مقالات وآراء سياسية

ثمة دروس أمريكية ! سحر الشفافية وفاعليتها !

الفاضل عباس محمد علي

يمر السودان بظروف مشابهة لسنوات الكساد العالمي في عشرينات القرن المنصرم، خاصة تجلياته في الولايات المتحدة منذ 1929 حتي 1933، إذ بلغت الأزمة السياسية والاقتصادية الأمريكية حداً أنذر بكافة أنواع الاحتمالات الكارثية: إفلاس الدولة – ثورة جياع – إنقلاب أو حرب أهلية كما حدث في 1865 – صعود دكتاتور مغامر مثل الدوتشي موسليني في إيطاليا أو أدولف هتلر في ألمانيا، إلخ. وكانت الديمقراطية القائمة منذ 1776م مهددة بشكل ملموس، وهي أصلا معطوبة؛ (عدم انصاف الأقليات المضطهدة مثل السود – حرمان النساء والشباب دون الخامسة والعشرين من حق التصويت – التوزيع المجحف للثروة والسلطة – سيطرة كبار الأثرياء وشركاتهم على عصب الاقتصاد – التهميش الكامل لصغار المزارعين والعمال والسود – انحياز الدولة بالكامل للأغنياء البيض – وضمور العدالة الاجتماعية، إلخ).
ومن أبلغ ما قرأت مؤخراً عن الكساد الأمريكي Great Depression ومشروع الرئيس فرانكلين دي روزفلت الاسعافي New Deal (الصفقة التاريخية)، ما جاء هذا الأسبوع في مجلة ( Foreign Affairs) الأمريكية، عدد يناير / فبراير 2021، بعنوان (قرارات دقيقة لأزمان عصيبة Desperate Times, Desperate Measures; Lessons of the New Deal )
للبروفيسير ميق جاكوبز بجامعة برنستون، إذ قال:

[ عندما أدي روزفلت القسم رئيسا جديداً (ديمقراطياً) في مارس 1933 كانت الصورة شديدة القتامة في المشهد الأمريكي:

