مقالات وآراء

هلال امدرمان وهلال بورتسودان

ان الدارس لاستخدام السودانيين لوسائل التواصل الاجتماعى قد يتوصل الى استنتاجات منها التفاوت الواضح بين جيل الالفية والاجيال السابقة, فالجيل الجديد يهتم بالحصول على المعلومة اكثر من اهتمامه بطريقة معالجتها. والملاحظة الثانية ان السودانى يضع مسالة إقامة علاقات اسفيرية مع الجنس الاخر في مرتبة اعلا في سلم اهتماماته. وقد تعزى النتيجة الأولى الى تدنى مستوى التعليم خلال العقود الثلاثة من حكم الدكتاتور المخلوع عمر البشير, لكن تحليل الظواهر الثقافية تكون فائدته اكبر لو نظرنا اليه بمنظور شامل بعيدا عن الانتقائية.

تشتمل الثقافة على المبادئ والقيم والمثل والمعتقدات والعادات والطقوس والاعراف وانماط العيش والميول وغيرها. ولدراسة مظهر من مظاهر الثقافة فاننا نحتاج الى ننظر اليه من خلال علاقتها بالمظاهر الأخرى وكذلك من خلال اجراء مقارنات بالثقافات الأخرى. واذا سال السودانى اخد زملاء العمل او اخد جيرانه في بلاد الغربة عن انطباعه العام عن الفرد السودانى فان اول ما يتبادر الى ذهنه هو عادة تناول السودانيين للوجبات في شكل جماعات لا افراد. وهى عادة حميدة لكنها تكاد تكون حصرا على الشعب السودانى وحده. إضافة الى ذلك فان السودانيين, وخاصة النساء, يتميزون بتذهيب نادر. هذه إيجابيات, فهل هنالك سلبيات في بعض جوانب الثقافة السودانية؟

ان تناول الوجبات في اطار جماعى قد يفسر في اطار الكرم او التكاتف او التألف بين الناس, لكن يمكن ان ينظر اليه في اطار التوجه الجماعى العام والذى يقمع الرغبات الفردية لصالح الجماعة. ونحن نجد ان المجتمع منتظم في شكل أقاليم وطوائف وقبائل وعشائر واسر ممتدة. كذلك نجد ان الانتماء لهذ الكيانات هو انتماء موروث. والانكى من ذلك ان الخروج من احد هذه القوالب بالغ الصعوبة ومكلف. وقد تكون التكلفة باهظة الثمن اذا صنف سلوك الخارجين على انه اغتراف للعار او إهانة لقيم الجماعة. وعلى الرغم من قدم الأحزاب فان تاثيرها هو الأضعف ويزداد ضعف التاثير كلما تمسك الحزب بمبادئ التفكير النقدى والتحرر والدعوة الى التجديد.

ان الحرص على التجانس الاجتماعى جعل الناس ينظرون الى التعليم باعتباره وسيلة لحشو رؤوس التلاميذ بالمعلومات دون الاهتمام بتمليكهم منجها يساعدهم على البحث العلمى والتحليل واستخدام المنطق. ولان لغة التعليم لا تعبأ كثيرا بتطبيق الأسلوب العلمى والنقدى فاننا نجد ان الخطاب السودانى تسوده العبارات الفضفاضة او المقتضبة او حمالة الاوجه, والتى ترسل الى المخاطب وفى ذهن المرسل ان حديثه مفهوم للجميع.

كثيرا ما يطلب احدنا دراسة جدوى لمشروع فينصح بان يترك الامر ويستشير من هم في دائرته الضيقة او الواسعة, وحين يفعل تاتى الاستشارة على شكل حكاية عامة ليس بها ارقام ولا خطط ولا برامج. هذا السلوك ناتج عن القناعة بان المشروع الذى جربه سودانى سينجح مع سودانى اخر لأننا قوم متشابهون. ولهذا نجد ان التجارب الناجحة تستنسخ, فنجد هلال امدرمان وهلال بورتسودان ومريخ امدرمان ومريخ نيالا واهلى الخرطوم واهلى مدنى واخلاص مدنى واخلاص عطبرة واخلاص تندلتى وهكذا. وفى حالة كرة القدم فان خسارة الفرق من استخدام اسمها قد لا يكلفها الكثير في ظل القوانين القائمة, لكن في حالة الشركات فان التقليد الاعمى يؤدى الى اغراق السوق ويؤدى الى افلاس الكثير من الشركات.

في مجال السياسة تنجح التحالفات اثناء فترة المعارضة وتفشل حين تكون التنظيمات المعارضة هي الماسكة بزمام السلطة, والسبب هو عدم اهتمام هذه التنظيم بمناقشة التفاصيل. والتفاصيل الصغيرة هي التي تميز البرنامج الجيد والبرنامج الملئ بالثغرات. لقد كتبت الكثير من البرامج التي تضمنت مفاهيم مثل الدولة المدنية وإدارة التعليم والإصلاح التربوى والاشتراكية والعدالة الاجتماعية والحرية والسلام وغيرها, لكن الذى حدث هو ان كل من هذه المفاهيم اصبح مثار جدل, واحيانا مدعاة للنزاع والتكفير. والسبب هو ان كثير من الناس يعتقدون ان العقول السودانية تتشابه وهى بالتالى متفقة حول تلك المفاهيم.

لا توجد ثقافة سيئة مطلقا او جيدة مطلقا لكن هنالك الجيد والردئ في كل ثقافة. وفى هذه الالفية التي تطورت فيها التكنولوجيا والعلم ووسائل التواصل حرى بنا ان ناخذ افضل ما انتجته البشرية من قيم مادية وفكرية تاركين الخبيث. ولا يضيرنا ان نعيد النظر في بعض الذى ساهم في عدم تطور بلادنا اقتصاديا وثقافيا وتعليميا وتقنيا. ان الشعور بالوحدة الهشة المبنية على التواطؤ مع القيم البالية لا يفيد.

محمد مهاجر

[email protected]

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى