أهم الأخبار والمقالات

كمال الجزولي: روزنامة الأسبوع ـ حِلِيْلْ مُوْسَى!

الإثنين

إنطلقت، بالإثنين 18 يناير، ندوة الذِّكرى السَّنويَّة السَّادسة والثَّلاثين لاستشهاد مَن زيَّن التَّاريخ الإسلامي بأعظم ما في تجسيد المعارف على منصَّة الإعدام، في مواجهة القضاة السَّفلة، والعلماء الزَّائفين الذين لا حصر للشَّواهد عليهم! فالنِّظام البائد، مثلاً، عندما أعلن «حالة الطَّوارئ»، أواخر فبراير 2019م، ليتمكَّن من تعليق الحقوق والحريَّات، وعلى رأسها حريَّة التَّعبير، سارعت «هيئة علماء السُّودان» للإفتاء، دون حياء، بأن في «الطَّوارئ مصلحة للبلاد وحماية لها من الفوضى!»، ولذا «فالطَّاعة لولىِّ الأمر واجبة، ومخالفة أوامره فتنة!» (إس إم سي، 1 مارس 2019م). لم تكن تلك «الفتوى» جديدة على «الهيئة»، ففقد سبق لها، في مؤتمرها عام 2016م، أن «حرَّمت الخروج على الحاكم، وأوجبت الطاعة لوليِّ الأمر» (موقع «السُّودان اليوم»؛ 10 نوفمبر 2016م)، متغافلة، في التَّاريخين، عن أن وليّّ الأمر (نظام البشير) مغتصبٌ للسُّلطة، بالمخالفة للفقه السُّنِّي الذي يعتبر الحُكم بالغلبة استبداداً تنبغي معارضته، وهو مذهب السَّلف الأوَّل من كبار الصَّحابة والتَّابعين، كعلي، وعائشة، والحسين، وطلحة، وغيرهم (رض).

وكيما نحسن تقدير المنحى «السِّياسوي» لهؤلاء «العلماء» الذين لا يهمُّهم «الدِّين» في كثير أو قليل، بل يستهدفون، أساساً، تحقيق أغراض «سياسيَّة»، أكبرها موالاة السُّلطان وتكفير معارضيه، تجدر ملاحظة اتِّخاذهم، مثلاً، موقفاً «دينيَّاً»، في 31 يناير 2013م، ضدَّ عضو «هيئتهم» يوسف الكودة، رئيس «حزب الوسط الإسلامي»، لتوقيعه، بكمبالا، في 30 ديسمبر 2012م، وثيقة «الفجر الجَّديد»، مع المعارضة «السِّياسيَّة» لنظام البشير، فأفتت «الهيئة»، فوراً، بخروجهم، أجمعين، وهو معهم، مِن «من الملة والدِّين!» (سونا؛ 1 فبراير 2013م)، علماً بأنها التزمت الصَّمت إزاء تقرير المراجع العام، وقتها، عن تجاوزات ديوان الزَّكاة، كـ «صرف حوافز العاملين عليها من مصرف الفقراء والمساكين!» (الإنتباهة؛ 3 يناير 2013م). وللمزيد من الكشف عن هذه «السِّياسويَّة» المخبوءة تجدر العودة إلى نار الشِّقاق التي أشعلها أولئك العلماء، أواخر مايو 2003م، ودفعوا بها إلى حدود «التَّكفير»، بسبب مفهوم «العاصمة القوميَّة» في «إعلان القاهرة» الذي وقَّعه، آنذاك، المهدي والمرغني وقرنق، بالإضافة إلى النَّار الأخرى الأشدِّ ضراوة، والتي أوقدوها، خلال الشَّهرين التَّاليين، حين نشطوا فى إصدار فتوى «تكفِّر»، بالجُّملة، و«تهدر» دم مثقَّفين تسمِّيهم «معتنقي الدِّيموقراطيَّة والاشتراكيَّة والموالين للنَّصارى»! بل و«تكفِّر» تنظيماً طلابيَّاً بأكمله هو «الجَّبهة الدِّيموقراطيَّة»! كما تخصِّص جَّوائز لمن يأتيها برأس أيٍّ من «المستهدَفين»، من مفكِّرين، وأكاديميِّين، وكتَّاب، وشُعراء، وصحفيِّين، ومحامين، وقضاة، ومعارضين سياسيِّين، بواقع مليون دينار للرَّأس (ما يساوي، حينها، أقل من أربعة ألف دولار!) لمجرَّد أنهم لا يرون ما يرى التَّنظيم السِّياسي الحاكم، والذي تنتمي إليه «الهيئة»!

