مقالات سياسية

تجديد مطالب الاُمة السودانية

لم يعُد السودان ذلك الوطن الذي تطلَع له جيل عشرينيات القرن العشرين المشبعين بروح معارك كرري ، والخارجين برؤى جديدة أشعلتها معارك الحرب العالمية الأولى التي نفثت فيهم روحاً جديدة للإنعتاق من ذُل الإستعمار ، تشبثاً بحق الحياة في وطنٍ حرٍ مستقل ، يحكمه بنوه ، وتظلله مفاهيم الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية ، مما حدى برجل في قامة البطل علي عبداللطيف أن يصدح بصرخة سجلها له التاريخ في شكل نداء أو مقالة بعنوان :- مطالب الامة السودانية ، نستأذن التاريخ في إستدعائه وإعادة إستخدامه عنواناً لهذه الخواطر ، فلقد كان في ذلك بداية لكفاح طويل ، سياسي وثوري ، إنتهى بخروج الإستعمار و إعلان إستقلال السودان في مطلع يناير من عام 1956م .

لكن ماحدث خلال الإحدى والستين سنة التي أعقبت الإستقلال ، يمثل خيبة قومية لأجيال تعاقبت منذ إنهيار مؤتمر الخريجين في ثلاثينيات القرن العشرين وحتى يوم الناس هذا مما يستوجب بعثاً جديداً لنداء ((مطالب الأمة السودانية )) ، بعد إنقضاء قرنٍ كاملٍ من إنطلاقته الأولى في العشرينيات الميلادية ، وكأن الزمن قد كان متوقفاً ،على الرغم مما شهده الوطن من محنٍ و إحنٍ و إبتلاءاتٍ و خيبات سياسية و إقتصادية و مجتمعية مما يضطرنا للبحث عن مخرج بالدعوة إلى العودة إلى منصة التأسيس الأولى ، تأكيداً للحاجة إلى بداية جديدة ، تستوجب التفكير خارج الصندوق ، وخارج الاُطر التي أوردت السودان و أهله موارد الهلاك و المسغبة .

دعونا نعترف بأننا قد فشلنا في إدارة الوطن سياسياً و إقتصادياً ، وتعاقبت علينا أنظمة شمولية قاهرة ، و أنظمة حزبية فاشلة ، وتولى أمورنا من خابت آمالنا فيهم من جيل الإستقلال ، وما تلاه من أجيال عسكرية ومدنية ، وأكملت ثلاثين سنة الإنقاذ رسالة الخراب و التخريب ، فاصبح يسيطر على الأفق جيل ضعفت فيه الوطنية و صِدْق الإنتماء ، و قويت فيه الأنانية و التفكير الفردي الذي يجعل الذات هي المحور و ماعداها فليذهب إلى الجحيم ، و إن كان الوطن و أهله ، وأكبر همه هو البحث بطرق مشروعة أو غير مشروعة عن وطنٍ بديلٍ حتى و إن كان دولة إسرائيل .
في ظني أن الوضع لن يستقيم إذا تُرك الأمر لهذه الأجيال الصاعدة فهي ببساطة غير مؤهلة لتحقيق آمال الأمة السودانية في الحرية والعدالة والنهضة الإجتماعية و الإقتصادية ، لأنها لا تمتلك الحس اللازم لهذه المفاهيم ، ولهذا لا تُقَدر أهميتها وضرورة تحقيقها والمحافظة عليها . ليس هذا فقط بل حتى تأهيلها العلمي ، منذ سُلم نميري التعليمي وحتى ثورة التعليم العالي الإنقاذية ، لا يؤهلها لإخراج الوطن من ورطته و مأذقه التاريخي الحالي .
أما من لا يزالون على قيد الحياة من سياسيي ما بعد الإستقلال وحتى الأن ، فإن الفشل مُجسَد فيهم وفي ما تركوه من بصمات سالبة وعجز ظاهر ، في كل شؤون الحياة السودانية ، ليس أقله تركهم البلاد لحكم العسكر لأكثر من ثلثي عُمر الإستقلال بل لإربعة أخماسه !!!

لهذا فإني أعتقد أن الخروج من هذا المأذق يقتضي التفكير جدياً في إنقاذ السودان من عبث بنيه ووضعه تحت الوصاية الدولية لمدة عشرة سنوات ليكون خلالها تحت مظلة مجلس الأمن المباشرة ، لتأمين البلاد مِمَن يتناوشونها خارجياً ، ومن يسعون لتمزيقها داخلياً ، ولإعادة هيكلتها إدارياً و إقتصادياً ، و إعادة توطينها في عجلة الإقتصاد العالمي و آلياته ، وقفاً للتدهور ، و إنطلاقاً نحو آفاق تنمية حقيقية و مستدامة ، و تدريباً لكوادر قادرة على الإحتفاظ بتلك الإستدامة و تطويرها .

