أخبار السودانحوارات

د. بتول مختار محمد طه تحكي ملامح من حياة الأستاذ محمود محمد طه في ذكرى استشهاده

حوار : زهرة عكاشة

  • صعد الاستاذ محمود منبر جامع ام درمان الكبير وهو يرتدى البدلة وقال للمصلين: (ساحدثكم عن الصلاة) !!
  • اصدر الاستاذ محمود صحيفة (الجمهورية) ورأس تحريرها لكنها توقفت سريعا لاسباب مالية
  • بنت اختى صاحت ذات مرة : (بتول ام الاستاذ) !!
  • اهدانى الاستاذ محمود ساعة وشمعدان وسيرمس شاى حينما نجحت ودخلت الوسطى
  • اسماء محمد طه من (ال محيسى) كانت اول بنت تلتزم الفكرة الجمهورية وتقيم حاليا بكالفورنيا
  • زرت الاستاذ محمود فى سجن كوبر قبل ساعات من الاعدام وهذا ما دار بيننا
  • كان الاستاذ محمود يقول انه نشأ يتيما صاحب قراره
  • عبد الخالق محجوب كان يزور الاستاذ محمود ويبحث معه الموائمة بين الماركسية والدين
  • لم اتوقع معجزة من السماء توقف تنفيذ الاعدام لان العارف بالله يسلم تماما للارادة الالهية ولا يعترض
  • منصور خالد وأبراهيم منعم منصور وعبد العزيز شدو كانوا يزورون الاستاذ محمود كثيرا
  • للأستاذ محمود جلبابين فقط حينما لا اجدهما فى الشنطة اعرف أنه أهدى واحدا ويلبس الثانى
  • كان طعامه الكسرة فقط ولا يأكل اللحم !
  • حمل طفلا صغيرا بينما كان يهم بالخروج وقال لي: (الجلباب النظيف فصلنى عن الحياة)

تُعد القيادية الجمهورية؛ الدكتورة بتول مختار محمد طه، من الشخصيات التي لازمت الأستاذ محمود محمد طه ــ عن قُرب ــ منذ يفاعاتها، وحتى تنفيذ حكم الإعدام الجائر عليه، بتهمة الردة فى 18 يناير 1985م، فهي بنت شقيقه الأصغر، والتي تربَّت في كنفه ــ بعد وفاة والدها وهي بعد طفلة غضَّة ــ علاوة على أنها كانت القيادية على الأخوات الجمهوريات، وعضو قيادي باللجنة التنفيذية لتنظيم الأخوان الجمهوريين. كل ذلك؛ أتاح لها معرفة بعض الجوانب من الحياة الشيِّقة التي عاشها الأستاذ محمود، ووثقتها في كتابها الموسوم “محمود الإنسان.. قراءة الأيام”. لدرجة أن وصفها أحد الباحثين؛ بأنها “حافظة أسرار الأستاذ محمود”. ومع إنها ذكرت في ــ مقدمة كتابها ذاك ــ أن حياة الأستاذ محمود؛ أعرض، وأعمق، من أن يُحيط بها أحد، أو تُجمع في كتابٍ. لكنَّا في “الديمقراطي”؛ وبمناسبة الذكرى الــ36 لاستشهاده، جلسنا إليها بمنزلها، في محاولة لمعرفة بعض من ملامح حياة ذلك الإنسان الفريد.

🔹 منذ متى بدأ التصاقك بالأستاذ محمود؟!

لازمت الأستاذ محمود محمد طه؛ بعد وفاة والدنا مختار، الشقيق الأصغر للأستاذ محمود محمد طه، في العام 1952م، عقب خروج الأستاذ من خلوته برفاعة 1951م ــ والتي امتدت لثلاث سنوات ــ بعد أن قضى عاميْن في السجن، بسبب مقاومته الاستعمار الإنجليزي. واستشعاراً لمسؤوليته تجاه أبناء أخيه؛ جاء بهم جميعاً من رفاعة إلى أم درمان، وكان حينها قد انضم للهيئة القومية للكهرباء، حيث عمل بها مهندساً، ولم يأخذ وقتاً ليتم توظيفه في الهيئة، فقد كانت البلد في ذلك الوقت محتاجة لعمالة متعلمة.
استأجر الأستاذ محمود؛ منزل الطيب القرشي ــ بحي الملازمين بأم درمان ــ لكن المنزل كان صغيراً، ومشيداً على الطراز الأوروبي، ويتكوَّن من غرفتيْن، وصالة مستديرة، ومطبخ صغير. إلى جانب “حيشان” كبيرة جداً. لكن المساحة المبنية؛ لا تسمح بلم شمل كل الأسرة، فقرر الانتقال إلى منزل آخر يسع الجميع. فأجر منزل توفيق السراج ــ بحي بيت المال ــ بالقرب من سوق “أم سِويقُو”، وأدخل كل أبناء، وبنات الأسرة الصغار إلى المدارس، وذهبت أنا إلى روضة نفيسة أحمد القاضي “السور” بالملازمين .
مكثنا في منزل بيت المال؛ حتى سنة 1964م، وكان الأستاذ يقوم بتشييد منزل الثورة. لكن؛ حقيقة تعثَّر التشييد لعدم وجود المال الكافي، وكانت الأمطار تهدم جزءاً منه، ليُعاد تشييده مرة أخرى، لأنه بُني من “الجالوص”. كان الأستاذ ــ وقتها ــ يعمل مهندساً بالمشاريع الزراعية، جنوب النيل الأبيض “عمل خاص”. وبعد مدة؛ تمكَّن من إتمام المنزل، ورحلنا فيه.

🔹 حينما انتقلت وأسرتك الصغيرة للعيش في كنف الأستاذ محمود.. هل كنتِ على دراية بما يحدث حولك؟!

حينها؛ لم أكن أدري ماذا يفعل الأستاذ، لكنني كنت معجبة جداً بصبره، فقد كان المنزل يعج بالزوَّار والضيوف، ورغم انهماكه فى الكتابة، إلا أنه كان يستقبلهم بحفاوة، وكنت أجدهم جالسين قُربه، وهو غارق في كتابته. وبعد أيام؛ خرج كتاب “الإسلام”.

كذلك؛ كانت هناك مكتبة بها قليل من الكتب، إضافة إلى الصحف السودانية والأجنبية. فقد كان للأستاذ محمود نشاطاً كبيراً؛ عبر كتابة المقالات، والمساجلات الفكرية، والسياسية بالصحف. لكننا فقدنا الكثير منها ــ أيام المحكمة ــ نتيجة التفتيش المستمر، والسرقة التي تعرض لها المنزل، من أجهزة نظام نميرى الأمنية. لكن؛ كان هناك أعداد كثيرة من صحيفتي الشعب والجمهورية، والأخيرة كانت لسان حال الحزب الجمهوري، ورأس تحريرها الأستاذ محمود نفسه، إلا أنها لم تستمر طويلاً لأسباب مالية. وعند اطلاعي على هذه المقالات ــ لاحقاً ــ وجدت أنها المجموعة التي صدرت في كتابي “رسائل ومقالات” ــ الأول والثاني.

🔹 هل كان الأستاذ محمود مجرد عم بالنسبة لك؟!

كنت أشعر؛ أن لدي شيئاً من جدته لأمه “زينب بت حمزة”، ووالدته “فاطمة بت محمود”. وكان يلازمني دائماً؛ شعور أنني والدة الأستاذ، وهو شعور غريب جداً. وأذكر أن ابنة أختي “فاطمة حسن يس”؛ كانت صغيرة، وتراني دائمة الحركة من وإلى الأستاذ، وكانت تُراقب حركتي من على النافذة، ولدى عودتي ــ في إحدى المرات ــ صارت تُردِّد بصوت مرتفع “بتول أم الأستاذ.. بتول أم الأستاذ”، فكان إحساساً عجيباً.

🔹 متى بدأت ملازمتك اللصيقة له؟!

لا أذكر بالتحديد متى بدأت؛ لكن أظن أنها كانت في الخمسينيات. أذكر أنني كنت أجلس إليه؛ وهو يستمع لاذاعة الـ”بي بي سي”، فقد كانت إذاعته المفضلة، وكنت حينها في المرحلة الإبتدائية. وفي المرحلة المتوسطة؛ زاد اهتمامه بي، لاسيما وأنني كنت دائماً أطلع الأولى على الفصل، وكان يعتقد أنني سأصبح إنساناً نافعاً في المستقبل.
وعندما لم يحالفني الحظ ــ في إحدى سنوات المرحلة المتوسطة ــ وجاء ترتيبي الـ”16” في الصف؛ لم يوبخني، بل وبَّخ بقية أبناء وبنات الأسرة. وقال لهم: “انتو الأثَّرتُو على بتول وخليتوها اتأخرت”. وعندما نجحت في امتحانات الشهادة؛ أهداني “ساعة، وشمعدان، وسيرمس شاي”. فعل ذلك؛ لأنه يعلم أن الهدايا تترك أثراً جيداً لدى الأطفال. ومنذ ذلك الوقت؛ تعوَّدت على وجودي معه باستمرار. وعند إصابته بالملاريا؛ كنت أُلازمه لخدمته، فقد حرص أن يجعلني الوسيط بينه وسيدات المنزل. فهو قصد؛ أن يُخفف عليهم الأعباء، ورفع عنهم أمر خدمته. أظن أنها كانت سياسة منه في رعاية الأسرة؛ وسياسة في الحياد، وأصبحت أنا الشخص الذي إن أصاب فهو جيد وإن أخطأ يُوبَّخ.. لكن الآخرين لا.
وعندما وصلت المرحلة الثانوية؛ صرت مسؤولة من المنزل، استلم منه المصاريف يومياً. وأمي “الرَبِّ جُود”؛ مربية الأستاذ، هي من تُدير شؤون المنزل الأخرى.. تقوم بالتسوق، وأعمال الطبخ. كنت وثيقة الصلة بالأستاذ؛ حتى إنه قال ــ ذات يوم: “بتول دي الزول الوحيدة البشاكلها وبتجيني”. ويزداد الارتباط مع كل فجر جديد؛ إلى أن التزمت الفكرة الجمهورية.

🔹 هل كنت أول البنات التزاماً بالفكرة الجمهورية؟!

سبقتني الأخت أسماء محمد طه؛ في الالتزام بالفكرة، وهي من أسرة “محيسي”، وتُقيم ــ حالياً ــ بولاية كاليفورنيا بأمريكا. وعندما جئت أنا؛ ذهبت هي، ولا أدري السبب!! ربما انشغالها بحياتها كان وراء ذلك. أنا لا أعرف بالضبط؛ متى التزمت الفكرة الجمهورية، لأنها بدأت عندي في اللاوعي، ثم ظهرت ــ لاحقاً ــ في وعيي. ومنذ ذلك الحين؛ أصبحت ملازمة للأستاذ محمود أكثر من الأول، ولم أفارقه أبداً. وحتى أثناء فترة حبسه ــ في محكمة الردة الثانية ــ كنت أذهب يومياً لزيارته، وكانت آخر زياراتي له؛ عصر الخميس 17 يناير 1985م.

🔹 ما هو تأثير اليُتم المبكِّر للأستاذ محمود على مسار حياته؟!

توفيت والدته “فاطمة بنت محمود” في العام 1915م؛ وهو طفل لم يتجاوز الــ5 أو الــ6 سنوات، ولا يتذكَّرها نهائياً. وكل معرفته بها؛ كانت عبر صديقاتها. وبعد خمس سنوات ــ من وفاتها ــ لحق بها والده. لذلك عندما سأله صُحفي عن حياته قال له: “حياتي كلها يُتم”. وقال ــ في إحدى المرات: إن الإنسان عندما يكون يتيماً يمتلك حرية اتخاذ قراراته، فقد جرت العادة أن يتدخَّل الوالدان في قرارات الأبناء”. وكان دائماً يردد؛ أنه نشأ يتيماً صاحب قراره. وذكر ذات مرة؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتيماً، ولم يكن أمامه عقبة التنازل عن رأيه إرضاءً لوالديه بسبب العاطفة ودواعي الخوف. وأن هذه النشأة؛ كانت فرصته فيها كبيرة باتخاذ قراره، ولم يكسر أحد قراراً اتخذه.

🔹 أين عاش الأستاذ محمود طفولته الأولى؟!

ترجع أصول والدته “فاطمة بت محمود” إلى الشمالية؛ قرية مورة الركابية. جاءوا منها ليستقروا بـ”صفيتة”؛ وهي قرية صغيرة، قُرب مدينة الحصاحيصا. ومحمد طه ــ والد الأستاذ ــ التقى بها في منزل قريبها عبد الله الغول. تزوجها؛ وسكنت معه في منزلهم بـ”ديم لطفي”، أو “الديم الغربي” ــ كما كان يُسمَّى قبلاً ــ في مدينة رفاعة. وكان محمد طه؛ يذهب إلى “الهجيليج” ــ مكان زراعته. وبعد وفاة زوجته “فاطمة بت محمود”؛ أخذ أبناءه معه إلى هناك، ورافقتهم المربية، أمي “الرَبِّ جُود” لترعاهم. ثم توفي والدهم سنة 1920م. وعند وفاته؛ جاءت عمتهم “بت المكي”، وقررت إعادتهم إلى منزلهم برفاعة ليدخلوا المدرسة. وبالفعل انتقلوا من الهجيليج إلى رفاعة؛ وظل المنزل عامراً حتى العام 1960م؛ بآل صافي الدين، وهم أقرباء للأسرة.

🔹 حدثينا عن علاقته بأهل بيته؟!

تعلمنا من الأستاذ؛ كيف نحترم الكبار، خاصة من تربطنا بهم صلات عميقة. مثل مربيته أمي “الرَبِّ جُود”، فقد كان لا يقبل لأحد أن يناديها بغير”أمي رَبِّ جُود”، وهي المدير الفعلي للمنزل، وهي الوحيدة المخوَّل لها عقاب من يخطئ.

🔹 حديثنا عن مواقف تحكى صمامة الأستاذ محمود.. وكنت شاهدة عليها؟!

في محكمة الردة عام 1968م؛ كنا “متحمسين شديد”، وكان كل المنزل يتابع الموقف. حتى أن شقيقة الأستاذ محمود؛ عمتي “كلتوم” ــ ورغم عدم معرفتها بالقراءة الكتابة ــ إلا إنها كانت متابعة عن كثب، وتعرف الأخبار أولاً بأول. وفي ذلك الوقت؛ كتب الجمهوريون عدداً من المنشورات، تُهاجم محكمة الردة، وقد كتبت أنا أحد تلك المنشورات .
فشلت تلك المحكمة؛ في أن تُحضر الأستاذ أمامها، بعد أن رفض ذلك، وأبدى صلابة في موقفه ذاك، رغم الحملة الشرسة من أهل الهوس الديني، والطائفية ضده. فقد كان وعيه بالقانون واسعاً جداً. وكانت محكمة الأحوال الشخصية؛ والتي أنشأها الإنجليز سنة 1902م، للنفقة، والطلاق، وكان يُطلق عليها المحاكم “المِلِّيَّة” للمسلمين، والمسيحيين، واليهود، وأهل الملل الأخرى. ولما طُلب من الأستاذ؛ المثول أمام هذه المحكمة، رفض ولم يذهب. فقد كانت محكمة؛ ليست لديها بوليس، ولا مخوَّل لها إحضار الناس، وليست لديها صلاحيات التنفيذ. لذلك؛ لم تستطع إجباره على المُثول أمامها، وهذه من أكبر وأقوى القرارات التي اتخذها.

🔹 حدثينا عن مواقف أخرى؟!

تناولت صحيفة يومية ــ لا أذكر اسمها الآن ــ محاضرة عن الصلاة؛ ألقاها الأستاذ محمود في نادي الخريجين، وأتت بصورة للأستاذ واقفاً، يرتدي بدلة، وحوله على الأرض أوراق مبعثرة. وكتبت أن محمود محمد طه قال: إن الصلاة سقطت عنه. فذهب الأستاذ إلى الجامع الكبير بأم درمان؛ وكان يرتدي بدلة. وعقب انتهاء الصلاة؛ صعد إلى المنبر، وقال للمصلين: “أنا محمود محمد طه؛ سمعتم عني، لكنكم لم تسمعوا مني، وأنا عايز أكلمكم عن موضوع الصلاة”، وبدأ يتحدث. هنا؛ “هاج الموجودون، وصاروا يشدونه من بدلته”، حتى بدوا له مثل الأطفال ــ كما وصفهم ــ كان في ذلك الموقف؛ شجاعة غريبة ــ في ذلك الوقت ــ وموقفاً متفرداً. بعد ذلك؛ جاءه أمر حضور من وزارة الداخلية، كتب لي ورقة صغيرة، وضَّح فيها هذا الأمر، مُرفِقاً معها مبلغ 5 جنيهات، قال لى فيها: “عندي خلاف مع السلطات؛ ربما لا أرجع المنزل.. هذه مصاريف أعطيها لأهلك بالمنزل، ودعيهم ألا ينزعجوا”. ثم أتى البوليس وأخذه. وأنا تحفَّظت على الخبر؛ ولم أخبر أحداً عسى أن يرجع. وفي العصر؛ جاء وأخذ مني الورقة.

