تمثل في حقيقة الأمر أصول عقارية حقيقية مسجلة وموثقة حسب قوانين التملك في السودان والتي تحدد الآلية التي بموجبها يتم تملك العقارات سواء ملكية فردية أو علي الشيوع وتحدد الجهة المخولة بتسجيلها وتوثيقها وإصدار سندات الملكية الخاصة بها. وهو ما يفتقده حاملي صكوك شهاب فليس بأيدهم سندات ملكية موثقة لحصص شائعة في عقارات بنك السودان وبالتالي لا يستطيعون التصرف فيها تصرف المالك في ملكه بالبيع والتسييل في حالة تعثر بنك السودان في الوفاء بالتزاماته. كما لم يرد ما يفيد بأن العقارات محل العقد قد تم تثمينها من قِبَل مُثَمِّن معتمد حسب قيمتها السوقية مما يثير الشبهات حول تطابق القيمة الإسمية للصكوك المصدرة مع قيمة العقارات السوقية الفعلية وهو ما يعرِّض حاملي الصكوك للخسارة إذا افترضنا جدلا أنهم قادرون على بيعها في حالة تعثر بنك السودان. وبما أنها أصول وهمية فإن الأرباح التي يتم دفعها لحاملي الصكوك تصبح أيضا أرباح وهمية غير حقيقية يتم سدادها لهم في حقيقة الأمر من إيرادات الموازنة العامة للدولة وتظهر في بند المصروفات. ففي موازنة 2020م المعدلة مثلا بلغ صافي الإيرادات المقدرة من الإصدارات الجديدة لهذه الصكوك 5.4 مليار جنيه عبارة عن حاصل طرح الأرباح المقرر سدادها لحاملي هذه الصكوك والبالغة 1 مليار جنيه من القيمة الإجمالية للإصدارات الجديدة البالغة 6.4 مليار جنيه (الموازنة المعدلة، 2020م، مرفق 4، صفحة 30) وهو ما يؤكد أنها ليست صكوك ملكية وإنما أدوات دين لا تختلف عن السندات المحرمة شرعا وأنها تساهم بما لا يدع مجالا للشك في تضخيم الدين العام. وأنه لا داعي أصلا لمثل هذه الحِيَل المسماة إسلامية التي لا تزيد الأمور إلا تعقيدا ومن الأجدى إذا كانت هنالك حاجة فعلية للاستدانة من الجمهور أن تتم مباشرة من بنك السودان بطرح سندات دين مباشرة للجمهور وتسمية الأمور بمسمياتها الحقيقية. فالتكييف الشرعي لا يكمن فقط في الآلية أو في صيغة العقد وإنما في الهدف والمقصد النهائي لطرح مثل هذه الصكوك عملا بالقاعد الفقهية المتفرعة من القاعدة الفقهية الكلية (الأمور بمقاصدها) والقائلة (العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني). وبالتالي تعتبر هذه الصكوك استغلالا وتلاعبا صريحا بالدين من أجل تحقيق مصالح الطفيلية الحاكمة حتى الآن. 

ثامنا: الرغبة فى الكسب السريع مع حداثة التجربة وعدم وجود موروث تاريخي وخبرة كافية لقطاعات واسعة من العاملين والمتعاملين وغير العاملين والمتعاملين مع السوق الثانوية فضلا عن ضعف أجهزة وأنظمة الرقابة عليها والغموض العام الذي ميَّز كل القطاع المالي عن قصد خلال فترة النظام البائد وحتى تاريخ اليوم قد أوقع السوق في العديد من المخالفات للمعايير المتعارف عليها في إدارة ورقابة أسواق الأوراق المالية. وفيما يلي شرح لأهم تلك المخالفات:

  1. تسمح قوانين السوق لشركات الوساطة إدراج أسهمها في السوق. وهذا يتعارض تماما مع معايير البورصات المتعارف عليها، ويمثل تضاربا بيِّناً للمصالح. فلا يجوز أن تُقدِّم شركة الوساطة الاستشارات المالية لعملائها لشراء وبيع أسهم الشركات المدرجة وتنفيذ عقود الشراء والبيع لصالحهم وأسهمها الخاصة نفسها مدرجة ومتداولة في السوق. حيث يمكنها بكل سهولة توجيههم لتداول أسهمها المدرجة شراءً أو بيعا وفقا لما تقتضيه مصلحتها الخاصة. وبرغم أن لائحة التداول بسوق الخرطوم للأوراق المالية لسنة 2010م المعدلة سنة 2016م، (مادة 24، القيود على شركات الوساطة) تمنعها من التعامل بأسهمها إلا عن طريق وسيط آخر، إلا أنه لا يوجد ما يمنعها من تحويل عملائها لشراء أسهمها عن طريق وسيط آخر وهو ما يعتبر جريمة مالية يعاقب عليها القانون ولكن من الصعب على إدارة السوق إثباتها. 
  2. تسمح لائحة التسوية والتقاص لسنة 2010م المعدلة 2016م (المادة 23، سداد قيمة الأوراق المالية، فقرة 23 – 1) لمشتري الورقة المالية بالسداد النقدي لقيمتها. علما بأن السداد في البورصات يتم بالشيكات أو وسائل الدفع الإلكتروني كبطاقات الائتمان أو تطبيقات الدفع عبر الإنترنت وغير مسموح بالتعامل النقدي. وهذا ما يتعارض مع قوانين مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب التي تشترط التأكد من سلامة ومشروعية مصادر الأموال ومرورها عبر قنوات النظام المصرفي الرسمية. ولكن ما يحدث في سوق الخرطوم للأوراق المالية هو جريمة مكتملة الأركان حيث يمكن لأي مشتري أن يدخل السوق بجوالات من النقود لشراء ما لذَّ وطاب له من الأوراق المالية دون أن يكون مطالبا بالإفصاح عن مصادر هذه الأموال. وبالتالي تعتبر مرتعا خصبا لنشاط غسيل الأموال وتمويل الإرهاب دون أن تكون هنالك ضوابط صارمة لمنعها. 
  3. ينص قانون سلطة تنظيم أسواق المال لسنة 2016م، (المادة 38، طرح الأوراق المالية للاكتتاب العام، فقرة 1، الاكتتاب الخاص والطرح الخاص والقاصر) على أنه يجوز لشركات المساهمة العامة بقرار من الجمعية العمومية غير العادية وبعد موافقة سلطة السوق زيادة رأس مالها بتخصيص أسهم الزيادة لشخص معين أو أكثر وهذا أيضا من الثغرات المقصودة في القانون لإتاحة المجال للمتنفذين من طفيلية النظام البائد لحيازة واحتكار أي زيادة في أسهم رأس مال شركات المساهمة الناجحة. وهو ما يتعارض مع حق جمهور المستثمرين المتساوي في الاكتتاب العام في أي أسهم جديدة لأي شركة من الشركات المدرجة في السوق، ومع مبدأ مكافحة أي مظهر من مظاهر الاحتكارات والامتيازات. 
  4. ينص نفس القانون أعلاه، (المادة 46، الإفصاح عن البيانات والمعلومات، الاطلاع والحصول على نشرات الإصدار والمعلومات) على أنه يجوز لسلطة السوق السماح للجمهور بالحصول على البيانات والمعلومات التي تم الإعلان عنها سابقا ومودعة لدي السلطة مقابل رسوم يحددها مجلس إدارة السوق. وهذا يتعارض مع مبدأ الشفافية في أسواق المال حيث يجب أن تتاح كافة المعلومات التاريخية والحديثة في موقع السوق دون مقابل مادي وأن الموارد المعتمدة لسلطة السوق يجب أن توظف في الارتقاء بالخدمات التي تقدمها سلطة السوق بما في ذلك خدمات نشر البيانات الخاصة بالأوراق المالية المدرجة بالذات نشرات الإصدار. وهو ما يعتبر تقنين لبيع المعلومات الذي يمكن أن يخرج عن الأطر الرسمية ويتطور إلى تجارة غير مشروعة بالمعلومات الخاصة بالأسهم. 
  5. تلزم المادة 51 من نفس القانون أعلاه (تقديم التقارير)، الشركات التي تطرح أسهما للاكتتاب بتقديم تقارير سنوية مدققة وربع سنوية غير مدققة. وأيضا تنص المادة 37 من قانون سوق الخرطوم للأوراق المالية لسنة 2016م، على التزام كل الشركات المدرجة بتقديم تقارير مدققة سنوية وربع سنوية. وتعتبر هذه التقارير إجبارية ومن المفترض أن تكون متاحة لجمهور المستثمرين في الموقع الرسمي للسوق كغيرها من الأسواق المالية. ولكن الكارثة الكبرى أن الموقع الرسمي للسوق في القسم المخصص للتقارير المالية يخلو تماما من هذه التقارير، وأن أحدث تواريخ لبيانات مالية منشورة في الموقع هي التقرير المالي السنوي للبنك السوداني الفرنسي لعام 2010م وتقريره المالي ربع السنوي حتى 26 أغسطس 2014م (أي الربع الثاني تقريبا)، وأيضا البيانات المالية للربع الأول لمصرف المزارع التجاري المقدمة بتاريخ سبتمبر 2015م. والفضيحة الكبرى هي أن المتصفح عندما يضغط على الرابط للاطلاع على هذه البيانات (على قِدَمِها)، لا يجد شيئا منها. والخلاصة أنه لا توجد أية بيانات مالية منشورة في موقع سوق الخرطوم المالية عن أي شركة مدرجة علما بأن عددها وصل 67 شركة مقسمة إلى خمس قطاعات هي البنوك، التأمين، الصناعة، التجارة، الاستثمار والتنمية، الزراعة، الاتصالات والوسائط، وشركات الوساطة. وتعتبر هذه جريمة من الجرائم الكبرى المخالفة للقانون والتي تشتمل أيضا على شبهة التواطؤ بين الشركات التي يجب أن تُقدِّم تقاريرها المالية السنوية وربع السنوية في مواعيدها المحددة وبين إدارة السوق التي من المفترض عليها إلزام الشركات بتقديم تقاريرها وتقوم هي بنشرها في الموقع الإلكتروني الرسمي للسوق. وما يدفعنا للقول بأنها جريمة وتواطؤ هي أنها ليست مجرد هفوة عابرة أو إهمال من إحدى الشركات في تقديم تقرير أو تقريرين أو تأخيرهما عن مواعيدهما المقررة، وليست مجرد سهو أو إهمال عابر غير مقصود لإدارة السوق في عدم نشرها وإنما هو غياب كامل لتلك التقارير منذ تأسيس السوق ومنذ ظهور الانترنت وتكنلوجيا المواقع الالكترونية وحتى اليوم. 
  6. عند دخول المتصفح لموقع السوق والنقر علي شريط الأخبار الذي من المفترض أن يَعِجُّ بالأخبار المتجددة علي مدار الساعة عن أخبار الشركات والأوراق المالية التي تهم المستثمر نجده يتضمن فقط ثلاثة أخبار لكل عام 2020م الأول: خبر مكرر عن تهنئة المدير العام والسادة مساعدوه والعاملين بسوق الخرطوم للأوراق المالية لبنك فيصل الإسلامي بمناسبة حصوله علي جائزة أفضل بنك بالسودان من الإتحاد الدولي للمصرفيين العرب للعام 2020م. والثاني: نعى من مدير عام السوق وكل العاملين به لزوجة دكتور طه الطيب أحمد رئيس لجنة اتحاد المصارف السوداني والمدير العام لبنك الاستثمار المالي. والثالث: أيضا نعي من المدير العام ومساعدوه والعاملين بالسـوق لعضـو مجلس الإدارة الأسبـق للسـوق السيد/ أحمد محمد المنصور العجب. أما إذا تجول المتصفِّح بين أخبار السنوات من 2019م نازلا للعام 2014م يجدها أخبار فقيرة لا تتجاوز 67 خبر في السبعة سنوات (2014/2020م) بمتوسط 10 أخبار في كل سنة علما بأن السنوات 2017م و2018م لا يوجد بها أخبار مسجلة نهائيا. وأن معظم الأخبار لا تعدو عن كونها مجرد تهاني لا تفيد المستثمر شيئا عن حال الشركات والأوراق المالية المدرجة. وهو ما يعكس غياب الشفافية والإفصاح، ويبين مستوي الغموض الذي يشوب سوق الخرطوم للأوراق المالية ويجعلها جزء من الاقتصاديات الموازية الخفية التي لا تمت للاقتصاد الحقيقي بشيء.

وبالتالي فإن الحديث عن أي إصلاح للقطاع المالي الذي يشتمل على أقسامه الثلاثة الممثلة في قطاع البنوك وقطاع التأمين وقطاع المال ممثلا في أسواق المال يجب (حسب تقديرنا) أن يستصحب ما يلي:

أولا: تصفية سوق الخرطوم للأوراق المالية باعتبارها سوق هامشية طفيلية لا تستند إلى تبادل أصول حقيقية ولا تقدم شئيا للاقتصاد الوطني وعلى العكس تؤدي إلى هروب الأموال خارج النظام المصرفي الأمر الذي يؤدي إلى إضعاف سيولة البنوك وبالتالي إضعاف قدرتها على تمويل القطاعات الإنتاجية. وأيضا تؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم وارتفاع الدين العام وتحويلها إلي سوق (بورصة) للسلع والمعادن يتم فيها تبادل المحاصيل المنتجة محليا والمعادن كالذهب وغيره. وأن تتم هيكلتها وصياغة النظم الرقابية الخاصة بها وفقا لتقاليد أسواق المحاصيل الراسخة القائمة في بلادنا منذ سنين طويلة كسوق المحاصيل في الأبيض، الرهد، القضارف وغيرها من أسواق المحاصيل المنتشرة في مناطق الزراعة المطرية والمروية، وتطوير تجربتها. مثل هذه السوق ستسهم بشكل مباشر في دعم الصادرات ودعم الاقتصاد الوطني عموما باعتبار أن عمليات التبادل (على عكس سوق الأوراق المالية) تقوم على أساس تبادل سلع حقيقية الأمر الذي يدعم منتجي هذه السلع ويحفزهم للمزيد من الإنتاج ويخلق منافسة إيجابية بينهم ستنعكس إيجابا في جودة المنتجات وكمياتها وطريقة تعبئتها وتخزينها ومناولتها. وأن تخضع هذه السوق لحزمة من التعليمات الرقابية والإشرافية تستمد قوتها من تراث أسواق المحاصيل وتقاليدها المجربة الراسخة وأسس التعامل فيه بين كافة الأطراف داخلها. ونعتقد بأن قرار الحكومة الانتقالية بإنشاء بورصة للذهب والمعادن والمحاصيل الذي وجد ترحيبا من اللجنة الاقتصادية لقوي الحرية والتغيير ومعظم الأوساط الاقتصادية الداعمة للخيارات الوطنية وشعارات الثورة هو قرار صائب يجب العمل لتطبيقه على أرض الواقع على أسس سليمة وحديثة مستفيدين من البنيات التحتية الخاصة لسوق الخرطوم للأوراق المالية بعد تصفيتها. مع وضع ضوابط صارمة وعكسها على القوانين واللوائح لمنع المضاربات من تقلبات أسعار هذه السلع والمعادن وأية محاولات مستقبلية لتداول أي نوع من أنواع الأوراق المالية أو المشتقات المالية كعقود البيع الآجل للنفط على سبيل المثال في الأسواق العالمية والتي يصبح معها تداول هذه المشتقات المالية في حد ذاتها كأوراق مالية هو الهدف الأساسي لتحقيق أرباح على المدي القصير بدلا عن هدف الحصول على النفط أو السلعة نفسها. فالطبقة الطفيلية حتى في ظل سوق السلع والمعادن ستضغط وتستخدم أساليبها الخاصة لاختراق مثل هذه السوق والهيمنة عليها وتحويلها لمرتع للمضاربة والأنشطة الطفيلية.

ثانيا: رفع أرباح البنوك التجارية علي ودائع الاستثمار والادخار لجذب الاموال التي كان يتم تداولها في سوق الخرطوم المالية لدعم سيولة البنوك وبالتالي رفع قدرتها علي تمويل القطاعات الإنتاجية علي أن يستصحب ذلك اصدار ضوابط وتعليمات جديدة من بنك السودان المركزي تضمن زيادة البنوك لرؤوس أموالها لتتماشي مع المعايير الدولية ودمج بعضها البعض وضمان وجود حصة لا تقل عن 51% للحكومة المركزية ووضع سقوف ائتمانية تضمن توجيه موارد البنوك للقطاعات الإنتاجية ومنعها من تمويل السلع الاستهلاكية والأنشطة الطفيلية وإحالة كل تمويل السلع الاستهلاكية المعمرة كالسيارات والأجهزة المنزلية والمشاريع الأسرية الحرفية الصغيرة لشركة مساهمة عامة تدمج فيها كل شركات التمويل الأصغر. 

ثالثا: حل شركة السودان للخدمات المالية ووقف إصدار صكوك وشهادات الاستثمار المالية وسداد قيمة الاصدارات القائمة لحاملي الصكوك مع أرباحها بما في ذلك الصكوك التي تحتفظ بها البنوك التجارية وتجميد سياسة السوق المفتوحة التي أصبحت تقريبا هي الأداة الوحيدة التي يستخدمها بنك السودان لإدارة السياسة النقدية والاستعاضة عنها بأدوات إدارة السياسة النقدية الأخرى المجربة كالاحتياطي الإلزامي، سعر الخصم، سعر الفائدة، الرقابة الكيفية على الائتمان، التأثير والإغراء المعنوي، وغيرها من أدوات السياسة النقدية الفعالة المبتكرة. 

رابعا: تصفية كل محافظ استثمار البنوك التجارية في سوق الأوراق المالية للاستفادة من السيولة الموظفة فيها لتمويل قطاعات التنمية وتوجيهها نحو استثمارات قوية تساعد على تقوية مراكزها المالية وتقوية قدرتها على استقطاب جزء مقدر من رؤوس الأموال والسيولة المتداولة في سوق النقد العالمي كإلزامها بالاحتفاظ بجزء من استثماراتها بنسبة معينة ولتكن 25% مثلا في شكل سبائك وعملات ذهبية كاحتياطي نقدي مما يشجع البنوك الأجنبية التعامل معها على المدي القصير والطويل.

خامسا: تحويل بعض البنوك التجارية القائمة ودمجها في بنك استثمار واحد مع بنوك الاستثمار القائمة بمساهمة الدولة بما لا يقل عن 51% من رأس المال وتحال إليه كل الاستثمارات طويلة الأجل بما فيها سوق الإصدارات والاكتتابات الأولية لمشاريع تنموية ضخمة تصب في دعم الاقتصاد الوطني وفي مصلحة الشعب وفقا لدراسات جدوي دقيقة ونشرات إصدار وملخصات تنفيذية شاملة تحتوي كل شيء متعلق بهذه الاستثمارات بما فيها المخاطر المحيطة بها وطريقة التخارج علي المدي القصير والمتوسط والطويل وطرحها للجمهور للاكتتاب العام لجذب المدخرات الوطنية مع حق التخارج وفقا لآلية محكمة وسهلة في نفس الوقت ولكنها لا تسمح بالمضاربة اليومية والفوضى الحادثة في السوق الثانوي للأوراق المالية بما يضمن مساهمة هذه الاكتتابات الفعلية في حوض استثمارات هذه المشاريع التنموية وليس فيما يراكم ثروات وأرباح أصحاب رأس المال كما يحدث في الأسواق الثانوية للأوراق المالية.

سادسا: إعادة كل الشركات التي تمت خصخصتها خلال فترة التمكين حتي لو يتم ذلك بموجب قانون خاص لذلك تمهيدا لإنشاء سوق الخرطوم للأوراق المالية وإعادتها لولاية وزارة المالية ولكياناتها القانونية الأصلية كمجموعة شركة سوداتل وكل شركات الإتصالات المتفرعة عنها وكذلك شركة الصمغ العربي، شركة السودان للحبوب الزيتية، الشركة السودانية للمناطق والأسواق الحرة وشركات التأمين التي كانت مملوكة للدولة أو للدولة حصص فيها وغيرها بما في ذلك البنوك التي تم خصخصتها أو تحويلها لبنوك مختلطة وإدراجها في السوق تمهيدا لهيكلة القطاع المالي والمصرفي. علي أن يتم ذلك دون الإضرار بالمستثمرين الذي قاموا بشراء أسهم هذه الشركات من خلال التداول بحيث يتم سداد كافة مستحقاتهم وفق آلية عادلة يتم الإتفاق عليها ويستثني من ذلك المؤسسين والمساهمين من طفيلية النظام البائد الذين حصلوا على أسهم هذه الشركات عند بداية فترة الخصخصة أو من خلال شراء أسهمها من خلال التداول في السوق.

[email protected]

محتوى إعلاني

‫8 تعليقات

  1. لا يمكن ان يكون مثل هذا الخـبـير الأقتصادى المالى خارج الوزارة التى تفتقد الى مثل هذه الخبرات . لماذا لا يتم تعـين الدكتور / هـبانى مثلا رئيسا للبنك المركزى او وزيرا للمالية او اى منصبا آخر يتعلق بمؤهالاته ؟ و نوجه هذا السؤال الى الذين يقومون بترشيح الوزراء . ايهما اصلح لمنصب وزير المالية , جبريل ابراهيم ام د . هبانى ؟ ؟ ويا حمدوك اين هى صلاحياتك ؟

  2. أهم ديل التكنوراط الكنا عاوزنهم يديروا الفترة الانتالية ولكن زلنطحية حت الحزبيين أبوا إلا أن يغلبوا مصالحهم الحزبية الية على المصلحة العامة التي تشملهم ولكنهم قوم جهلاء انتهازيون بشرفنتهم هذه قلبوها محاصصات حزبية بمشاركة زلنطحية أمثال فيصل والرشيد وخالد سلك والسليك وأمجد فريد وباقي شلة المتشارين الزلنطحية الأغرار الذين هم وراء اختيارات الوزراء الذين لا يعرفون الادارة فصاروا ألعوبة في أيدي الفلول في وزاراتهم!

  3. هذا الحديث فيه الكثير من الأخطاء منها على سبيل
    المثال سهولة المضاربة في الاسهم و هذا غير صحيح و لا يمكن لشخص ان يشتري سهم و يبيعه بعد خمسة دقائق في سوق الخرطوم حاليا.

    لكنه ايضا لا يخلو من كثير من الحقائق خصوصا في ما ذهب اليه من شهادات شهامة و الأوراق المالية الحكومية فهي فعلا أدوات غير منتجة و تزيد من الدين الداخلي بصورة متراكمة سنويا و ارباحها العالية نسبيا تؤدي إلى تحول الأموال إليها بدلا عن سوق الاسهم،
    و يجب تحويل هذه الادوات الحكومية الي مشاريع انتاجية.

    وايضا ما ذهب اليه بخصوص القوانين و مسألة الحوكمة و الافصاح و الشفافية فيه الكثير من الحقائق و السبب في ذلك يرجع مباشرة الي عدم كفاءة الادارات التنفيذية للسوق منذ انشائه و حتى اليوم فقد تقول البنك المركزي بتعيين مدراء عامين للسوق ليسوا من ذوي المعرفة و الخبرة بمفاهيم اسوق المال، بالإضافة إلى تعيين مدراء عامين ضعيفين او موالين للنظام وهذا الوضع للأسف استمر حتى بعد حكومة الثورة.

    و أيضا ضعف الرقابة على السوق حيث لم يتم انشاء هيئة أسواق المال منذ صدور القانون الخاص بها سنة ٢٠١٦ الا قبل أشهر معدودة و هي ما زالت في طور التأسيس، وحتى هذا القانون الذي كان مقترح منذ العلام ٢٠٠٩ صدر في ٢٠١٦ لعدم ادراك الجهات المعنية بالدولة حينها لأهمية ذلك.

    في تقديري ان السوق المالي السوداني يمكن أن يلعب دورا كبيرا في التنمية الاقتصادية في السودان اذا تحقق الاتي:
    ١. اقامة الجسم الرقابي (الهيئة) بصورة صحيحة و تعيين الكوادر المؤهلة فيها دون محاصصات و محسوبة لتضطلع بدورها التشريعي و الرقابي.

    ٢. إصلاح الاطار التشريعي و القانوني بما في ذلك الحوكمة و الشفافية و الافصاح.

    ٣. ادراك الدولة لأهمية هذا القطاع، وهو ما لم نلتمسه من النظام البائد و لا حكومة الثورة حتى الآن، و هذا من شأنه ان يؤدي إلى اهتمام الدولة بهذا القطاع، و العمل بتناغم مع المؤسسات الأخرى مثل الضرائب و الهيئة العامة للاستثمار لتسهيل جذب رؤوس الأموال للمشاريع الإنتاجية.
    أضف الي ان ادراك الدولة لهذا القطاع يجعلها تموضعه في استراتيجياتها الرامية للنهوض بقطاعي الاستثمار و التنمية.