ولو أن تلك «الجَّردة» ما جاءت من فوق مناخ العنف المتصاعد منذ مطالع تسعينات القرن المنصرم، مِمَّا نتج عنه اغتيال الفنَّان خوجلي عثمان، وجرح زميله الفنَّان عبد القادر سالم، وحصد أرواح مصلين بمساجد العاصمة وغيرها، لأمكن اعتبارها «فرقعات» فارغة! أمَّا والشَّواهد ماثلة تحدِّث عن نفسها، فإن من سوء التَّدبير الاستخفاف بتلك الفتاوى، فثمَّة مجرمون مستعدُّون، دائماً، للقتل «من أجل حفنة دولارات!»، ومجانين يتوهَّمون القرب من الله زلفى بإزهاق الأرواح! وذلك ما حدا بزهاء الخمسمائة مفكر، وأديب، وفنَّان، وصحفي، لتوجيه مذكِّرة إلى رأس الدَّولة، بتاريخ 21 يوليو 2003م، يُطالبون، فقط، بضمان سلامتهم، وحماية أرواحهم! وفي اليوم التَّالي التقى رأس النِّظام بوفد من «الهيئة»، ونصح لهم «بالتَّوسُّط في الطرح، والابتعاد عن التَّطرُّف» (الرَّأى العام؛ 23 يوليو 2003م). ومع أن ذلك لم يكن كافياً لمواجهة تهديدات بذلك الحجم، إلا أنه أكَّد أن جمر القلق يومض، أيضاً، على الضِّفَّة الأخرى، إلى حدِّ الإيغال في المغالطة! ففي نفس اللقاء أكَّد الأمين العام لـ «الهيئة» أنهم «يتوسَّطون» في طرحهم الدِّيني، و«يعارضون» التَّطرُّف (المصدر). كما أكَّد عضو «الهيئة»، وزير الارشاد والأوقاف السَّابق، أن «الهيئة .. تعلم أن (تكفير) المسلم جريمة دينيَّة»! أمَّا «الهيئة» نفسها فقد أكَّدت، في البيان الختامي لمؤتمرها الثَّاني، أن العلماء «مشهود!» لهم بأنهم «أبعد النَّاس عن مجازفة التَّكفير واتِّهام النِّيَّات» (الحياة؛ 27 يوليو 2003م). على أن التَّاريخ ظلَّ يتكفَّل دائماً بفضح زيف هذه الإدِّعاءات، ومن نماذج ذلك:

(1) أن على عثمان طه، نائب التُّرابى سابقاً، ونائب البشير لاحقاً، صرَّح، خلال مخاطبته لطلاب جامعة الخرطوم، مساء 15 فبراير 2000م، بأن «الحكومة لا تمانع في الحوار حول فصل الدِّين عن الدَّولة، إذا كانت هذه القضيَّة تهدِّد وحدة السُّودان»! وفي 19 فبراير 2000م نفت رئاسة الجُّمهوريَّة صدور ذلك التَّصريح (!) إلا أن التُّرابي، أمين الحزب الحاكم، وقتها، سارع إلى تأكيد صدوره، معتبراً إيَّاه «كفراً ببعض الكتاب وإيماناً ببعضه!» (الصَّحافة؛ 21 فبراير 2000م).