وأذكر ــ أيضاً ــ بعد محكمة الردة؛ أجرى سلسلة من المحاضرات، وفي محاضرة “الدين.. ورجال الدين عبر السنين”، والتي كانت في دار الحزب بالموردة، امتلأت الدار بالناس حتى وصلوا شارع الزلط. وقامت سلسلة من المحاضرات؛ وصدر فيها عدد من الكتب، أحدثت وعياً كبيراً للشعب. وكشفت كيف؛ وإلى أي مدى، كان من يُسمُّون برجال الدين، يخدمون الحكَّام، ويُطوِّعون النصوص، والفتاوى، لخدمة أهوائهم، وأجنداتهم السياسية، والخاصة. وكان ذلك صعباً على السلفيين.
بعدها؛ جاء مهرجان الرسالة الثانية من الإسلام، ودعا الأستاذ جميع رجال الدين، ولبَّى أغلبهم الدعوة. كانوا يرتدون القفاطِين؛ وجلسوا جميعهم في صف خلفي، لم يتقدَّم واحد منهم ليناقش الأستاذ. وقبل انتهاء المحاضرة؛ خرجوا مع بعضهم واحداً وراء الآخر. في هذه الفترة؛ خرجت المنشورات، وواجههم الأستاذ محمود في جريدة “أنباء السودان”، وكانت جريدة صديقة. وقال لهم: “إنكم أخسّ وأذلّ من أن تطمعوا فيَّ.. فقد قاومت الاستعمار؛ حين كنتم تلعقون جزم الإنجليز، حينما كان يتصدق عليكم بجِببِ الشرف، وما دريتم أنها كساوي عدم الشرف. أما أمركم لي بالتوبة؛ فما كشف عن شيء، إلا عن جهلكم بالدين، ونحن سنُبيِّن الدين، وسيتوالى ذلك قريباً. وهي أكثر العبارات قوة؛ وأذكرها جيداً.

وفي محاضرة بنادي كلية الزراعة جامعة الخرطوم؛ عن الرسالة الثانية من الإسلام، أيضاً كان الشيخ الراحل عطية محمد سعيد ــ رحمه الله ــ موجوداً. قال الأستاذ في الآية “هو الذي أرسل رسوله بالهُدى ودِين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً”. وهنا صاح عطية محمد سعيد؛ “كذب على الله.. كذب على الله، لا توجد آية مثل هذه في القرآن، وهذه الآية تنتهي بـ”ولو كره الكافرون”. فصفَّق وهتف له الجمهور من الإخوان المسلمين. قال له الأستاذ: الآيتان موجودتان. وهنا قام أحد الطلاب؛ وذهب إلى الداخلية ــ وهي قريبة من النادي ــ وأتى بالآيتين من القرآن، وثبُت أن الأستاذ على حق. وهنا صفق كل الموجودين للأستاذ؛ وجاء أحد الطلاب للأستاذ وقال له: “من يوم الليلة يا أستاذ أنا معاك.. جنة جنة.. نار نار”. همدت الضجة؛ وتابع الأستاذ المحاضرة.

وبنادي الخريجين ببورتسودان؛ كان هناك جمهوري كبير، يُدعى “يوسف بيلو”، كان دائما يقف إلى جانب الأستاذ في المحاضرات. وفي النادي؛ قامت هيصة كبيرة، وجاء أحدهم يحمل سيفاً، وقال: “الليلة الجهاد”. وقف الأستاذ كالطود الأشم؛ ينظر إليه ولم يتحرك. وأظن أن النادي كان فيه بعض من شباب الحزب الشيوعي، استدعوا البوليس، واستمرت المحاضرة.

وفي نادي تنقاسي ببورتسودان؛ حدث هياج شديد، أربك إدارة النادي. ونحن في طريق الخروج؛ جاء أحد مديري النادي، وطلب من الأستاذ الخروج من الباب الخلفي، بحُجَّة أن برفقته عدد من الأخوات، ولا يريد أن يتضرر أحد. هنا؛ التفت إليه الأستاذ، وقال له: “نحن؛ وأُسرنا طلعنا من أجل هذا الأمر، وأزاحه عن طريقه، وخرجنا من الباب الأمامي “.. حقيقة نحن كنا نستمد قوتنا من قوته.

🔹 وماذا عن إلمامه بالقوانين؟!

في الأبيض سنة 1969م؛ كانت هناك مجموعة من المحامين، ينتمون لجماعة الإخوان المسلمين، يتبعوننا في كل المحاضرات، يُحرِّضون ويُهيِّجون الناس. وكانت المحاضرة بعنوان “لا إله إلا الله”. أتى شخص؛ وضرب الأستاذ محمود ــ أثناء المحاضرة ــ بعصاة في رأسه. وقع الأستاذ؛ وسريعاً وقف، وهو يلُف عمامته، وأمسك بالمايكرفون، وواصل محاضرته، وهو ينزف، حتى أوقفه الحضور، وذهب للمستشفى ــ التي امتلأت سريعاً جداً بأهل الأبيض. وأذكر أنه تمت خياطة الجرح بثماني غُرز ودون بنج، بعد أن رفضه الأستاذ. وبسبب ذلك الجرح؛ لم يتمكَّن الأستاذ ــ لأيام ــ من مضغ الطعام. ورغم ذلك؛ لم يترك الثُلث الأخير من الليل، وكنا ننزل بمنزل الأخ الجمهوري الراحل حسن بشير.
عفا الأستاذ محمود؛ عن الرجل الذي ضربه، وكان محاميه هو الراحل ميرغني النصري ــ وهو من رفاعة ــ بينما كان الراحل خلف الله الرشيد؛ هو القاضي المسؤول. قال له الأستاذ: “أنا عفيت هذا الرجل”. فقال له خلف الله: “لا يوجد عفو في هذه القضايا”. قال له الأستاذ: “العفو فوق العدل؛ أنا عفيت عنه وهذا حقي، لكن الدولة ممكن تأخذ حقها”. ودُهش الأستاذ لجهل القاضي بأبسط القواعد.

🔹 حديثينا عن ملامح من كرم الأستاذ محمود؟!

حكى عبد الرحمن النقر ــ وهو أحد أهلنا من رفاعة، وكان يُمسك الحسابات للأستاذ محمود، حينما كان يعمل مهندساً خاصاً بالمشاريع الزراعية في جنوب النيل الأبيض ــ أنه كان معطاءً جداً، يُعطي المحتاجين دون حساب. فقد كان يتولَّى أمر توزيع المصاريف على الدراويش، وكل الناس عندما يحضر الأستاذ للخرطوم.
أيضاً؛ أخوات الأستاذ ذهبن إلى الحج، وبعد عودتهنَّ، أهدته أخته “بتول” سجادة أنيقة، فجاءه رجل يطلب مساعدته في زواج ابنته، فأعطاه السجادة، ومعها خروف جاءه هدية ــ أيضاً ــ وكان مربوطاً بالمنزل.

الأخ الجمهوري الراحل؛ محمد عبد الرحمن الفكي، كان هو الترزي الذي يُفصِّل ملابس الأستاذ محمود، وكان يفرح كثيراً، عندما أطلب منه تفصيل جلباب أو عراقي للأستاذ ــ من وقت لآخر ــ كان الأستاذ يمتلك جُلبابين فقط، وعندما أفتح الشنظة ولا أجد الأخرى، أعلم أنه أهداها لشخص ما. عندها أتوجه ــ مباشرة ــ لعبد الرحمن، لتفصيل جلابية أخرى جديدة.

🔹 ماذا عن جوانب العفو والحُلم عند الأستاذ محمود؟!

جاء لص إلى البيت؛ وسرق شنطة من المنزل، لكنها كانت فارغة. وبينما كان يهم بالخروج؛ رأه الأستاذ، فناداه وقال له: “تعال وهات الشنطة؛ لأنك لن تستفيد منها شيئاً”. أجلسه تحت الشجرة؛ وقدَّم له الطعام، ومبلغاً من المال. بكى اللص؛ وترك السرقة، وكان يأتيه من حين لآخر، وقد علم الأستاذ أنه اضطر للسرقة لحاجته إلى المال.

🔹 ماذا كان يأكل الأستاذ؟!

الأستاذ نباتي؛ لا يأكل اللحوم. وفي ذات الوقت؛ لا يفضِّل أن يفرز طعامه عن الآخرين. وعندما تعلمت صناعة بعض السلطات ــ في المدرسة ــ وطبقتها في المنزل فرح؛ وقال لنا: “أنا ما بحب اللحوم؛ لكن كنت منتظركم تستعدوا”. وفي عام 1979م؛ في منزل الثورة، قرر إيقاف اللحوم بالمنزل نهائياً، وقال للأخوات: “من الليلة ما في طبيخ بلحمة، ومن تشتهي اللحم ممكن تمشي إلى أهلها وتجي”. كان يحب جداً أكل “الكسرة” مع طبيخ الأسود، أو القرع، أو المفروك، والسلطة. وكان يتناول وجبتين في اليوم؛ ويفعل ذلك من أجل تشجيع الموجودين بالمنزل على الأكل.. كان يأكل الكسرة فقط، ولا يأكل الرغيف، أو غيره. وكان آخر شخص يأكل؛ وغالب أكله ما يتبقى من فضلات الأخوان والأخوات، يعجنها بالموية والملح ويأكلها.

وهو لا يتناول وجبة العشاء؛ لكنه يتناول قليلاً من طعامهم عندما يجتمع مع الأخوات في غرفة الطعام. وكان لا يأكل؛ أو يخلد للنوم، إلا بعد تأكده أن كل الموجودين تناولوا طعامهم، أو خلدوا للنوم، فكانت رعايته رعاية كاملة لكل الموجودين بالمنزل .

🔹 كيف كانت علاقته بالأطفال؟!

علاقة الأستاذ محمود بالأطفال؛ كانت حميمة للغاية. كان يحملهم؛ وكانوا هم يتعلقون برقبته. وذات يوم؛ وهو يهم بالخروج من المنزل مرتدياً جلباباً ناصعاً، جرى عليه طفل بمجرد أن لمحه، رفع الطفل وقبله ثم أنزله. والتفت إليَّ وقال: “الجلباب النظيف فصلني عن الحياة”.
وفي السجن؛ كتبت له وفاء بنت عصام البوشي، وسلمى مجذوب خطاباً، وكانت طفلة صغيرة، احتوى الخطاب على خطوط منظمة ــ فهي لم تكن تقرأ أو تكتب ــ وعندما قابلها مع والدتها في السلاح الطبي، حينما أتوا لزيارته، قال لها: “قرأت خطابك يا وفاء، وفهمت ما تقصدين”. وعلق: هذه لغة القلوب!! كان بيت إدريس جماع “هيِّن تستخفه بسمة الطفل… قوي يصارع الأجيالا”، كأنما كتب في وصفه.

🔹 وماذا عن التحدي والصمود؟!

في طوكر؛ المحاضرات هيَّجت البلد هِياجاً شديداً، وكان يريد أن يتحدث عن الصلاة. قالوا له: لا لن تتحدث عن الصلاة. قال لهم: الصلاة تحتاج لشرح.ز دعوني أشرحها لكم. قالوا: لا.ز لا نريد شرحاً، بل نريد أن نعرف هل أنت تصلي أم لا؟! حقب يديه؛ ونظر إليهم، وقال: “ما بصلي.. أها عايزين تعملو شنو؟!”، صمتوا؛ ولم ينطق أحدهم بكلمة، حتى انتهاء المحاضرة.

وفي محاضرة بنادي الجزيرة بالحصاحيصا؛ أتى الغوغاء، والمهاويس بالعشرات، ليعتدوا على الأستاذ. تسلقوا حائط الغرفة؛ حتى وصلوا رأسها ــ وكانت خلف الأستاذ ــ وبعد صلاة العشاء؛ خرجوا في مظاهرات من الجامع، يحملون السيخ والآلات الحادة، أمر الأستاذ الإخوان بصنع أطواق حماية للأخوات ففعلوا. وقامت إدارة النادي باستدعاء البوليس؛ ومع وصوله أخلوا المكان، واستمرت المحاضرة.

أما عبد الكريم ــ من الفادنية ــ فقد قاد هَرَجَاً في محاضرة بجامعة أم درمان الإسلامية.. كانت المحاضرة مستمرة، وهم يصيحون. سكت الأستاذ قليلاً؛ حتى يهدأ الناس، فقال عبد الكريم: “نحن نغوص البحار؛ ونستخرج اللؤلؤ، فما علينا إذا لم تفهم البقر”. قالوا له: نحن بقر؟!! وهاج فيه الجمهور. وقالوا له: “نحن بقر يا ابن الكلب؟!”. صمت؛ واستمرت المحاضرة.

وفي محاضرة “الإسلام برسالته الأولى لا يصلُح لإنسانية القرن العشرين” ــ بكلية التربية ــ جاء البوليس؛ وقال للأستاذ: هذه المحاضرة لن تقوم. قال لهم الأستاذ: “ستقوم.. إلا إذا الطلاب قالوا ما عايزين”. وبالفعل قامت المحاضرة بحضور كثيف للبوليس… لم أشعر في يوم من الأيام أنه يخاف.

لم يكن الأستاذ محمود ينزعج لما يحدث؛ وكان يعرف دوره في الحياة معرفة تامة، ويعلم أنه لن يحدث له شيء، وسط كل هذا الهرج والمرج. وفي مرة قال: “لابد أي إنسان يكون مثل بطل الفيلم، فهو يعلم أنه لن يموت، لذلك يخوض المعارك بإقدام ويقين، لذلك إذا علم أي شخص فينا دوره في الحياة سيكون مثل بطل الفيلم”. وأنا كنت أحس دائماً أنه يعرف دوره جيداً لذلك كان ثابتاً.

🔹 أُثير جدل كثيف عن صلاة الأستاذ محمود؟!

الأستاذ محمود يقول: الصلاة معراج العبد إلى ربه، والصلاة صِلة بين العبد وربه، وأن الصلاة جاءت على مستويين. مستوى التقليد؛ وهو ما قام به النبي صلى الله عليه وسلم، ونحن نقوم بتقليده، وبحُسن تقليدنا له يقودنا للصلة بيننا وبين ربنا. ويقول القرآن الكريم: “إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا”. وقال تعالى أيضاً: “لكل منكم جعلنا شرعة ومنهاجاً”، يعني أي شخص له شريعته الفردية، إذا ما جوَّد السير في الشريعة الجماعية. وقال الله تعالى: “وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهي (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18)”.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “ليلة عُرج بي انتسخ بصري في بصيرتي فرأيت الله”. فأي شخص مقتنع بالنبي ومنهاجه ويقلده يقول له: “ها أنت وربك”. والصلاة صلاتيْن. فالأستاذ لم يترك الصلاة؛ بل زادها. ويقول “الشخص العابد المجود نفسه الطالع والنازل هو صلاة لله”.

🔹 كيف كانت مكانة المرأة عند الأستاذ محمود؟!

كان يهتم بتعليم المرأة؛ ويعتقد أن رفعتها في تعليمها، لذلك اهتم بتعليمنا. وكان يقول دائماً: لن أوقف أية واحدة من التعليم إلا إذا رفضته هي. ولم يشعرنا أننا عبء عليه؛ رغم أن مصاريفنا كثيرة، وطلباتنا كذلك، لكنه كان فرحاً بوجودنا حوله. وعندما ذهبت للدراسة ببريطانيا؛ كان يكتب لي أسبوعياً، ويقول: “تعلمي .. تعلمي كل شيء، فحاجة الفكرة لك كبيرة، وموقعك فيها كبير”ز وأوصاني بلبس الثوب دائماً؛ وقال لي: “لبسك هناك يكون فستان طويل، والثوب السوداني، وعليه (الكوت من البرد). وكان يقول دائماً: “لو تعلمت حواءاتنا لرشد آدمونا”.

🔹 لماذا ترتدون ثوباً أبيض دائماً.. وهل للأستاذ محمود رأي في لبس المرأة؟!

لابد وأن يكون شكلناً مميزاً؛ ومحتشماً، وصدر لنا كتاب بعنوان “الزي عنوان المرأة وخُلقها”. نتميز بلبس فستان طويل؛ وبأكمام طويلة، وثوب أبيض. وهو نفس الزي الذي نخرج به عند “حملة الكتاب”؛ وهي حملة نحمل فيها كتب الفكرة الجمهورية، ونناقش الناس في الشارع، ونقدمه لهم. لكن الأستاذ لا يتدخل في لبس الضيوف؛ ولا يحرجهم بتعليقه، حتى بالنسبة للأخوات يخبرني برأيه لأتحدث أنا معهن.

🔹 مَنْ مِنْ الشخصيات العامة أو السياسية التي كانت على صلة بالأستاذ؟!

من الشخصيات ــ التي أذكر أنني رأيتها تزور الأستاذ محمود عدة مرات ــ النيل أبو قرون؛ والراحل عبد العزيز شدو ــ وقد كان صديقاً للأستاذ ــ ووزير المالية الأسبق الراحل إبراهيم منعم منصور. وهناك عدد من الشخصيات؛ كانوا يأتون عند الساعة “11” ظهراً، في وقت يكون غالبنا في العمل، والبيت فاضي. مثل دكتور منصور خالد؛ وعبد الخالق محجوب. الحقيقة لم أقابلهم؛ لكنني علمت بحضورهم من الأستاذ، وعرفت أن عبد الخالق محجوب كان يناقش معه محاولة مواءمة الماركسية مع الدين الإسلامي، حتى يتقبلها المجتمع السوداني، وهي محاولات جرت في بعض المجتمعات المحافظة، قرأت عنها في تجارب “اليسار الجديد”.

🔹 ماذا قال الأستاذ محمود في حديث الفداء الشهير؟!

حديث الفداء؛ كان في 4 يناير 1985م، قال الأستاذ: الزمن اضطرنا نقفل الحديث، لكن الكثير من الأخوان والأخوات، عندهم انطباعات ليقولوها. الحديث القيل طيب جداً؛ أفتكر مؤتمرنا لابد يؤرخ تحولاً عملياً في موقف الجمهوريين، زي ماقلنا قبل كدة؛ الناس سمعوا مننا كتير، الكلمة المقروءة والمكتوبة، لكن عشنا زمناً كتيراً في مجالات عاطفية، الإنشاد والقرآن والألحان الطيبة.. جاء الوقت لتجسيد معارفنا، وأن نضع أنفسنا في المحك، ونسمو في مدارج العبودية سمواً جديداً.. الصوفية سلفنا؛ ونحن خلفهم، وورثتهم. كانوا بيفدوا الناس.. الوباء يقع.. يأخذ الشيخ الصوفي الكبير.. وينتهي الوباءـ دي صورة غيركم ما يعقلها كثير.. الجدري في قرية التبيب؛ تتذكروه؟! كان في كرنتينة في القرية؛ لا خروج ولا دخول، الشيخ الرفيع ود الشيخ البشير، أخو الشيخ السماني مات بالجدري في القرية.. شيخ مصطفي خال خديجة بت الشريف ــ هو صديقنا وبزورنا كثير ــ قال: حصلت وفاة؛ ومشيت أعزي، مرَّ عليَّ الشيخ الرفيع وقال لي: بمشي معاك. قال: مشينا سوا إيدي في إيدوا؛ كان فيها سخانة شديدة، وصلنا محل الفاتحة. واحد قال ليهو: الشيخ.. المرض ده ماكمَّل الناس. الشيخ الرفيع قال: المرض بينتهي لكنو بشيل ليهو زولاً طيب. قمنا من المجلس؛ وصلنا البيت، والسخانة كانت الجدري. السيد الحسن مات بوباء.. والوباء انتهى. وفي سنة 15 الشيخ طه مات بالسحائي.. وكان مستطير بصورة كبيرة، وما عندو علاج، وما كان بنجو منو زول، الما بموت بتركه بعاهة. مات الشيخ طه والمرض انتهى. الحكاية دي عند الصوفية مضطردة ومتواترة.. العلمانيون تصعب عليهم.. إنتو هسع لابد تفدوا الشعب السوداني من الذل والمهانة الواقعة عليهم والجلد. واحد من الإخوان لاحظ ذلك فقال: القيمة من المسيرة أن تشاهدوا الجلد الواقع. واحدة من الأخوات قالت: “العسكري شاب؛ والمجلود شيخ كبير، والقاضي واقف يستمتع”. هي مسألة أحقاد؛ وضغائن، ونفوس ملتوية، تتولى أمور الناس.. قد تُجلدوا ما تنتظروا.. تسيروا في المسيرة، وتحصل معجزة تنجيكم، وهي بتحصل لكن ما تنتظروها. خلو الله يجربكم ما تجربوا الله.. تعملوا الواجب العليكم تنجلدوا ترضوا بالمهانة. من هنا المحك البيهو بتكونوا قادة للشعب العملاق.. يكون في ذهنكم قول الله “أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولمّا يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين”. وآية ثانية “أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولمَّا يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب”. ما أحب أن تصابوا بخيبة أمل من العقبات البتلاقيكم في الطريق.. يكون مؤكد؛ الأمر النحنا بنواجهوا بنحتاج ليهو في الداخل.. كل أمر يساق ليكم يقويكم هو عناية من الله وملطف.. لكن الناس يسوقوا أمرهم بالجد، وكل واحد يدخل في مصالحة ورضا بالله.. تواجهوا أمركم ده لتفدوا شعبكم وبعضكم بعضاً لترتقوا درجات في واجبكم وعبادتكم.. ومعنيين بيهو أنتم.. محفوظين.. ولكن ما تفتكروا الطريق أمامكم مفروش ورود.. استعدوا في قيامكم بالواجب المباشر تكونوا دايمين النعمة، وموضع نظر الله وعنايتو.. ثقوا بيهو.. إن شاء الله أمركم قريب والله ادخركم للأمر دا.. وأنتم اليوم الغرباء بصورة كبيرة.. كل المجتمع السوداني في كفة، والجمهوريين في كفة.. الجمهوريون مطلوبون.. والناس الطالبنكم فداية ليكم.. ظلماتكم نور.. أنتم موضع عناية.. تقبلوا العناية.. سيروا راضين بالله.. بالصورة دي يكون ختام مؤتمرنا.

🔹 ماذا عن وصاياه بعد إعلان الحكم؟!

كان دائماً يوصينا بالصبر والصمود؛ وأن لا نظهر لهم غيظنا، أو أنهم استفزونا. وكان يريد مني أن أكون قوية؛ ومتماسكة، وأعين الأسرة والأخوات على الصبر، والتماسك. وكان يردد لي بيت الشعر الذي قاله أحد الأعراب معزياً عبد الله بن عباس في وفاة والده: “اصبر نكن بك صابرين فإنما.. صبر الرعية بعد صبر الرأس..
خير من العباس أجرك بعده.. والله خير منك للعباس “.
لكنني في إحدى الزيارات ــ رِفقة الأخوان ــ وبعد إعلان الحكم؛ جلسنا إليه، وكنت قريبة منه. قال لي: “انتِ متماسكة.. لكنك كئيبة”. ثم خفض صوته أكثر وسألني: “عمتك كيف؟”. عندها لم أتمالك نفسي وبكيت، تركني ولم يتحدث معي.

لحظة التنفيذ؛ أُلقي القبض علينا جميعاً، وتم حبسنا في حراسة القسم الشمالي، وكان أفراد الجهاز الذين قاموا باعتقالنا يضحكون علينا، ويقولوا لبعضهم “الجماعة ديل غريبين. تسأل الواحد أنت جمهوري يقول أيوا.. هسة دا لو كان شيوعي تسأله.. يقول ليك أنا ما شيوعي”. كان تنفيذ الحكم في الصباح؛ كنا في الحراسة ليلاً، وكنا متألمين، لكننا صابرين، نصلي ونذكر. ضحك علينا أفراد الحراسة؛ وسأل أحدهم الآخر: “لماذا يصلي هؤلاء كثيراً؟”. رد عليه زميله: “يريدونه أن يطير غداً من المشنقة”. كانوا مؤذيين. بعدها أخذوني إلى حبس انفرادي؛ وقالوا إنني أهيج الناس. كانت ليلة عصيبة؛ لكننا كنا شجعان، وأذكر أنني لم أبكِ إلا في المنزل.. والله السودان دا كله لو كان فيه قلب ما يستحمل.

🔹 هل كانت له وصية خاصة به؟!

الوصية الأولى؛ بعد طلع من الخلوة ــ مطلع الخمسينيات ــ والثانية سنة 1971م؛ قال يكفنوني بملابسي القديمة، ولا يضعون شاهداً على قبري. وأذكر أن هناك إحدى الأخوات الجمهوريات قالت له: “رأيت أنك مت”. قال لها “أريد شخصاً يراني مت لحدي ما دُفنت في الأرض”.

🔹 هل كنتِ تتوقعين أو تنتظرين عفو الرئيس نميري؟!

لم أتوقع أن يعفو عنه نميري ــ مثل ما كان يقول الناس ــ ولم يكن الأستاذ محمود ليقبل ذلك أيضاً منه. ولم أتوقع معجزة؛ لأن الأستاذ كان يقول الإنسان العارف يُسلم لإرادة الله، لكن الما عارف يغير في الوجود.. كان لدي صورة من اليقين لكن الألم موجود.

‫6 تعليقات

  1. شهيد شنو . زول انكر الصلاة بصورتا الجسدية وقال انه وصل لدرجة من العبادة لم يعد معها اداء العبادات واجبا وشارف على ادعاء النبوة وتقولو شهيد اتقو الله . دايرين تودونا وين انتو . حكم الردة في المرتد كان صحيحا واجازته دار افتاء الازهر ومجمع افتاء السعودية وتجو انتو تقولو جائر

  2. قبحكم الله فالقننا بهذا الهالك الذي حكم عليه الازهر الشريف وهئية كبار علماء السعودية والسودان وكل من قرأ كتبه وأرائه الشاذة. ماذا نستفيد نحن من رجل كهذا وصفحات حوار مع أخته.

  3. (( معزياً عبد الله بن عباس في وفاة والده:))هل هذه الرجل يعرف قدر ومقدار صحابة رسول الله…. الم يعرف انهم اكثر من اقتدي برسول الله صل الله عليه وسلم….هل يعتقد بانه اذا غير نهج الرساله المحمدية سيكون عند رب صاحب الرسالة افضل من الصحابة الذين اجتهدوا في تطبيق الدين كما اتاهم عن صاحبهم رسول الله صل الله عليك يارسول الهدي ونو الدجي. قال تعالي بلسان خاتم الرسل:(اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا) وقال تعالي وهو العارف بماحدث وما سيحدث:(ومن يبتغي غير الاسلام دينا فلن يقبل منه) فمن غير في ركن من اركان الاسلام فقد ابتغي غيره ولم يعد تابعا لدين الرساله المحمدية. هذه دروس تعلمناها في المرحلة الابتدائية لاتحتاج فقهاء ولا علماء

  4. حكي اليه احد الأخوان و يدعي امير عبد الرحيم، من كوستي ، الحلة الجديدة انه كان جار العمدة الزين / جودات /من قبيلة سليم ، و لقد حكي له انو في تاجر عيش من ريفي النعيم اسم اللازم ، في حضور شخص آخر اسمه على البديري ، وانو التاجر اشترى امباز للبهائم من كوستي ، على ان ينقله بواسطة البكاسي ( البرينسات ) الى النعم تقريبا اكثر من 100 كيلو متر من كوستي ، ولقد نزلت امطار شديدة وتوقفت البكاسي ، وجاء التاجر يستشير العمدة الزين ، فاجابه العمده مافي واحد يحل ليك المشكلة ده إلا الموظف صاحب اللاندروفر الارقط ( الاغبش ) ، فاجابه التاجر عرفته الزول الغرقان ، ده زول مباريك ( ويقصد الاستاذ محمود ) و ذهب اللازم الى الأستاذ و حكى له القصة و قال ليه البهائم ده في ذمتك فما كان من الأستاذ إلا ان وافق ونقل الامباز مع اللازم في اللاندروفر في ظل الامطار الشديدة الساعة 4:30 صباحا ليعود الاستاذ مع صلاة الصبح .
    انتهي ،،
    احكي ياستاذ بتول ، ما في شي يخفف عنا مر القضاء المتمثل في حقد وضغائن و الاخوان المسلمين غير سيرة الاستاذ محمود محمد طه

    مجدي مصطفى حسن

  5. حكي اليه احد الأخوان و يدعي امير عبد الرحيم، من كوستي ، الحلة الجديدة انه كان جار العمدة الزين / جودات /من قبيلة سليم ، و لقد حكي له انو في تاجر عيش من ريفي النعيم اسم اللازم ، في حضور شخص آخر اسمه على البديري ، وانو التاجر اشترى امباز للبهائم من كوستي ، على ان ينقله بواسطة البكاسي ( البرينسات ) الى النعم تقريبا اكثر من 100 كيلو متر من كوستي ، ولقد نزلت امطار شديدة وتوقفت البكاسي ، وجاء التاجر يستشير العمدة الزين ، فاجابه العمده مافي واحد يحل ليك المشكلة ده إلا الموظف صاحب اللاندروفر الارقط ( الاغبش ) ، فاجابه التاجر عرفته الزول الغرقان ، ده زول مباريك ( ويقصد الاستاذ محمود ) و ذهب اللازم الى الأستاذ و حكى له القصة و قال ليه البهائم ده في ذمتك فما كان من الأستاذ إلا ان وافق ونقل الامباز مع اللازم في اللاندروفر في ظل الامطار الشديدة الساعة 4:30 صباحا ليعود الاستاذ مع صلاة الصبح .
    انتهي ،،
    احكي ياستاذ بتول ، ما في شي يخفف عنا مر القضاء المتمثل في حقد وضغائن و الاخوان المسلمين غير سيرة الاستاذ محمود محمد طه

    مجدي مصطفى حسن

  6. ((مواقف تحكى صمامة الأستاذ محمود))؟!
    مواقف تحك(ي) (عن) (تصميم) وليس صمامة الأستاذ محمود

زر الذهاب إلى الأعلى