أخبار السودان

 سيرة العنف والموت تعود بقوة إلى دارفور بعد مقتل 200 في عنف قبلي

عمار عوض

الخرطوم-“القدس العربي”: تتسارع خطوات عودة دارفور إلى سنوات الموت والدم والقتل على الهوية بشكل يبعث على القلق العميق وهو ما دعا مجلس الأمن الدولي لعقد جلسة طارئة بعد تفاقم العنف القبلي في ولايات غرب وجنوب دارفور الذي أودى بحياة 200 شخص على الأقل وجرح العشرات، بعد أيام من انتهاء تفويض قوات بعثة الأمم المتحدة “يوناميد”. لكن المجلس فشل في الوصول إلى قرار موحد، فيما أعلن قيادي في القوى التي وقعت اتفاقا للسلام مع الحكومة عن وصول طلائع قواتهم إلى الإقليم المنكوب لغرض تكوين القوة المشتركة لحماية المدنيين بينهم والقوات الحكومية مع الاتفاق لرفع العدد إلى 20 ألف جندي، فيما تعرض منزل والي غرب دارفور للهجوم من مجموعات مسلحة قال إن “لهجتهم غير سودانية” ونفى رئيس مجلس السيادة الفريق محمد حمدان دقلو وجود قوات تشادية في الصراع الحالي وهو يدشن قوات “درع السلام” المتوجهة لدارفور، معلنا رفضه سيناريو الفوضى وانه سيحاسب بشكل قوي من يخطئ من قواته في حق المدنيين. وقالت مصادر سياسية مطلعة في حاضرة شمال دارفور مدينة الفاشر لـ”القدس العربي” إن “مؤشرات الفوضى واضحة للعيان وهناك قوات ضخمة وسلاح دخل إلى دارفور بعضهم يتبعون لقوات السلام وغالبهم مجموعات متسللة من ليبيا تبحث عن موطئ قدم، والمشكلة ان من يمتون بالقربى لحميدتي ضالعون في العنف القبلي”.

 

وعاشت دارفور طوال الأسبوع الماضي أحداث عنف قبلي غاية في الدموية، يبدأ عادة بمشاجرة بين شخصين ليتحول بسرعة لقتال بين القبائل، والقاسم المشترك بينهم المجموعات العربية التي تقاتلت مع قبيلة المساليت في غرب دارفور والفلاتة في جنوب دارفور. وتقول آخر الإحصائيات إن أعمال العنف التي شهدتها منطقة الجنينة في ولاية غرب دارفور أدت إلى سقوط 123 قتيلاً، بينما أودت اشتباكات  جنوب الإقليم بحياة 47 شخصا، في قرية الطِويل سعدون، شرقي مدينة قريضة جنوب دارفور.

وقال محمد صالح إدريس أحد زعماء قبيلة الفلاتة الاثنين الماضي “تم رفع 47 جثة من الفلاتة والاشتباكات توقفت، ولكنها من الممكن أن تعود في أي وقت”.

واتهم المسؤول عناصر من قبيلة الرزيقات العربية بمهاجمة قبيلته، متحدثا أيضا عن إحراق العديد من المنازل.

وتبعد قرية الطويل سعدون حوالي 65 كيلومترا جنوب مدينة نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور. وتعد الخلافات حول ملكية الأراضي والوصول إلى الماء أسبابا لمثل هذه المواجهات.

أحداث الجنينة

وفي الموازاة، ارتفعت حصيلة ضحايا الأحداث الدموية غير المسبوقة التي شهدتها مدينة الجنينة وما حولها، السبت والأحد، وفق ما أكدت لجنة أطباء غرب دارفور، مشيرة إلى “إحصاء 129 قتيلاً، و198 جريحا من بينهم أطفال وحديثو ولادة يتلقون الرعاية في عدد من المؤسسات الطبية في مدينة الجنينة”.

وأوضحت في بيان أنه “رغم الهدوء النسبي الذي تشهده المدينة إلا أن دائرة العنف توسعت، حيث استقبلت المستشفيات جثامين من منطقتي مورني وقوكر قتلوا في أحداث ذات صلة بما يجري في الجنينة”.

وفي أول حادث من نوعه أعلنت السلطات السودانية يوم الأربعاء، عن تصدي القوات الأمنية لمحاولة اغتيال تعرض لها والي غرب دارفور محمد عبد الله الدومة، في منزله، تزامنا مع عقده اجتماعا أمنيا.

وذكرت حكومة ولاية غرب دارفور في بيان، أن “مجموعة مسلحة اعتدت مساء الثلاثاء، على منزل الوالي عقب استضافته اجتماعا أمنيا” لافتة إلى أن القوات الأمنية تصدت للمهاجمين، دون حدوث خسائر في الأرواح والممتلكات.

واتّهم حاكم ولاية غرب دارفور، محمد عبد الله الدومة، المجموعة المتفلّتة التي حاولت اقتحام منزله على خلفية الأحداث الدموية الأخيرة بمدينة الجنينة، بأنّها “غير سودانية”.

وقال الدومة إنّ لهجتها غير سودانية، ووصفها بـ”الشّاذة” ولا تشبه لغة أهل دارفور أو السودان.

وقطع حاكم غرب دارفور في تصريحاتٍ لصحيفة “التيّار” الصادرة، الخميس، أنّ تعامل سلطاته مع الأحداث الأخيرة سيكون قانونيًا، كما أوصد الباب أمام عقد المصالحات لإنهاء الصراع في الولاية.

وأضاف “التعامل مع الأحداث سيكون قانونيًا ولا مجال لعقد المصالحات التي كانت تتمّ في السابق لإنهاء الصراع.”

وسارعت هيئة محامي دارفور وهي جماعة حقوقية عالية المؤثوقية إلى إدانة مهاجمة مقر الوالي عبدالله الدومة وقالت في بيان رسمي “ما يحدث بولاية غرب دارفور ناجم عن عدم قدرة الدولة على القيام بواجبها في حماية مواطنيها وغياب هيبة السلطة، ومن جانب آخر، ان عدم قيام الحكومة بواجبها في حماية مواطنيها، سوف يشجع المنظمات الدولية على التدخل لحماية حقوق الإنسان في دارفور كما حدث سابقا وملاحقة المتورطين في هذه المجازر والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني وأمراء الحرب بولاية غرب دارفور”.  وتابعت “خاصة وان الميليشيات المسلحة وما قامت بها من فظائع قد قدمت الشواهد حول عدم قدرة أجهزة الدولة على حماية مواطنيها، مما قد يفتح الباب على مصراعيه للتدخل الدولي والملاحقات الجنائية الدولية مثلما حدث في ظل النظام البائد”.

مجلس الأمن

سارع مجلس الأمن الدولي إلى عقد جلسة طارئة يوم الخميس الماضي لمناقشة الاشتباكات الدامية التي شهدها إقليم دارفور مؤخراً، لكنه لم يتوصل إلى اتفاق على إعلان مشترك أو على تغيير محتمل في الوضع، بحسب دبلوماسيين.

وعُقد الاجتماع الطارئ بطلب من الأوروبيين والولايات المتحدة بعد اشتباكات عرقية في وقت سابق هذا الأسبوع، خلّفت أكثر من مئتي قتيل خلال ثلاثة أيام في هذه المنطقة الشاسعة بغرب السودان.

واقترح الأوروبيون والولايات المتحدة والمكسيك تبني إعلان يهدف إلى دعوة الحكومة السودانية إلى الإسراع في تطبيق خطتها لحماية السكان. لكنّ دبلوماسيين قالوا لوكالة “فرانس برس” إن هذا المقترح قُوبل برفض من جانب دول أفريقية أعضاء المجلس ومن الهند وروسيا والصين، دعت جميعها إلى احترام سيادة السودان.

وقال دبلوماسي طلب عدم كشف هويته وينتمي إلى الفريق الذي رفض تبني بيان مشترك، إنّ “هذا نزاع بين مجموعات سكانية” وهناك دائماً “بقايا (اشتباكات) في بلد لا يزال في مرحلة ما بعد النزاع”. وأضاف “هذا بلد في وضع صعب ويجب مساعدته بدلا من إعطائه دروساً”.

وعبر المتحدث باسم المنسقية العامة لمعسكرات النازحين واللاجئين بدارفور آدم رجال عن خيبة أملهم لعدم اتخاذ مجلس الأمن الدولي قرارا حاسما يوقف ما اسماه “الموت اليومي”.

وقال رجال لـ”سودان تربيون”: “كضحايا نعتبر ذلك وصمة عار في جبين مجلس الأمن. الناس يموتون وهم غير قادرين على اتخاذ قرار وهناك بعثة حفظ سلام موجودة الآن بلا تفويض وعاجزة عن وقف عمليات القتل والحرق”.

 

وبعد انتهاء مهمة بعثة “يوناميد” اعتبارا من أول كانون الثاني/يناير الحالي، تعتزم الأمم المتحدة البقاء في السودان من خلال بعثة سياسية مقرها الخرطوم، تهدف إلى دعم الانتقال في السودان.

تدارك الموقف قبل فوات الأوان

وأكد المتحدث باسم منسقية معسكرات النازحين واللاجئين أن على الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول الترويكا “الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والنرويج” تدارك الموقف في دارفور قبل فوات الأوان.

وأشار إلى أنهم يخشون من أن تدفع الحكومة الانتقالية الثمن مضاعفا في ظل عدم قدرتها على إحتواء الوضع الأمني لجهة أن قوات الدعم السريع بوصفها جزءا من الصراع يصعب أن تكون جزءا من الحل.

وحذر من ميليشيات مسلحة ذات ارتباطات بالنظام السابق لا تستهدف الجنينة لوحدها بل تنشط في كل دارفور لخلق الفوضى وإعادة الوضع الأمني والإنساني في الإقليم لمربع العام 2003. وزاد “على الحكومة والمجتمع الدولي تدارك الموقف سريعا”.

ومن جانبه قال النائب الأول لرئيس مجلس السيادة الانتقالي، قائد قوات الدعم السريع، الفريق أول محمد حمدان دقلو، إن جهات تريد أن تعم الفوضى في البلاد ومد الفترة الانتقالية لعشر سنوات، وتشعل الحرائق في أطراف البلاد، وأضاف “كلما أطفأنا ناراً أوقدوا عشرة”.

وأكد دقلو خلال مخاطبته تخريج دورة الصاعقة ومتحرك قوات درع السلام بالدعم السريع في معسكر فتاشة يوم الأربعاء الماضي، أن أحداث الجنينة في غرب دارفور فتنة داخلية لا علاقة لها بأي طرف خارجي، في إشارة إلى تكاثر الحديث في وسائط التواصل الاجتماعي عن وجود “مجموعات تشادية” كبيرة تعمل على الأرض وقال دقلو لجنوده “إن الحديث عن قوات تشادية غير صحيح، وأن القتال داخل أحياء المدينة ويمكن رؤيته من مكتب والي الولاية، ومن يقوموا بالمشكلة في الجنينة مأجورين ومرجفين يؤججون الصراع على وسائل التواصل الاجتماعي لتعم الفوضى في البلاد، وأوصى أهل دارفور بتفويت الفرصة على المأجورين الذين يبثون (اللايفات) على وسائل التواصل الاجتماعي”.

وقال قائد قوات الدعم السريع، في خطابة إننا لن نسمح بالفوضى، وأن الديمقراطية لا تعني الفوضى بل الشورى والتحضر والتفاهم، وأشار إلى أن البلاد منهارة سياسياً وأمنياً واجتماعياً واقتصادياً، وتابع” قلنا كلامنا استهدفونا ونبذونا حينما قلنا لهم لن نسمح بالفوضى. نقولها ثانياً لن نسمح بالفوضى ولن نصمت”.

وناشد دقلو أهل دارفور وكردفان والسودان كافة بعدم الانسياق وراء دعوات العنف، ودعا لوقف الاقتتال والمطالبة بالحقوق، وحذر من محاولة جر البلاد إلى مرحلة خطيرة تشبه ما يحدث في اليمن، وطالب الشعب السوداني بالنظر إلى مصلحته وأن يوقف الغش والكذب والتأليف، وقال: “نحن بنقاتل برانا واليد الواحدة ما بتصفق”.

ووجه بعودة النازحين إلى قراهم ومناطقهم، وقال: “مافي زول يقعد في محل زول بنقومك وندخلك السجن.. دايرين دارفور وسوداننا يد واحدة لنبني بلدنا”.

فراغ أمني

وقال مصدر سياسي مطلع لـ”القدس العربي” من مدينة الفاشر عاصمة شمال دارفور إن “المشكلة في دارفور مركبة وهي التي تقود للعنف القبلي الحالي، ضلع تتحمل مسؤوليته الدولة بكافة أركانها التي سعت لخروج قوات يوناميد والتي رغم التحفظات على عملها في السابق لكنها كانت تحد من العنف، والذي تفجر مع انتهاء عملها بأيام قليلة فقط” وتابع “كما تتحمل جماعات الكفاح المسلح نصيبا كبيرا من المسؤولية بعد ان قبعت في فنادق الخرطوم ولم تأت لبث روح السلام في إقليم دارفور. كما انها لم تهتم بتشكيل القوة التي قالت إنها ستحل محل قوات يوناميد لحماية المدنيين بالشراكة مع القوات النظامية وبالتالي حدث فراغ أمني كبير وأصبحت القبائل تتقاتل في ما بينها”.

وأوضح المصدر نفسه “مؤشرات الفوضى واضحة للعيان وهناك قوات ضخمة وسلاح دخل إلى دارفور بعضهم يتبعون لقوات السلام وغالبهم مجموعات متسللة من ليبيا تبحث عن موطئ قدم، والمشكلة ان من يمتون بالقربى لحميدتي ضالعون في العنف القبلي حتى النخاع ومن غير المعلوم هل فقد السيطرة على قيادته مثل ما حدث في جنوب دارفور وغربها أم هو مخطط أكبر من الجميع؟”.

ومن جانبه قال الناطق الرسمي السابق باسم الجبهة الثورية محمد زكريا لـ”القدس العربي” إنه “ليس صحيحت أننا غير مهتمين بالوضع في دارفور. رئيس الجبهة دكتور الهادي ادريس وعدد من القادة هم في دارفور الآن وقاموا باستقبال طلائع القوات التابعة لنا في مناطق التجميع بغرض الشروع في تنفيذ آلية حماية المدنيين المتفق عليها في اتفاق السلام في جوبا، حيث وصلت 50 عربة دفع رباعي تحمل قوات إلى مدينة زالتجي و75عربة إلى مدينة نيالا وجار استقبال القوات في مناطق التجميع”. وحول انشغالهم بتشكيل الحكومة دونا عن الترتيبات الأمنية قال زكريا “لا صلة بين تشكيل الحكومة والتريبات الأمنية ونحن نسير على مسارين متوازيين والآن وصلت طلائع القوات إلى نقاط التجميع وقدمنا كشوفات تحوي أسماء 6 آلاف جندي سيشاركون في قوة الحماية” وتابع “وهناك تفاهمات جرت لرفعها إلى 20 ألف جندي بدلا عن 12 ألفا بالشراكة مع القوات النظامية الحكومية. الوضع الجديد حافظ على المكونات وزاد مشاركة الحكومة إلى 12 ألف جندي بدلا عن 6 آلاف وحركات الكفاح المسلح إلى 8 بدلا عن 6 آلاف كما اتفق في السابق  والغاية أنشاء قوة من أبناء المناطق وهي القوة الوحيدة القادرة على الردع ولا يمكن اتهامها بانها تحابي قبيلة على الأخرى لانها ستضم جنودا بأعداد كبيرة من كلا القبائل في دارفور”.

وأوضح زكريا “العنف الحالي مربوط بانتشار السلاح بكثافة في أيدي المدنيين نتيجة لسياسات المؤتمر الوطني الحزب الحاكم السابق وتضعضع الثقة بين مكونات الإقليم وهو ما قاد لاهدار الدماء ولأن هناك تحفزا وخلفية وتاريخا من العنف ما زالت بقاياه موجودة، والحل الوحيد بتشكيل القوة المشتركة وفرض هيبة الدولة وفرض القانون ولا بد لدور من العقلاء، وأيضا حكومة الولاية تعاملت برشد ونحن ندعمها، ومجلس الأمن والدفاع أقر حزمة من القرارات بارسال لجان لتقصي الحقائق ولجنة لرأب الصدع بين القبائل وإرسال قوات لتعمل على نزع سلاح المدنيين” وتابع “هناك دوائر عدة تعمل على زرع الفتنة والشقاق بين مكونات الإقليم  ولابد من استئصال قوى النظام البائد من المناطق الحساسة في القوات النظامية  حتى تعبر دارفور الفترة الانتقالية بسلام”.

القدس العربي

محتوى إعلاني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..