(2) أن حزب التُّرابي نفسه «المؤتمر الشَّعبي» ما لبث أن أبرم ، بعد إخراجه من السُّلطة، مذكرة تفاهم مع حركة قرنق، بجنيف، في 19 فبراير 2001م، حيث «أدان»  النَّهج الانقلابي الشُّمولي (!) وانتهاكات حقوق الانسان (!) وعدم الاعتراف بالتَّعدُّد (!) ونادى بإلغاء القوانين المقيِّدة للحريَّات (!) وبإطلاق سراح المعتقلين (!) وبضرورة التَّوصُّل لاتِّفاق سلام عادل (!) ووحـدة طوعيَّة (!) وديموقراطيَّة تضمن التَّداول «السِّلمي» للسُّلطة (!) وتمنع التَّمييز بين المواطنين على أساس الدِّين، أو الثَّقافة، أو العرق، أو النَّوع، أو الإقليم .. الخ!

(3) أن «الهيئة» أصدرت بياناً بتاريخ 22 فبراير 2001م أدانت فيه المذكِّرة (!) واعتبرتها «فتنة، وبغياً، ومهدِّداً للشَّريعة» (!) وخلصت إلى وجوب «استتابة التُّرابي، حتَّى يثوب إلى أمر الله، وأمر السُّلطان، عمَّا اكتسبه من إثم!» (الصحافة؛ 23 فبراير 2001م).

(4) أن «المجلس الأعلى للحجِّ والدَّعوة والأوقاف»، وصف التُّرابي، فى السِّياق، «بالخروج عن الملَّة» (!) و«موالاة الكفَّار» (!) ودعا الدَّولة «لاتِّخاذ إجراءات قويَّة لردعه!» (المصدر نفسه).

(5) أن التُّرابي أيَّد «طالبان»، خلال حرب أمريكا على أفغانستان، فأصدر «جماعة من العلماء!» بياناً، بعد ذلك بشهور، وقَّعه محمد عبد الكريم، وعبد الحي يوسف، وأبو نارو، وآخرين، هاجموا فيه التُّرابي وحزبه الذين «لا يَّتخذون دين الله وشرعه دليلاً (!) ويبغونه عوجاً (!) ويريدون أن يتَّخذوا بين الكفر والإسلام سبيلاً» (!) داعين للتَّبرُّؤ من «هرطقة وإلحاد التُّرابي» (!) ونصـحوا بـ «الحــذر الحــذر من اتِّباع كلِّ ناعق (!) والميل نحـو كلِّ مارق (!) فإنَّما يهـدم الاسـلام جـدال المنافق بالكـتاب (!) .. والحـقُّ أبلج لا يتِّبعـه إلا مهـتد مفـلح، كـما الباطل لجلج لا ينصره إلا ضالٌّ مخسر (!) واعتزال المسلم للباطل خير من تكثير سواده (!) والبراءة من أهله في الدُّنيا أحرى من الملاعنة في يوم معاده (!) .. فالنَّجاء النَّجاء لمن أراد الله والدار الآخرة»!

أما إذا عدنا مع التَّاريخ إلى الوراء أكثر، فإن الشَّواهد لا حصر لها على زيف ادِّعاء  «الهيئة» بأن «العلماء أبعد النَّاس عن مجازفة (التَّكفير!) واتِّهام النِّيَّات»، ومن هذه الشَّواهد:

(1) أن أولئك «العلماء» هم مَن «كفَّروا» الإمام المهدي لموقفه مِن الاستعمار الُّتركي، أواخر القرن التَّاسع عشر، حتَّى لقد وصفهم بـ «علماء السُّوء»!

(2) ولمَّا تولى الخليفة الحكم، انقلبوا «يكفَّرون» بعض الأمراء الذين عارضوه!

(3) ثمَّ «كفَّروا»، مطالع القرن العشرين، الشَّيخ علي ود عبد الكريم وغيره من «فكيا» الخلاوي، مِمَّن شنُّوا «حركات النَّبي عيسى»، كشكل أوَّلي لمقاومة الاستعمار، وذلك بأمر الإدارة البريطانيَّة التي توجَّست من قدرتهم على تهييج الجَّماهير!

(4) وبنفس القدر «كفَّروا» محمود محمَّد طه مرَّتين، بفرية الرِّدة، مرَّة في أواسط ذلك القرن، ومرَّة أخرى عندما ناوأ موقف النِّميرى من المهمَّشين عام 1985م، فتخلص منه بإعدامه!

(5) وهاهم نفس «العلماء» يسعون إلى «تكفير» القرَّاي، المدير العامِّ للمناهج، وإهدار دمه، متحجِّجين بلوحة لمايكل أنجلو أراد منها التَّعريف بـ «عصر النَّهضة»!

(6) ولا نضع النُّقطة في نهاية سطر هذه النَّماذج والشُّواهد قبل أن نورد البيان/ الفضيحة الذي تحفظه الذَّاكرة الأرشيفيَّة، والذي أصدره أولئك «العلماء» عام 1970م، إبان معركة «الجَّزيرة أبا» بين نظام «مايو» اليسـاري، آنذاك، وبين تحالف «الأنصار» و«الأخوان المسلمون» وغيرهم، حيث وصفوها بـ «الفتنة المتدثِّرة بثوب الإسلام» (!) ووصفوا مبادئ «مايو» بـأنها «لا تخرج عن مبادئ الإسـلام (!) التي تقـوم على العدل، والإحسـان، ومحاربة الظلم، والفساد (!) لذلك فإن الوقوف بجانبها واجب ديني (!) قبل أن يكون واجباً وطنيَّاً (!) والخروج عليها خروج على أمر الله (!) ومخالفة صريحة لأهداف ومبادئ الإسلام!» (الأيَّام؛ 3 أبريل 1970م).

 

الثُّلاثاء

أثيوبيا «حبيبة» إلى النَّفس! لكن حتَّى الحبيبة تحتاج، أحياناً، إلى التذكير بالحقوق، بصرف النَّظر عمَّن احتلَّ «الفشقة»، لأكثر من ربع قرن، جيش أثيوبيا أم جيش التيقراي، فالتيقراي، على أيَّة حال، ليسوا جزءاً من سكسونيا السُّفلى! وعلى كلٍّ فالحمد لله أن كلمة المحبَّة قد مضت في الأمر، وستمضي أكثر عبر «المفاوضات» الوديَّة التي اقترحها الأشقَّاء، بعد اعترافهم بأن «هذه الأرض لنا»!

أمّا مصر فتحتاج، لا إلى تنوير الكبَّاشي لها بالموقف على حدودنا الشَّرقيَّة، فليس ذلك بعض شأنها، وإنَّما تحتاج لأن «نذكِّرها» بما كان ذكَّرها به التِّجاني، وروحه لمَّا تزل معلَّقة بحبِّها: «وَثِّقِي مِنْ عَلائِقِ الأَدَبِ البَاقِي/ ولَا تَحْفَلِي بِأَشْيَاءَ أُخْرَى»! والأهمُّ ألَّا تركن للمغالطات التَّاريخيَّة والجُّغرافيَّة، بل أن تعي، جيِّداً، أن «مثلَّث حلايب» لن يبرح قلب الوطن، وذاكرته، طال الزَّمن أم قصُر!

 

الأربعاء

قالت عليزا بن نون، نائبة المدير العام للشُّؤون الأفريقيَّة بالخارجيَّة الإسرائيليَّة، إنهم  يتطلَّعون إلى علاقات «دافئة» مع السُّودان .. فلكأن السُّودان تنقصه «سخانة»!

الخميس

رحل موسى .. رحل والوطن يحتفل بالذِّكرى الثانية والخمسين لثورة أكتوبر المجيدة. رحل ولمَّا يزل يتردَّد في قلب الوطن، وأسماعه، صدى «الملحمة»، فقد أهداه، عبرها، رحيق موهبته، وعلمه، وعصارة فكره الموسيقي، فأجمع المتخصِّصون على أنها ما كانت لتكون لولا جهده الإبداعي. ومع ذلك لم يكن جزاؤه، للأسف، غير نصل حادٍّ غاص في أعماقه تجاهلاً، وإهمالاً، وتناسياً، وظلماً، وعدمَ وفاءٍ، وهضمَ حقوقٍ، و .. غفر الله لمن تولَّوا كبر ذلك، بمن فيهم مَن لم تكن لتُتوقَّع مشاركته، ما جعل موسى متيقِّناً مِن أن أحداً لن يعترف بفضله، لا في حياته، ولا بعد موته!

عازفة الفلوت سوميا صلاح عبد الحي تعزف الموسيقى في استوديو في كلية الموسيقى والدراما في جامعة السودان في الخرطوم، السودان 14 مارس 2020. صورة التقطت في 14 مارس 2020. رويترز/محمد نور الدين عبد الله
عازفة الفلوت سوميا صلاح عبد الحي تعزف الموسيقى في استوديو في كلية الموسيقى والدراما في جامعة السودان في الخرطوم، السودان 14 مارس 2020. صورة التقطت في 14 مارس 2020. رويترز/محمد نور الدين عبد الله

أكثر من وثَّق لتاريخه، وسيرته، ومسيرته، طارق علي الدُّخري، ضمن كتابه القيِّم «الموسيقى العسكريَّة السُّودانيَّة». ولد موسى بديم التَّعايشة، في 1933م، لأب دارفوري من موسيقيي الجيش عمل، بعد تقاعده، ضمن موسيقى البوليس، قبل أن تنقله ظروف العمل، مع أسرته، إلى الفاشر، حيث التحق موسى بالخلوة. ولمَّا عادوا إلى الخرطوم، التحق موسى بالمدرسة الأوليَّة التي تصادف وجودها إلى الجِّوار من مدرسة موسيقى الجّيش، فشغف بها، وانضمَّ إليها عام 1943م، برتبة «نُص تعيِّين»، ليترفَّع، بعد ستِّ سنوات، إلى نفر. وبفضل أساتذة إنجليز وأغاريق، أجاد النُّوتة الموسيقيَّة، كما أجاد العزف، علميَّاً، على البيكلو، والفلوت، والبيانو، والأوكورديون.

في 1951م، لدى إضراب الفنَّانين الشَّهير، أتيح لموسى الالتحاق بأوركسترا الإذاعة، ضمن الموسيقيِّين العسكريِّين الذين اختارهم الصُّول أحمد مرجان، لسدِّ الفراغ. وبانتهاء الإضراب، كانت نشأت لموسى صداقات مع كثير من الفنَّانين والعازفين المدنيِّين، وعلى رأسهم الماحي اسماعيل الذي كان أوَّل مدير لمعهد الموسيقى والمسرح، نواة الكليَّة الحاليَّة. ولمَّا تخلف الأساتذة الكوريِّون عن الحضور، وكان الماحي يخطط لتوليتهم، في 1970م، أوَّل عام دراسي، لجأ لانتداب موسيقيِّين عسكريِّين كان موسى من بينهم، لتدريس الدفعة الأولى، وفيها عثمان مصطفى، وعلي ميرغني، وأنس العاقب، والماحي سليمان، وآخرون.

قبل ذلك انتُدب موسى، عام 1960م، لكورس متقدِّم في قيادة الأوركسترا، والتَّوزيع، والتَّدوين الموسيقي، بإدارة الموسيقات العسكريَّة بمصر، حيث  تخرَّج بدرجة الامتياز. وعند فصل سلاح الموسيقى، عام 1969م، كوحدة قائمة بذاتها، ابتُعث إلى الكليَّة الحربيَّة، وتخرَّج منها برتبة الملازم. بعدها اختير لرئاسة قسم الموسيقى بالإذاعة، حتَّى 1976م، خلفاً لبرعي محمَّد دفع الله الذي نُقل مسؤولاَّ عن شؤون الطلاب بالمعهد.

شارك موسى في طابور الجَّلاء بحوش الخليفة، وشارك، في نوفمبر 1955م، في وداع الفوج الأخير من القوَّات الإنجليزيَّة بمحطَّة السِّكَّة حديد بالخرطوم. وكان له، في الأوَّل من يناير 1956م، شرف المشاركة في طابور إنزال علمي بريطانيا ومصر، ورفع علم السُّودان.

أمَّا بالنِّسبة لإبداعه الشَّخصي فإن لموسى عشرات المقطوعات والأعمال اللحنيَّة بمكتبة الإذاعة، كـ «ماضي الذِّكريات» و«افتكرت الشُّوق» لعثمان مصطفى؛ و«كفاية كفاية» و«تعتذر بعد إيه» لأبو داؤود؛  و«خاتم المنى» للبلابل، وغيرها؛ بالإضافة لاجتراح وتنفيذ الأفكار الموسيقيَّة لبعض الأغنيات الشَّهيرة، كـ «ذات الشَّامة» لوردي؛ و«الوسيم» لأحمد المصطفى التي اعتُبر  الصُّولو الشهير الذي عزفه فيها، بالبيكلو، فتحاً هائلاً جعل صبية الخمسينات يتبارون في اقتناء صفَّارات «الصَّفيح» و«الأبنوس»، ليقلدوه من شارع لشارع! ورافق موسى قرابة المائة فنَّان في تسجيلاتهم، كالكاشف، وعبد الحميد يوسف، وعثمان حسين، وأحمد المصطفى، وإبراهيم عوض، ووردي، وكابلي، وأبو عركي، ومحمَّد الأمين، وزيدان، كما زامل عشرات العازفين الأشهر، وفي مقدِّمتهم برعي، وعلاء ، وعربي، ومحمَّديَّة، والسَّنجك، وخوَّاض، وأكرد، وبريس، والحاوي، وجوهر، والإيطالي مايسترلي، والمصري مصطفى كامل، داخل السُّودان، كما في البعثات الخارجيَّة، رسميَّة وغير رسميَّة.

وأمَّا بالنِّسبة لنشيد «الملحمة»، والذي لطالما اعتُبر نَّشيد أكتوبر الأكبر، فقد كان لموسى، كما أشرنا، نصيب الأسد في نجاحه التَّاريخي، بتدوينه، وتوزيعه، وتنفيذه، علميَّاً، وإشراك الآلات النحاسيَّة فيه، بعازفيها العسكريِّين، لأوَّل مرَّة، فضلاً عن اختيار الأصوات الفرديَّة والكوراليَّة المشاركة في الإنشاد؛ كما كان المايسترو المحترف الذي قاد أوركستراه وكوراله. مع كلِّ ذلك تجاهلته بقسوة، ولم تنوِّه بدوره، جميع الهيئات الرَّسميَّة والأهليَّة التي احتفت بالنَّشيد، مِمَّا حزَّ في نفسه عميقاً، وأورثه ألماً يفوق طاقته على الاحتمال!

من جهة أخرى، ضغثاً على إبالة، فرغم أن موسى سلخ زهاء 34 سنة في خدمة قوَّة دفاع السُّودان، ثمَّ الجيش الوطني، فضلاً عن المؤسَّسات الإعلاميَّة والأكاديميَّة، فلا الدَّولة اهتمَّت بتكريمه، ولا المؤسَّسة العسكريَّة التفتت، على الأقل، إلى ترفيعه، ولو برتبة واحدة من مستوى الملازم (!) ولعلَّ لذلك، حسب الهمس الشَّائع، علاقة بأزمة «شخصيَّة!» نشبت بينه وبين أحد كبار القادة، فما كان من الأخير إلا أن استقصده، مرَّة بمنعه، «رسميَّاً!» من عزف ذلك الصُّولو الشَّهير في حفلات أحمد المصطفى المشاهدة، مِمَّا اضطرَّه للمشاركة بعزفه من خلف ستار وُضع بينه وبين الأوركسترا (!) ومرَّةً أخرى بإصدار ذلك القائد أمره بأن يوضع في كشف المشاهرة، أو يُحال للتَّقاعد! فتأمَّل حال الدَّولة حين تخضع لتَّقديرات الأفراد، ويتحكَّم فيها المزاج الشَّخصي!

للأسف، إنتهى كلُّ ذلك بموسى للخروج من الخدمة كلها، عسكريَّة ومدنيَّة، بل ومن السُّودان ذاته، مغترباً يخدم فرق الموسيقى العسكريَّة الإماراتيَّة، زهاء نصف قرن، لم يعد خلاله، أو حتَّى تحدِّثه نفسه بالعودة، إلا مرَّات قليلة! وظلَّت دواخله تنزف، وهو يتلقى خبري وفاة إبنته وإبنه، تباعاً، في السُّودان، دون أن يمكِّنه المرض وتقدُّم السِّن، من المجئ لتلقي العزاء فيهما، من أمريكا التي ذهب إليها مستشفياً! وأذكر أننا، بعض أصدقائه وعارفي فضله، حاولنا، ذات عودة له، لأيام قليلة، قبل سنوات من الثَّورة، أن نستصدر قراراً من بعض المفاصل الثَّقافيَّة في الدَّولة، بتكريمه على نحو أو آخر، فلم يؤازر مسعانا، للحقيقة والتَّاريخ، سوى علي شمُّو، لكن مسعانا، مع ذلك، خاب!

أخيراً، شقَّ عليَّ، بالأربعاء التَّاسع من ديسمبر 2020م، نعي موسى محمَّد إبراهيم، هذا الإنسان الطيِّب، والموسيقار الجَّميل، والأخ العزيز، والصَّديق الحبيب، يرحل غريباً، وحده، في بلد غريب، جعل الله قبره روضة من رياض الجَّنَّة، وأسكنه مع المقرَّبين إليه، المرضي عنهم منه، وسقى ذكرَه بشآبيب رحمته، وغفرانه، ورضوانه، وألهم ذويه، وتلاميذه، وأصدقائه، وجيرانه، الصَّبر على رحيله، ومنَّ على حكومة الثَّورة بقدر من الوفاء والحكمة يفتح بصيرتها على تكريمه ميتاً، بعد أن تقاعس النِّظام البائد، بلؤم بائن، عن تكريمه حيَّاً!

 

الجُّمعة

قال الجنرال المتقاعد لويد أوستن مرشح الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن لوزارة الدفاع، خلال مناقشة مجلس الشيوخ لترشيحه، إنه «سيعمل على تطهير صفوف الجَّيش من العنصريِّين والمتطرفين». و .. ليتنا، نحن أيضاً، نفعل ذلك!

 

السَّبت

على أيَّام دراستنا بجامعة كييف، كانت بجوار مسكننا الطلابي بقالة كبيرة. وكان المشرف على قسم العصائر فيها شاب يهودي اسمه فولوديا، خفيف الظلِّ، خفيف الحركة، اعتدنا أن نشتري منه، لسنوات، عصير الطماطم الذي لم يكن سعر كوبه يتجاوز 10 كوبيكات، علماً بأن الروبل الواحد كان يساوي قرابة 100 كوبيكة، والمرتَّب الشَّهري للطالب الأجنبي 100 روبل!