    ٤. هيكلة قطاع الأوراق المالية الحكومية شهامة وغيرها من الأدوات و العمل على تحويلها الي أدوات لتمويل التنمية بدلا من أن تكون أدوات دين بعوائد كبيرة نسبيا تسهم في زيادة الدين الداخلي مرتين (مرة باصل الأموال و مرة بالارباح الوهمية الناتجة عنها)
    و هذه الأوراق الحكومية في رأي الشخصي انها مثل كرة الثلج تتدحرج و يزداد حجمها كل ٤ شهور و تحت إدارة وزارة المالية و البنك المركزي، و المؤسف انه لا النظام البائد و لا حكومة الثورة لديهم رؤية او ادراك لهذا الأمر.

    ٥. هيكلة سوق الخرطوم للأوراق المالية و استبقاء الكادر المؤهل و التخلص من الغثاء، وتدريب العاملين فيه على مفاهيم الحوكمة والشفافية ووضع الأطر التشريعية و التنفيذية والاجرائية لها.
    علما ان التعيين للوظائف بالسوق كان يتم بالواسطة و المحسوبية و عبر مديره العام، الا في حالات نادرة، الأمر الذي افرز وجود موظفين غير منتجين و لا مبدعين و للأسف في مستوى مدراء الادارات و مساعدي المدير العام.

    ان انغلاق البلاد خلال فترة النظام البائد والحظر الأمريكي، و الفساد و المحسوبية ادت الي هروب الكوادر المؤهلة خارج البلاد، كما ادت سياسة التمكين لتجهيل العاملين في جميع قطاعات الدولة و ادت لدمار شامل يحتاج إلى إعادة هيكلة لما خلفه الكيزان من مؤسسات حتى يتم بناءها من جديد حسب المعايير و النظم العالمية.

    ٧. إلزام الشركات المدرجة بإعادة تقييم أصولها حتي تنعكس على قيمة السهم السوقية، خصوصا في ظل التضخم المستمر،
    و إيجاد الآليات المناسبة لذلك.

    طبعا عدم ادراك الدولة لهذا القطاع جعلت العديد من منسوبي النظام البائد يستخدموا الثغرات في القوانين و تحويلها لصالحهم، خصوصا قانون ٢٠١٦ الذي تم تعديله و إجازته بدون مشاركة حقيقية من اصحاب الخبرة و الكفاءة.

    على اي حال السلطة الان في طور الانشاء
    و بإذن الله بقيامها الوضع سيختلف
    ولا شك أن وجود أسواق مالية كفؤة تتطلب ادراك و وعي كبير من الأجهزة التنفيذية في الدولة.

    أيضا تبعية السوق لوزارة المالية عبر تعيين مدير السوق بتوصية من الوزير دي برضو مشكلة كبيرة جدا. السوق لو اتحول لشركة مساهمة عامة بكون افضل.

    أيضا ما ذكره الاستاذ هباني في مقاله بأن شركات الوساطة بعضها شركات مساهمة عامة أرى انه من الأفضل أن تكون شركات مساهمة عامة من أن تكون شركات خاصة مملوكة لأفراد.

    1. اتفق معك تماما ومع الاستاذ هباني في اجتهاده المقدر رغم بعده عن الوطن وأعتقد لو كان قريبا وشاهد السوق بعينه وتناقش مع الموجودين به وتعرف على الواقع المؤلم عن قرب لوجدنا عنده الحلول الناجعة التي تنأى بنا عن الاخطاء وبعيدا عن رأي هباني في المضاربة احب أن أوكد على دور شركات المساهمة في التنمية الاقتصادية بشرط امتلاك الدولة أغلبية الأسهم حتى تستطيع أن تتحكم فيها بأغلبية التصويت في القرارات الصادرة، وعلى الدولة أن تبدأ في دراسة الأمر من كافة الجوانب تمهيدا للبدء في تأسيس شركات مثل الخطوط الجوية والمطارات والبحرية والموانئ والسكك الحديدية والقطارات وشركات التصنيع الزراعي والاتصالات فرأسمال قيمته مليارات الدولاارات لكل شركة مساهمة كفيل بالنهضة التنموية الشاملة.

  4. يعني تقعلوا حق الناس للأسف تفكير براغماتي عنيف بامتياز ناتج برضو عن الثقافة المباركة لجارتنا اللدود المولود كوس الدنيا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..