أخبار مختارة

إقصائيون نعم… ديكتاتوريون لا!

فتحي الضَّو

مثل كل الحُواة لن يعوز العُصبة المُندحرة إعادة إنتاج حيلهم وأساليب الفهلوة التي درجوا عليها طيلة سنوات حكمهم المشؤومة. إذ طفقوا يتباكون الآن ويرمون الآخرين بممارسة الإقصاء ويصمونهم بالفشل، في حين أن ذلك من صُنع أيديهم. ولا يخفى على أحد أن أفعالهم هذه تنم عن ضربة استباقية هدفها ترهيب وترعيب الخلق من مآلات أن تأخذ الثورة مداها. وفي نفس الوقت يظنون أن ذلك سيكفل لهم استدرار عواطف الناس والظهور بمظهر البريء الذي ضُربت عليه الذِّلَّة والمسْكنة. كما لا يخفى على أحد أيضاً أنهم يرومون مواصلة حياة الاستغفال والاستهبال والأبلسة التي تمرسوا عليها سنين عددا (كأننا يا بدر لا رُحنا ولا جينا). والغريب في الأمر أن تلك المسرحية الهزيلة والسمجة التي تجري فصولها الآن، تُمارس قبل أن تأخذ الثورة مجراها وتصل لمرساها، بإقامة أركان دولة الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمساواة والسلام، فأنَّى يُؤفْكون!

(2)

في واقع الأمر لم تكن بيادق الحركة الإسلاموية وحدها التي تُشيِّع مصطلح الإقصاء. فقد شاطرهم الانتهازيون الذين صنعوهم وكانوا ينتظرون على الأرصفة لتُرمى لهم فتات السلطة. وشاركهم الذين صمتوا عن قول الحق في وجه الظلم والسلطان الجائر. وقاسمهم الخطيئة أيضاً الذين خدعوا أنفسهم بالوقوف على الحياد في أوقات المعارك الأخلاقية العظيمة، أي الذين بشَّرهم مارتن لوثر كنج بحجز أماكنهم في الجحيم. فما الذي يمكن أن يرتجيه المرء ممن سفكوا الدماء، وحكموا بالحديد والنار، وعاثوا في الأرض فساداً؟ ما الذي يتأمله الناس من شرذمة أقاموا دولة الاستبداد وتباروا فيها بإذلال العباد؟ هل مطلوب من الثوار استقبالهم بالزهور والورود وأهازيج (طلع البدر علينا من ثنيات الوداع)؟!

(3)

من ذا الذي يُوصم بالإقصاء، هل الذي ارتضى الديمقراطية منهجاً أم الذي تآمر على سلطتها وانقلب عليها بليل، وروج لكذبة بلقاء كشفت خبايا النية وسوء الطوية؟ أوليس الذي يُوصم بالإقصاء هو من دالت له السلطة وشرع في فصل أكثر من مئتي ألف من العاملين في الخدمة المدنية والقوات النظامية، وجعلهم يهيمون على وجوههم بين عشية وضحاها؟ أوليس من مارس سياسة الإقصاء هو من لم يكتف بمصادرة الحريات بل صادر أرواح معارضيه قتلاً وسحلاً وتنكيلاً؟ أوليس الذي مارس الإقصاء هو من زج بهم في السجون والمعتقلات وبيوت أخرى سيئة السمعة؟ أوليس الذي مارس الإقصاء هو من فتح منافذ البلاد على مصراعيها ليخرج منها مواطنوها حتى تبعثروا في المنافي والمهاجر وديار الاغتراب؟ من ذا الذي يُوصم بالإقصاء.. أهو من أشعل الحروب في كل بقاع الوطن، أم الذي اكتوى بنيرانها؟

(4)

هل ثمة من يطعن في الديمقراطية الألمانية ويتهم الدولة بالإقصاء لأنها حرَّمت تأسيس حزب نازي؟. بل ليس ألمانيا وحدها، فهل يستطيع أي مواطن أمريكي أن يُعلق (الصليب المعكوف) رمز النازية على صدره بدعوى ممارسة الحرية المنصوص عليها في دستور البلاد؟ هل بمقدور أي مواطن أمريكي ينعم بالديمقراطية أن يؤسس منظمة أو حزباً يدعو لمكارثية جديدة؟ هل يمكن لأحد ضباط الجيش البريطاني أن يصحو فجراً لتنفيذ انقلاب ينتهك الدستور، على الرغم من أن بريطانيا التي ألهمت معظم دول العالم ديمقراطيتها (وستمنستر) ليس فيها دستور مُدون حتى الآن؟ وهل تدَّعي حكومة محترمة في العالم أن بإمكانها أن تفعل ما فعله الأبالسة أنفسهم في ما سموه (التمكين) والذي آلت فيه الدولة بإمكانياتها لمنسوبيهم فقط؟ ولا أدري كيف يحق لفاسد فَعَل كل هذه الجرائم أن يتحدث عن الحريات التي حرَّمها على الذين ثاروا عليه؟

(5)

لماذا تندلع الثورات؟ بالطبع تندلع الثورات من أجل (كنس) كل (نُفايات) النظام الساقط بعد أن ثارت عليه الجماهير. حدثونا يا من تدَّعون البراءة عن ثورة في التاريخ جاءت من أجل الحفاظ على دولة فاسدة منحطة كما دولة الإسلامويين؟ بهذا المنظور وليس منظور الأبالسة نقول نعم للإقصاء، حماية للحرية وصوناً للديمقراطية واحتراماً لحقوق الإنسان. نقول نعم للإقصاء حرصاً على الوطن من عبث المتربصين، ووخياً لدولة القانون وتطلعاً لاكتمال أركانها التنفيذية والتشريعية والقضائية. ولو كان الأمر مثلما كانوا يمارسون، لما رضي هذا الشعب الكريم بأقل من تعليق المشانق على قارعة الطرقات، ونصب الخوازيق في الميادين العامة، وملء السجون بالقردة المجرمين، الذين قتلوا وعذبوا وطغوا في البلاد. وذلك من قبل أن تُفتح الصحائف لإقامة فسطاط العدل. ولكن هذا الشعب العظيم يعرف متى يكظم غضبه ومتى يمهل ولا يهمل!

(6)

 نعم للإقصاء الذي يُخوِّل للسلطة الجديدة ممارسة الشرعية الثورية بتطبيق (العزل السياسي) لكل من شارك في السلطة الشمولية الثيوقراطية الاستبدادية، ولكل من ساندها بالقول المكتوب والفعل المشهود، ولكل من ساعد في توطيد أركانها بأي من وسائل التمكين. ونعم للعقوبة العدلية التي تفتح السجون لكل من ارتكب جُرماً وعاث فساداً ومارس استبداداً. ولتنصب المشانق في دولة القانون والشرعية الثورية لكل مجرم أزهق روحاً أو هتك عرضاً أو فرط في سيادة الوطن، فقد ولى زمان (عفا الله عمَّا سلف) بعد أن جرت الدماء أنهاراً، فالتهاون في تطبيق الفريضة الغائبة وهي العدالة – ثالث ثلاثة في شعارات الثورة – كان حافزاً للفلول لأن ينهضوا، لظنهم أن الثورة يمكن أن تؤخذ على حين غفلة!

إقصائيون نعم.. ديكتاتوريون لا! 

لقد ذقنا مرارة الاثنين معاً واكتوينا بنيرانهما عهوداً أمداً… وتعلمون أنه لا يحس ألم الإقصاء إلا من يكابده، ولا يعرف مرارة الديكتاتورية إلا من يعانيها، والديمقراطية راسخة ولو كره الكافرون!

تنويه: كنا قد استخدمنا هذا العنوان قبل نحو عامين تقريباً وتحديداً في أبريل 2019م أي بعد سقوط النظام البائد مباشرة، مما يعني – دونما مواربة – أننا ما زلنا نتنكب الطريق في ثورة كاملة الدسم – فما أشبه الليلة بالبارحة – ولذا فقد وجب تكرار العنوان لعل الذكرى تنفع الثائرين!

آخر الكلام: لابد من المحاسبة والديمقراطية ولو طال السفر!

[email protected]

‫5 تعليقات

  1. (نعم للإقصاء الذي يُخوِّل للسلطة الجديدة ممارسة الشرعية الثورية بتطبيق (العزل السياسي) لكل من شارك في السلطة الشمولية الثيوقراطية الاستبدادية
    بس دي برضو معناها نعم للفقر والبؤس والاحتراب الداخلي وعدم الاستقرار
    نعم لاستمرار التدهور المريع في حياتنا الاجتماعية
    نعم للانحدار الاقتصادي الذي استمر منذ فجر الاستقلال ولم ينتوقف لجظة واجدة لأننا لم نعرف معنى التعايش الايجابي
    نعم للمعارضة أن تمارس سياسة الانتقام من الوطن كما هي تجربتنا منذ الاستقلال
    نعم للكيزان أن يكونوا أداة طيعة في يد المخابرات الاجنبية وتقديم كل الدعم لهدم السودان كما فعلت المعارضة التي هي الحكومة الان حيث يقول قمر انهم من صاغوا مذكرة ادراج السودان في الدول الراعية للارهاب وانه حتى الان غير نادم على ذلك!
    نعم للبوم ينعق في السودان الى أن يهئ الله لها مهاتير محمد جديد لا يساري سعران ولا يميني فاسد عشان يعرف كيف يلمو ويفوم بيه بمبادئ ساس يسوس وليس مبادئ الكراهية والانتقام والاقصاء النتي يدعو لها الكاتب علنا ولا يحدثنا عن مالاتها ولا عن الحقيقة العلمية الراسخة بأن لكل فعل رد فعلا مساو له في المقدار ومضاد له في الاتجاه! واي اعتقاد غير ذلك فهو من الغفلة الجهلاء

  2. عدمية ونفاق الداعين الى عدم الإقصاء*

    مقولة عدم الإقصاء مقولة عدمية (تافهةو) تنفي مشروعية قيام الثورة ابتداءً. وإلا لماذا قامت الثورة ..وضد من قامت ؟!! وكيف لأهدافها ( حرية سلام عدالة ) أن تتحقق من دون شعارها العظيم ( أي كوز ندوسو دوس ) و ( تسقط بس ) .
    فالثورة هدم وإزالة لبناء قائم “لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيم” ثم قيام بناء جديد على أنقاض القديم.
    كل ذلك يتم بمفهوم ومنطق المقابلة وبضدها تتبيّن الأشياء.
    الصراخ في هذه الدائرة يعلو والكلام عن العفو عن المجرمين وأقوام ما زالوا يحملوا في أيديهم المدى والخناجر وأدوات القتل والتنكيل بالثوار السلميين، لا ينطق به إلا مجرم.
    فالموقف من هؤلاء الكذبة المتاجرين بقضايا الوطن يجب أن يكون واضح.
    ومن حسن الحظ أن الفاعلين بغير وجه حق في الشأن العام جميعهم قد أختبروا وأثبتت التجارب المريرة فشلهم وخيانتهم لهذا الوطن الجريح.
    فلماذا يتصدر هؤلاء (الأشباح) الذين احترقوا ألف مرة، المشهد بعد قيام هذه الثورة العظيمة..
    وإلى متى يتم تدوير هذه النفايات الضارة الميتة!؟!
    أعتقد أن المشكلة تكمن في الموقف المبدئي من الباطل. وإعادة المحترقين.
    وسرعة الانخداع بالدين (الغرق في شبر ماء أوهام الثعالب الدينية الرافعة المصاحف على أسنة الرماح)! على الرغم من النتائج الكارثية التي ترتبت على هذا العمل المخزي، إلا أننا ما زلنا ننخدع به!!
    لماذا ؟
    لأننا مخدوعين بالمقولة الزائفة “من خدعنا بالدين انخدعنا له”
    طيب أنت إذا أردت أن تكون “مغفل” ومخدوع لماذا تريد أن تلوم الآخرين حين يصفونك بالمغفل النافع !!
    وأيضا توجد لدينا مشكلة ترتيب الأولويات، فالينظر أحدكم لو خير بين الرفاهية/الوفرة وبين الحرية ، فماذا سيختار ؟
    كما توجد لدينا مقدرة غير طبيعية في صناعة الإختلاف والانشطار غير المتناهي، وذلك بالوقوف مع الشكليات أو الأشياء التي لا تغني من حق ولا تسمن من خواء فكري أو جوع .

    * مداخلة قديمة لي في مركز دراسات التأويل تتفق مع الفكرة الرئيسية لمقالك الرصين.

    ابوبكر حسن خليفة

  3. الكاتب . وجدى..مناع ..وامثالهم .. لماذا تختذلون الثورة فى اناس معينين ؟ ولماذا دائما تتحدثون عن اشياء لاتهم المواطنين البسطاء الذين قاموا بالثورة لتغيير حياتهم للافضل . دائما تتحدثون عن النظام البائد وحجم الدمار الذى احدثه خلال الثلاثون عاما .تتحدثون عن السكة حديد والخطوط الجوية والبحرية والقوانين الدينية ومشروع الجزيرة ودماء الشهداء والعدالة والحرية والسلام و تغيير المناهج وعلمنة الدولة وخروج الدين من حياة الناس وقانون سيداو .محمد احمد لاتهمه هذه الشعارات التى تخمون بها الناس كما كان النظام البائد يتخذ الدين لافرق بينكم كلكم اقصائيون وديكتاريون ومستفزون مستحمرون ومستغلون للمواطن . كنت اتمنى من الكاتب العزيز وانا لا الومه لانه مستغل فى عقله كما نحن والاخرين الذين يرددون دائما صبرتوا 30 سنة ! كنت اتمنى من الاخ الكاتب وباسلوبه الجميل ان يتطرق لمشاكل محمد احمد الذى قام بالخرخرة من اجلها حتى ذهب الظالم غير ماسوف عليه ولكن للاسف جاءنا ظالم جعلنا نحن للقديم.لاغذاء لاتعليم لاصحة لاوقود لانقود لاامن لا ولادة .

    1. من هو محمد احمد الذي لا تهمه هذه الشعارات؟ إذا كان هذا الكلام لا يهمك، لم تعممه على كل الشعب؟ هذا الخطاب صيغ لمن ينوون فهمه. ثم إن هذه ليست بشعارات بل هي وقائع أدت لانعدام الغذاء و الصحة بأيدي الكيزان الذين لازالوا يريدون التحكم بمحمد احمد و عقله و لا زالوا يعيثون في البلاد فساداً متنامياً و يدبرون تخريباً خبيثاً رغم أنف الحادبين على مصلحة الوطن.

  4. سلام لن نويد الدكتاتورية لكن الاقصاء لأناس ليس لهم في نظام سابق ولا دخل لهم به وهل فصل احد من وظيفته بدون ذنب يعجب احد وحكام اليوم أثبتوا انهم لايستطيعون تطبيق العدالة لماذا لم يحكموا مابداخل السجون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..