ولإحداث التغيير المرتقب خلال الفترة الزمنية القصيرة المقترحة لوضع البلاد تحت وصاية مجلس الأمن ، لابد من البدء بإعادة هيكلة الدولة بحيث تُحكم مركزياً في إطار خمس ولايات كبرى مع الإستعانة بضباط إداريين أكفاء ، و إعادة الهيبة لسلك الإداريين المحليين ، المختارين على أساس قومي ، و المدركين لأهمية التعاون المنُتِج مع الإدارات الأهلية ، إلى حين توفير بدائل تُغني عن ما نحن فيه من مفاهيم قبلية و جهوية أقعدت بالسودان وعطلت تقدمه ..

إن تهيئة السودان للإنطلاق في ظل تأسيس و تأمين دولي ، تقتضي إعطاء اولوية كبرى لإعداد دستور دائم للبلاد وهي المهمة التي فشلت فيها كل الأنظمة التي تعاقبت على حكم السودان منذ الإستقلال . لقد بدأ عهد الحرية و الإستقلال بدستور أسموه دستوراً مؤقتاً اعدته قُبيل الإستقلال لجنة دولية مؤهلة و أُجريت عليه تعديلات طفيفة بُعَيد إعلان الإستقلال ليكون حاكماً لدولة حرة و مستقلة . لقد كانت الوثيقة المُعدلة أفضل صيغة دستورية شهدها السودان حيث أن الأنظمة التي توالت بعد ذلك ،عسكرياً و مدنياً ، تولت وضع دساتير شائهة لم تحظ ابداً بإجماع الأُمة السودانية ولهذا لم تحظ بالإحترام الواجب ، حتى من العسكريين و الوزراء الذين قاموا أمام الناس بأداء قسم الولاء لتلك النسخ المتعاقبة الحاملة لشعار الأُمة المغلوبة على أمرها .

إن أُمة السودان المتطلعة لحياة مستقرة وتنمية مستدامة ، في حاجة إلى دستور دائم مُحكَم و ذي طبيعة مدنية و إنسانية مُستَمدة من تجارب الشعوب التي سبقتنا في سُلَم الحضارة الحديثة و بعيدٍ كلياً عن المفاهيم الدينية و النصوص الشرعية التي لم يُحدِث إقحامها في دساتير السودان المتعاقبة إلا المزيد من التشرذم و التمزق المجتمعي، والمزيد من عدم الإستقرار السياسي الذي أدى في بعض نهاياته المحزنة إلى فصل جزءٍ عزيزٍ من السودان ، كما أدى إلى إذلال الناس عموماً و النساء خصوصاً ، فأصبحن يُجلدن على مرأى من الناس، في إنتهاكٍ مخجل لإنسانيتهن ، و إنسانية الذين يشهدون تلك العملية الوحشية التي تُرتكب باسم الدين ، دعك من الذين فقدوا أطرافهم في سرقات جوعٍ ،أمام محاكم بائسة و قضاة شائهين وغير مؤهلين .

إن الأُمة في حاجة إلى دستور يتمحور حول مفاهيم مدنية بحتة يبقى فيها الدين لله و الوطن للجميع . ولقد آن الأوان لإعترافنا بفشلنا في إعداد دستور دائم على الرغم من مضي أكثر من ستين عاماً على الإستقلال .علينا ترك هذه المهمة إلى لجنة دولية يتم إختيارها من مجموعة الخبراء الدوليين ، كما فعلنا قبيل الإستقلال ، على أن تُخضع مسودة الدستور المقترحة لإستفتاء شعبي لتصبح ملزمة بعده إذا حازت على ما لا يقل عن ثُلثي أصوات الرجال والنساء الذين لا تقل اعمارهم عن ثمانية عشر عاماً . ويمكن إنجاز ذلك بسهولة قبل إنقضاء السنوات العشر المقترحة للوصاية الدولية .

إن الحاجة لحكم مركزي قوي ، بداية ، لضبط الأوضاع السياسية والإدارية ،يُعطي الأُمة فرصة لقبول فكرة دستور مبني على هيكلة فيدرالية حقيقية للدولة ليست مستمدة من تجاربنا المحلية الفاشلة ، بل مستنبطة من تجارب الآخرين الناجحة و المطبقة بدرجات متفاوتة في العالم مثل الولايات المتحدة و كندا و سويسرا وغيرها . وبما أن إستقرار الحكم و التنمية المتوازنة والمتكاملة هي من اهم تطلعات المجتمعات ، فربما يكون من المناسب طرح نظامين دستوريين ،أحدهما مركزي و الآخر فيدرالي أو كونفدرالي ، ليقرر الشعب عبر إستفتاءٍ حرٍ ما يريده لوطنه ، وربما يكون في الكونفيدراليية ما يُعيد جنوب السودان إلى حضن الوطن ، و يخلق من دولة السودان القادمة ولايات متحدة أُخرى !!! و ليس ذلك على الله ببعيد ، إذا وضعنا في الإعتبار ما حبانا الله به من موارد وإمكانات طبيعية هائلة ، أُسانا إستغلال بعضها ، وبقي معظمها كامناً في إنتظار يقظة اُمة السودان .

هذه الإستراحة المقترحة من عناء التشاكس والفشل الذي طال و إستطال ، تتطلب إستقراراً سياسياً و قبولاً مجتمعياً من كافة الكيانات القومية و المحلية لكي تُعاد صياغة الحياة في السودان بعد التيه الذي خلقناه بأيدينا لأكثر من ستة عقود . ليس هذا فحسب، بل الأمر يُحتم التفكير خارج الصندوق أو خارج الأُطر التقليدية . فالوضع الذي نحن فيه الآن وما يحيط بنا من بؤس و مسغبة و تنازع و إنهيار مجتمعي ، هو أسوء مما كان عليه الحال أيام الإستعمار . ويزيد الأمر حرجاً أن كل ذلك حدث بأيدٍ سودانية إخترنا بعضها عبر إنتخابات يُقال أنها حرة ، ولكنها لم تكن كذلك ابداً ، و حكمنا بعضها الآخر عنوة باسم الجيش حنثاً بقسم أدوه أمام الله و أمام الناس . ولهذا ولغيره يبقى الجيش و نزعاتِه الإنقلابية هو الخطر الحقيقي المهدد لطموحات الأُمة ، ولذا لا بد من تحييده و إعادة بنائه ، هيكلةً وعقيدةً و تنظيفاً من الجهوية والحزبية . لكن حجم الدمار الذي أصاب بُنية الجيش في عهد الإنقاذ ربما يصعب أو يستحيل علاجه بدون تسريح الجيش تماماً و إيكال أمر حفظ حدود الدولة إلى قوات دولية وربما يكون المتوفر منها حالياً في دارفور وغيرها يكفي لأداء المهمة الجديدة لأن الوصاية الدولية على البلاد ستنهي الحاجة التاريخية للمنازعات العسكرية المؤسفة بين الهامش والمركز . وتسريح الجيش أو إعادة صياغته يعني بالضرورة إنهاء كل تشكيلات عسكرية أُخرى . نظامية وغير نظامية ، ما عدا منظومة الشرطة ذات المهام الشرطية المتعارف عليها دولياً .

ليس بالجيش وحده يتزعزع الإستقرار فللأحزاب و منظمات المجتمع المدني الكثير من الآليات والنشاطات التي أعاقت في الماضي تحقيق مطالب الأُمة في الإستقرار والتنمية المستدامة ، و الكثير مما يمكن أن تعيق به الإستقرار المسنود دولياً المستهدف للسودان وأهله . ولهذا من الضروري أن تقتنع القيادات السياسية والنقابية التقليدية بأنها قد نضب معينها ، وضاع السودان بين ثنايا نشاطاتها ، ورضخ بما يكفي لأطماع آل المهدي و آل الميرغني و أهل اليسار و الإسلام السياسي . إن الوطن في حاجة إلى تنظيمات سياسية و مدنية متفهمة لحاجة الأُمة السودانية للخروج من دائرة الفشل المفرغة والإنطلاق نحو تكوين أُمة معافاة من كل ما كبلها و عطل حركتها ، وجعلها تتقهقر إلى الخلف بخطى فاقت كل تصوُر وخيال .

لا بد من التنحي الطوعي لتلك القيادات التقليدية السياسية والنقابية و ترك الأمر للشباب لإعادة صياغة الأحزاب و المنظمات المدنية ، فكرياً و تنظيمياً ، ولتبقى عائلتا المهدي و الميرغني بعيداً عن السياسة ، دعك من الهيمنة عليها بالإغراء و التمويل و الدجل. فليتركوا الأُمة السودانية تحقق مطالبها وترسم مستقبلها بعيداًعن ختمية مدعاة ، و مهدية مزعومة ، و كفى دجلاً و خرافة و صوفية ترعرعت بشكل ملفت و معيق ، بخاصة في عهد الإنقاذ ، تحقيقاً لقول إبن خلدون قبل مئات السنين بأن الصوفية تزدهر في فترات الإنحطاط المجتمعي ، وياله من إنحطاط تدهورنا له بعد ستين عاماً من إعلان إستقلال دولتنا التي يخاف العالم من يقظتها ، بينما عمل بنوها للوصول بها إلى ما نحن فيه من إنحطاط سياسي و إقتصادي و أخلاقي.

كل ما جرى إستعراضه يأتي في إطار مطلب أساسي للأُمة السودانية وهو تحقيق الإستقرار و التنمية المستدامة عن طريق القفز بالإقتصاد السوداني في جو معافى و بطرق مبتكرة وغير تقليدية من الطبيعي أن تتمحور اساساً حول الزراعة لتضع السودان في طريق الكفاية والتصنيع الزراعي تمهيداً للإكتفاء الذاتي أولاً ، ومن ثمَ الإنطلاق نحو تحقيق حلم أن يكون السودان سلة غذاء الاقليم و العالم بما حباه الله به من أرضٍ وماءٍ ومزارع كفء إذا توفرت له الإمكانات الإدارية اللازمة و التقنيات الحديثة و التمويل الكافي و الرعاية الإجتماعية التي تجعل منه إنساناً منتجاً برضىً وكفاءة .إن تجربة مشروع الجزيرة في فترة إزدهاره يمكن إستدعاءُها بثلاثيتها المعروفة : شركة و حكومة و مزارع مع تطوير يرتكز على ما برز فيها من سلبيات . وبمثل هذا المفهوم يمكن للمشروعات الزراعية الكبرى في السودان أن تستعيد ألقها بشقيها الزراعي والحيواني ، على أن يكون التصنيع الزراعي محوراً اساسياً للإستهلاك الداخلي والتصدير ، فهو يجعل للنشاطات الزراعية قيمة إضافية مقدرة و مطلوبة .

وفي إطار الإبتكار و التفكير غير التقليدي مضمون العائد السريع ، يمكن خلال فترة العشرِ سنوات المقترحة تنفيذ قفزة تنموية ولائية عن طريق تحديد ثلاثة مشروعات كبرى لكل ولاية في مجالات التنمية الإقتصادية ،والتعليم والخدمات والبنى التحتية ، وتكليف مؤسسات إستشارية عالمية معروفة لتقديم دراسات جدوى لتلك المشروعات ومن ثَمَ عرض مشروعات كل ولاية على حدة على واحدة من الدول الصديقة لتتبناها وتنافس بها الدول الأُخرى مما يخلق منافسة حميدة بين الدول الصديقة تدفع بتنمية الولايات جميعها لتقريب الشقة التنموية بينها وبين المركز ، تشجيعاً للهجرة المعاكسة للأقاليم ، وتخفيفاً للتكدس البشري غير المنتج في الخرطوم وعواصم الأقاليم .

وتحقيق هذا المطلب يقتضي التركيز على الأصدقاء في الدول الغربية مثل بريطانيا و أمريكا و ألمانيا و فرنسا و إيطاليا و النرويج و الإبتعاد عن الصين المتورطة في الكثير مما أقعد بالإقتصاد السوداني ، وكذلك الإبتعاد عن الدول العربية لأن مراميها ذاتية ، في الغالب ، ولا تملك التقانة اللازمة ، وفي تجاربها مع الإستثمار الإنقاذي الكثير من علامات الإستفهام .

وبعد ، فإن هذه صرخة نجددها بعد قرنٍ من صرخة علي عبداللطيف تطلعاً لتحقيق بعض مطالب الأُمة السودانية عبر بداية جديدة و بشكل غير تقليدي بعد أن ضلت البلاد الطريق إلى الإستقرار السياسي والتنمية المستدامة ، مع القناعة بأن كل الحلول لا بد أن تبدأ بزوال دولة الإنقاذ ، طوعاً أو كرهاً ، فهي لا مكان لها سوى مزبلة التاريخ . عندها فقط يمكن أن يتحقق السودان الذي حلم به الآباء المؤسسون وإفتقدته الأجيال اللاحقة ولا تزال الساقية تدوووووور .

ولك الله يا وطني
بروفيسور مهدي أمين التوم
[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى