اقتصاد وأعمالالمقالات والآراء

تحديات الموازنة السودانية للعام 2021

شريف إسماعيل محمد بنقو

في التاسع عشر من يناير من هذا العام تمت إجازة الموازنة في الاجتماع المشترك بين مجلسي الوزراء والسيادة وسط إهتمام تمام كبير من كافة القطاعات نظراً لما آلت إليه الأوضاع المعيشية من تردٍ كبير وذلك بعد أكثر من عام ونصف من تشكيل أول حكومة بعد ثورة ديسمبر الظافرة. تلك الحكومة التي عقدت عليها الجماهير الآمال العراض لتجاوز المحنة الاقتصادية التي إستمرت أمداً طويلًا. في هذا المقال سنقوم أولا ً باستعراض أرقام الموازنة والتعليق عليها ومن ثم مناقشة أهم التحديات التي تواجه إنفاذها وتحقيق أهدافها.

تمت إجازة الموازنة بجملة إيرادات قدرت ب 935 مليار جنيه وتعادل 16% من الناتج المحلي الإجمالي، وإجمالي منصرفات جارية قدرت ب 889.8 مليار جنيه تعادل 15% من الناتج المحلي الإجمالي وذلك بعجز كلي في حدود 1.4% من الناتج المحلي الإجمالي،وهو أمر معقول نظريًا. كما تم تقدير معدل التضخم لهذه الموازنة بنسبة 95% وذلك إستنادا ًعلى استدانة مبلغ 52 مليار جنيه من النظام المصرفي بنسبة 5.5% من جملة إيرادات الموازنة، وهي نسبة أقل من الحد الأدنى للاستدانة الذي يقدر بمعدل 15% من الإيرادات. كما تم إعتماد قيمة 55 جنيهًا للدولار و 15 جنيهاً للدولار الجمركي.

في جانب الإنفاق، جاءت تفاصيل أنصبة القطاعات المختلفة على النحو التالي:
• تعويضات العاملين قدرت بمبلغ 252 مليار جنيه بمعدل 23% من إجمالي المصروفات
• بنود معاش الناس، الدعم النقدي والسلعي، توظيف الشباب وبرنامج سلعتي قدر الإنفاق عليها بنحو 260 مليار جنيه بنسبة 24% من إجمالي مصروفات الموازنة
• قطاع التعليم استحوذ على مبلغ 137 مليار جنيه من الموازنة بمعدل 12.5% من الإجمالي و 2.3% من الناتج المحلي الإجمالي
• قطاع الصحة تلقى 100 مليار جنيه من الموازنة بمعدل 9% من إجمالي المصروفات و 1.7% من الناتج المحلي الإجمالي
• بلغت مصروفات الأمن والدفاع لمكوناته المختلفة لكل من: وزارة الدفاع، الداخلية، الدعم السريع وجهاز الأمن مبلغ 90 مليار جنيه، 53 مليار جنيه، 37 مليار جنيه و 22.1 مليار جنيه على الترتيب، وذلك بإجمالي 211.1 مليار جنيه بمعدل 19.5% من إجمالي نفقات الموازنة وذلك بزيادة حوالي 150% مما تم تخصيصه لهذا القطاع في العام الماضي.
• مصروفات مقتنيات الأصول على القطاعات المختلفة بلغت 108 مليار جنيه بمعدل 10% من إجمالي المصروفات، منها مصروفات على الطاقة والتعدين: 17.3 مليار جنيه، الصحة: 42.4 مليار جنيه والزراعة: 11.3 مليار جنيه.
• جملة الصرف على القطاع السيادي بلغت 33.9 مليار جنيه بمعدل 3% من إجمالي المصروفات موزعة على كل من مجلس السيادة، مجلس الوزراء، الهيئة القضائية، ووزارة الخارجية.
• إجمالي الصرف على السلام بلغ 54.1 مليار جنيه، بالإضافة إلى 21.5 مليار جنيه تم رصده للمشروعات ضمن قسمة الثروة. كما تم تخصيص مبلغ 13.3 مليار جنيه لصندوق بناء السلام، ومبلغ 19.3 مليار جنيه من المنحة الأمريكية.

من التقاط البارزة في هذه الموازنة في جانب المصروفات، إن التعليم وجد حظه من الاهتمام في هذه الموازنة مقارنة بالأعوام السابقة التي لم يتجاوز الصرف عليها أكثر من 1% من الناتج المحلي الاجمالي، حيث بلغ الصرف عليه في هذه الموازنة نسبة 12.5% من إجمالي مصروفات الموازنة و2.3% من الناتج.

في جانب السلام، بالرغم من تخصيص أموال لبرامج مختلفة تخص السلام، إلا أن المبالغ المرصودة تعتبر ضئيلة جداً مقابل الإلتزامات الكبيرة على عاتق الحكومة حسب إتفاقية سلام جوبا، حيث تعهدت الحكومة بتوفير مبلغ 750 مليون دولار في العام الأول للإتفاقية، أي في هذه الموازنة، بالإضافة إلى توفير مبلغ 100 مليون دولار خلال شهر من توقيع الإتفاق، علماً بأن التكلفة الكلية لبناء عملية السلام تبلغ حوالي 5 مليار دولار.

في منحى آخر يخص مصروفات القطاع السيادي والتي بلغت 33.9 مليار جنيه والتي خصصت لمجلسي السيادة والوزراء، الجهاز القضائي ووزارة الخارجية، غابت عنها مفوضيات ومؤسسات مهمة في شأن الإنتقال مثل المجلس التشريعي، مفوضيتي الإحصاء والانتخابات، حيث يثير ذلك تساؤلات مهمة حول مهام الحكومة الإنتقالية.

الزيادة الطفيفة التي حدثت في بند الأجور التي استحوذت على 23% من الموازنة، تعتبر إستكمالاً للطفرة الكبيرة التي حدثت في العام الماضي التي بلغت 569%. التحدي الماثل هو أن يتم تمويل هذا البند من مصادر حقيقية غير تضخمية كما حدث في العام الماضي.

في جانب الإيرادات، بلغ إجمالي تقديرات الموازنة 938.3 مليار جنيه، وتساهم الضرائب فيها بمبلغ 27% وإيرادات الذهب ب100 مليار جنيه بدلاً من 18 مليار جنيه في العام الماضي. كما تم تقدير المنح بنسبة 22% من إجمالي الإيرادات. كما تساهم الإيرادات الولائية بمبلغ 37.6 مليار جنيه بمعدل 4% من الإجمالي، وعائد الصناديق الولائية تساهم ب61.5 مليار جنيه، أي بمعدل 6% من جملة الإيرادات. باقي الإيرادات تم تصنيفها كأخرى ضمن الإيرادات غير الضريبية وتشمل عائدات البترول والمعادن الأخرى وأرباح المؤسسات العامة بما فيها شركات المنظومة الدفاعية والرسوم وغيرها.

المنح الخارجية المضمنة في الموازنة هي: منحة أمريكية بقيمة 700 مليون دولار، ومنحة من البنك الدولي بمبلغ 170 مليون دولار ومنحة عينية من الولايات المتحدة في شكل قمح بقيمة 20 مليون دولار. الحكومة أكدت أن هذه المنح والإعانات شبه مضمونة واتخذت خطوات في تنفيذها وذلك لتفادي ما حدث في الموازنة الماضية من اعتمادٍ كبير على منح وقروض لم تتحقق مما ترتب عليه، مع ضعف تحصيل الإيرادات اللجوء إلى الإستدانة من البنك المركزي بإفراطٍ أدى إلى إرتفاع حاد في معدلات التضخم وتدهور في قيمة العملة الوطنية.

لتحقيق أهداف هذه الموازنة في جانب الإيرادات، اتخذت الحكومة سياسات ضريبية توسعية تمثلت في زيادات رأسية لضرائب أرباح الأعمال بنسبة 100%، من 15% إلى 35%، وضريبة المصانع والمنتجات الصناعية ب 50%، من 10% إلى 15%. كما تمت زيادة ضريبة القيمة المضافة على الإتصالات من 35% إلى 40%, وزيادة الرسوم على المعاملات الحكومية بنسب تتراوح بين 40% إلى 100%. بالإضافة إلى فرض ضريبة جديدة على شركات الإنتاج الزراعي والحيواني.