قبل بضعة أيام، ورئاسة هيربرت هوفر تلفظ آخر أنفاسها، شهدت واشنطن مسيرة سلمية للضباط والجنود المعاشيين الذين شاركوا في الحرب الكونية الأولى، مطالبين باستحقاقاتهم، ولقد تعاملت قوات الأمن معهم بوحشية وعنف مفرط، مستخدمة الغاز والعصي والذخيرة الحية، مما أدى لموت إثنين من المتظاهرين. (ألا يذكّرك ذلك بما يحدث في السودان؟)
أناخ الفقر المدقع على المجتمع الأمريكي، إذ فقد ربع العاملين وظائفهم، وتم تخفيض رواتب ملايين الموظفين والعمال، وطرد مئات الآلاف من منازلهم لعجزهم عن دفع الأقساط والإيجارات والفواتير، فباتوا مشردين في العراء والصقيع.
تفشت الأمراض، خاصة وسط السود، مثل سوء التغذية وداء الصدر.
استشري العنف المنفلت بالأسلحة النارية، وكان معظم المستهدفين هم السود والنشطاء النقابيين، (وكانت تلك أيام تحريم بيع الخمور The Prohibition وما نتج عنه من بيعها سراً “bootlegging أي البرشوت” وظهور العصابات المنظمة مثل أل كابوني.)
ولقد ركز برنامج روزفلت على إجتراح المشاريع التنموية خاصة في الريف، وتوزيع الثروة والسلطة بشكل عادل، مستخدما آليات عديدة لبلوغ أهدافه، بادئاً بتقديم المساعدات المباشرة للمهمشين والغارمين المنهارين تحت وطأة الديون، مثل أرباب المعاشات والعمال الزراعيين والمزارعين المحرومين من امتلاك الأرض وعمال المحالج والغزل والنسيج وعمال المناجم وغيرهم من الفقراء المطحونين الذين لا نصير ولا صوت لهم.
وكان أول عمل قام به روزفلت في أسبوعه الأول هو مخاطبته الشعب الأمريكي عبر الأثير من غرفته بالبيت البيض، طالبا منهم عدم سحب المدخرات من البنوك ليضعوها تحت لحافاتهم، مما أدي لإفلاس عشرات المصارف وانهيار سوق الأوراق المالية بوول ستريت؛ ولقد خاطبهم بسهل ممتنع وبصورة علمية مبسطة مقنعة، بروح أبوية وأخوية تنضح بالمشاعر الوطنية الدافئة الودودة، مما أوجد روحاً من المودة والتواصل والتفاهم rapport بينه وبين الجمهور الأمريكي عابرة للإنقسامات الحزبية والطبقية والعنصرية التي يعج بها المجتمع الأمريكي؛ وكانت استجابة الجماهير مذهلة وغير مسبوقة، إذ انصاع معظم أفراد الشعب لهذا الرجل القادم من خلفية أرستقراطية، ولكنه مفعم بحب العدالة والإنسانية والكارزمية الإيجابية واللعب النظيف، هذا الرجل الشامخ والمقنع الذي لم يفت في عضده أن نصفه الاسفل مشلول. وكانت تلك المخاطبة الإذاعية (ولاحقا التلفزيونية) من غرفة نومه معروفة باسم “دردشات المدفأة fireside chats”، واستمرت بشكل راتب طوال الأربع فترات التي كسب جولاتها الانتخابية – عام 33 و36 و40 و44 – إذ كان أول وآخر رئيس يحكم لأربع دورات، بعد أن تم تعديل الدستور من أجله، فحكم من 1933 حتى وفاته عام 1945 قبيل انتهاء الحرب الكونية الثانية ببضعة شهور.
وفي أول شهر لروزفلت بالبيت الأبيض وجد مئتان وخمسون ألف شاب عملاَ بالقطاع الزراعي، كما شرع على الفور في مشاريع البنية التحتية، خاصة بالغرب والجنوب، وفي زمن قياسي تم تمديد خطوط سكة حديد و650 ألف ميلاً من الطرق المسفلتة و800 مطاراً، ومئات السدود وأعمال المجاري والمدارس، مما وفر أكثر من عشرة ملايين وظيفة للفنيين والعمال، فشهدت فترة رئاسته الأولى إنجازات تنموية إعجازية. وركز روزفلت على كهربة الريف، (ولعل جمال عبد الناصر قد تأثر به في تشييده للشبكة الكهربائية المنطلقة من السد العالي لتعم الريف والبر المصري من أسوان للإسكندرية، وتأثر به كذلك في سحر الجماهير mezmerizing them بالتواصل المستمر معهم بلغتهم وبخطاب ينفذ للقلب مباشرة )، عاملاً على تحويل شركات الكهرباء إلى تعاونيات (350 تعاونية) كمزيد من إشراك الشعب في الثروة والسلطة، وللحد من الاستغلال الرأسمالي الذي كان سائداً في مثل هذه القطاعات.
ومن أهم إنجازات روزفلت منذ بدايته دمقرطة علاقات الإنتاج وتحرير العمال والفلاحين بمنحهم حق التنظيم والتعبير بما في ذلك الإضراب والتظاهر، مما وفر للعاملين مساحات مريحة في التفاوض و(مقالعة الحقوق) bargaining power، ولقد ساعده على ذلك الأغلبية المريحه لحزبه الديمقراطي في مجلسي الكنقرس طوال فترات حكمه الأربع. وكان روزفلت يقول للرأسماليين “إنكم حينما تنصفون عمالكم فإنكم أيضاً تساهمون بذلك في جعلهم قوة شرائية مضمونة لبضائعكم ومنتجاتكم التي أصابها البوار طوال سنوات الكساد”. ]

ولا شك أن الوضع الراهن في السودان يحتاج لشخص مثل فرانكلن روزفلت (أو قل جمال عبد الناصر)، مدرك لجذور الأزمة وله رؤية واضحة لإنقاذ بلاده ووضعها على طريق السلام والتنمية المستدامة، معتمداً على موارد بلاده. وبالمناسبة، شرع روزفلت في إنقاذ بلاده من ربقة الكساد، والأخذ بيدها نحو الاستقرار والتكافل والسلام الاجتماعي دون مد يده لجهة أجنبية. وفي الحقيقة فإن مؤسسات بريتون روبن، أي البنك الدولي وصندوق النقد العالمي، لم تظهر إلا بعيد رحيل روزفلت، فكان اعتماده على الذات وعلى تفجير طاقات الشعب وتوزيع الفرص بالتساوي بالقانون بين أفراد المجتمع، واعتمدت النهضة الجبارة التي تحققت في النصف الثاني من الثلاثينات على الموارد المحلية فقط، بعد إعادة توزيع مقاليد إدارتها بصورة عادلة. ولم تكن هنالك دولة أجنبية يتم التسول لديها أو الاستلاف منها، بل استطاعت الولايات المتحدة النهوض من الكساد، وفي خلال ست سنوات، بعد ضرب اليابان للقاعدة الأمريكية بيرل هاربر في ديسمبر 1941، استطاعت أن تهب كمارد عسكري خرافي جاهز لنجدة الدول الأوروبية – بريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفيتي – التى كادت دولتا المحور ألمانيا واليابان أن تهزمها شر هزيمة.
وربما يقول قائل إن الظروف مختلفة، والبيئة غير البيئة، وشتان بين دولة كالولايات المتحدة والسودان. ولكنا فقط نشير إلى مثل ومبادئ معينة تساهم في إنقاذ الدول من وهدتها – القيادة الوطنية الشجاعة والقادرة على اتخاذ القرار، والتي ترفع الحجب بينها وبين شعبها، وتشركه في المشورة الجماعية والتفاكر بشفافية كاملة، ولا تنحاز لطبقة دون أخرى، أو مجموعة إثنية أو دينية دون الآخريات. وقد يقول قائل بأنا أقرب للولايات المتحدة في مرحلة تٍأسيسها بعد خروج الاستعمار البريطاني واجتماع الآباء المؤسسين في فلادلفيا – بنسلفانيا عام 1776 لكتابة دستور الإتحاد الذي لا زالت الولايات المتحدة تعمل به حتى اليوم. فنحن لم نتفق على دستور قومي موسوم، ولم نحدد الفلسفة والمبادئ التي ستقوم عليها الدولة الجديدة بعد القضاء على نظام الإخوان المسلمين الفاشي منذ عامين تقريباً، كتلك التي ارتكز عليها الدستور الأمريكي:
الفصل بين السلطات (القضائية والتشريعية والتنفيذية)،
تداول السلطة (انتخابات رئاسية وبرلمانية مرة كل أربع سنوات).
قابلية المسؤولين للمساءلة والمحاكمة (eg impeachment).
الكوابح بين الأجهزة لكي لا تنفرد إحداها (checks and balances)
حرية الصحافة واستقلال القضاء وحرية التنظيم.

ولا زال الشجار محتدماً في الخرطوم بين فصائل الثوار أنفسهم، بين العلمانيين ممثلين في الحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو، وفي حركة عبد الواحد محمد نور، وبين باقي الفصائل التي لم تشف بعد من الدولة الثيوقراطية التي كتمت أنفاس الشعب لثلاثة عقود، والتي ما عادت تستطيع أن تتصور العيش في وطن متسامح ومتصالح مع نفسه وغير منحاز لدين دون آخر. وهذا التناقض الجوهري هو الذي يفسر عجز الحكومة الانتقالية بحاضنتها السياسية، وعدم مقدرتهم على التصدي بصورة ناجزة للمكون العسكري الذى يجسد النظام الثيوقراطي الآفل، وهو ليس بآفل تماماً – إذا نظرت للجيش الذى ما زالت قيادته تتألفىمن زبانية النظام الإسلاموي المدحور، وللأجهزة الأمنية ولقوات الشرطة، ولمجمل الجهاز الحكومي الذى ما زال في قبضة الثيوقرطيين الذين ثار الشارع ضدهم منذ ديسمبر 2018.
ويقول الثوريون المتفائلون إن الحكومة الانتقالية وحاضنتها السياسية، الحرية والتغيير، من رحم الثورة، وكفيلة بالسير بالسفينة وسط الأجواء المعتكرة حتى بر الأمان، ولكن الحقائق على الأرض تبعث على الخوف:
فالكلمة العليا دائماً للمكون العسكري الذي يملك فيتو على كل ما يجيء من الجهتين المذكورتين، والنتيجة هي التوقف عند محطات بداية الثورة، فلم يتم انجاز استحقاقات الثورة، مثل محاكمة رموز النظام والمسؤولين عن مجزرة فض الاعتصام وتكوين المجلس التشريعي.
لا زال الوضع الاقتصادي المتردي الذي تركه نظام البشير وراءه، لا زال ماثلا يل يزداد سوءاً يوماً بعد يوم بلا ضوء في آخر النفق.

لا نطمع في قيادة مثل فرانكلين روزفلت أو إبراهام لنكولن أو جمال أو جوزيف ستالين، ولكنا فقط نريد من القادة الذين أفرزتهم ثورة ديسمبر الشعبية أن يتركوا الهمس في الغرف المغلقة والثرثرة في الهواتف والظهور الإعلامي المكثف بلا طعم أو لون، أن يكونوا شفافين وأمناء مع شعبهم، وأن يصارحوه بما يدور خلف الكواليس وبالمؤامرات التي أحسوا أنها تحاك ضد شعبهم وثورتهم، أو كما قال عمر القير البارحة فلتتحدث الحكومة وحاضنتها مع شعبهم بلا تستر وشلليات ومؤامرات وغتغيت ودسديس. الباقي هين. والسلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..