كان العصير يأتي، مركَّزاً، من المصنع، في زجاجات مكترشة ضخمة الحجم، ثمَّ يُجهَّز للبيع في البقالة، بعد مزجه، في خلاط خاص، بنسبة معلومة من الماء النَّقي. وحدث أن تغيَّب فولوديا عن القسم، لأسابيع، فحسبته ذهب في إجازة، أو شئ من هذا القبيل. لكن، لمَّا تطاول غيابه، سألت عنه، ذات صباح، زميلة له في قسم مجاور، فأحسست بأنها توتُّرت، قبل أن تصدمني، همساً، بأنه قُبض عليه، عندما كشف المراجعون أنه كان يزيد نسبة الماء إلى مُركَّز العصير، ليسـتفيد من (ملاليـم!) الفـرق، فقُـدِّم إلى محكمـة قضت بإعدامه!

ومع شعوري العاصف بالأسف لفولوديا، لم أستطع ألا ألاحظ أن مثـل تلك الممارسـات كانت، بسـبب ذلك النَّوع من الرَّدع الصَّارم، شـبه معدومـة في ذلك البلد!

ذكَّرني بتلك الواقعة ما طالعته، صباح اليوم، من أخبار عن قانون التِّجارة الجَّديد الذي ما يزال في مرحلة الإجازة بمجلس الوزراء، والذي يحدِّد عقوبة السِّجن بخمس سنوات، مع جواز المصادرة، على  بعض المخالفات، كعدم وضع بطاقات الأسـعار على السِّـلع (الحداثة؛ 16 يناير 2021م).

وفكَّرت: غداً سيجيء السَّادة «الخبراء!» ليحدِّثونا عن قاعدة «التَّناسب بين الجريمة والعقاب»، دون أن يهمَّهم معيار «العدالة» لجهة معاناة النَّاس المعيشيَّة اليوميَّة، والتي، بسببها، بلغت الأرواح الحلاقيم!

 

الأحد

قال رجل من المعتزلة للمقرئ أبي عمرو بن العلاء البصري (ت261هـ) إن لفظ الجَّلالة في الآية الكريمة: «وكلم الله موسى تكليما» يُقرأ منصوباً؛ فردَّ عليه أبو عمرو، قائلاً: «هَبْ أنِّي قرأتها هكذا، فما قولك في قوله تعالى: «وكلمه ربه» .. فبُهت الرَّجل!

***

محتوى إعلاني

‫12 تعليقات

  1. شكرا لك دكتور كمال وجزاك الله خيرا احب اقرا لك كثيرا فانت قامة في الثقافة, الادب , التاريخ والقانون ربنا يحفظك

  2. شكرا أستاذ كمال الجزولي رائع دائما كما عودتنا و نتوقع منك المزيد المزيد متعك الله بالصحة والعافية.

  3. دائما راقي الطرح ،،، جزل الكلمة ،،، قوي الفكرة و الاسلوب ،،،، متعك الله بالعافية و طول العمر ،،،، شكرًا جزيلًا بلا حدود ،،،،

  4. يقول الكاتب:
    (فتأمَّل حال الدَّولة حين تخضع لتَّقديرات الأفراد، ويتحكَّم فيها المزاج الشَّخصي!)

    وماذا عن… (توفي اسماعيل الأزهري المدرس بالمدارس الثانوية)؟؟

  5. كلام جميل، لاستاذ جميل وخبير،والاهم موثق من مصادره،ربنا يقويك على الاستمرار، فالسودان يحتاج المزيد والمزيد.

  6. مافهمتا الجزئية الاخيرة بتاعت
    قال رجل من المعتزلة للمقرئ أبي عمرو بن العلاء البصري (ت261هـ) إن لفظ الجَّلالة في الآية الكريمة: «وكلم الله موسى تكليما» يُقرأ منصوباً؛ فردَّ عليه أبو عمرو، قائلاً: «هَبْ أنِّي قرأتها هكذا، فما قولك في قوله تعالى: «وكلمه ربه» .. فبُهت الرَّجل!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..