التحدي الذي يواجه الموازنة في هذا الصدد هو مدى قدرة هذه السياسات في تحقيق الإيرادات المستهدفة. في الواقع أن الهيكل الضريبي في السودان يعاني من تشوهات ومشاكل جوهرية تتمثل في ضعف مساهمة الضرائب في الناتج المحلي الإجمالي والتي قدرت ب 3,5% فقط في العام 2020، والتي تعتبر ضمن المعدلات الدنيا على مستوى العالم، إذ يعتبر الحد المعقول هو المساهمة ب 12% على الأقل من الناتج المحلي الإجمالي. إضافة إلى أن الإيرادات الضريبية يغلب عليها الضرائب غير المباشرة التي تساهم بأكثر من 80% من إجمالي الإيرادات الضريبية، وهو أمر غير مرغوب فيه نظراً لإعاقة مثل هذا النوع من الضريبة للإنتاج والاستثمار والتصدير، وبالتالي النمو. مقابل ذلك تعتمد الحكومة على أقل من 20% من إيراداتها الضريبية على الضرائب المباشرة مثل ضرائب الشركات وأرباح الأعمال والدخل الشخصي والتي تتصف بالكفاءة والعدالة ووفرة العائد. إذًا الإصلاحات المعلنة ذات الطابع الرأسي في هذا الصدد ليست هي بكافية لوحدها، والأهم من ذلك هو التركيز على إلغاء الإعفاءات الضخمة التي لا زالت تتمتع بها بعض المؤسسات الكبيرة وكذلك معالجة أمر التهرب الواسع خاصةً في جانب الضرائب المباشرة، وإصلاح قانون الاستثمار الحالي الذي يتضمن إعفاءات ضريبية هائلة. إن القيام بهذه الإصلاحات ونجاحها في تمويل الموازنة من مصادر حقيقية غير تضخمية رهين بتوافر إرادة سياسية صادقة وتوافق كبير بين الشق المدني والعسكري الذي يعتقد بأنه معني كثيراً بهذه التشوهات.

التحدي الكبير الذي يواجه هذه الموازنة هو تثبيت معدل التضخم عند 95% حتى نهاية العام. وقد جاء ذلك بناءًا على إلتزام الحكومة بالإكتفاء باستدانة مبلغ 52 مليار جنيه من الجهاز المصرفي بدلًا عن 200 مليار جنيه في العام المنصرم. الذي حدث في الموازنة الماضية هو أن الحكومة بعد عجزها عن تمويل العجز المالي من مصادر حقيقية، لجأت إلى الاستدانة من البنك المركزي بإفراط، ليتسبب ذلك في إرتفاع معدل التضخم إلى 269% بنهاية العام، حسب الجهاز المركزي للإحصاء، بالإضافة إلى إنخفاض سعر الصرف. ولسوء حظ هذه الموازنة، وقبل نهاية الشهر الأول منها، ولأسباب مختلفة، انخفض سعر صرف الجنيه مقابل الدولار بشكل متسارع ليتجاوز حاجز الثلاثمائة وربما الأربعمائة جنيه، مما سيدفع ذلك بلا شك تكاليف الإنتاج وأسعار السلع المستوردة (لعدم مرونتها) نحو الإرتفاع مجدداً، وبالتالي ارتفاع آخر في معدل التضخم ليجعل من هدف تثبيته في نسبة 95% أمرًا في غاية الصعوبة.

تحدٍ آخر يواجه هذه الموازنة هو الإبقاء على سعر صرف الجنيه مقابل الدولار في 55 جنيهًا، والدولار الجمركي في 15 جنيه. ويبدو هذا الأمر بعيدًا جداً عن الواقع، إذ أن سعر الصرف الموازي يفوق السعر الرسمي بأكثر من 500% أو بخمسة أضعاف، حيث يؤكد ذلك أن السعر الرسمي الذي تحتفظ به الحكومة لا قيمة لوجوده في الواقع ولا يعمل البتة، وبات مؤكدًا أن نظام سعر الصرف المدار الذي تنتهجه الحكومة باءت بالفشل في ظل غياب احتياطيات كافية من النقد الأجنبي لدى البنك المركزي لاستخدامها في إدارة سعر الصرف في حالات الطلب المتزايد. ولعل الحكومة تدرك هذه الحقيقة الواضحة ولكنها، ولأسباب سياسية لم تشأ مواجهتها، ويبدو أنها استدركت هذا الأمر مؤخراً وأخذت في البحث عن حلول أخرى نحو التعويم المتدرج، إذ يجري الآن صياغة سياسة جديدة تستهدف جذب تحويلات المغتربين على أساس سعر السوق الموازي، وربما هذا الإتجاه هو الأقرب للواقع نسبيًا، ويعتمد نجاحه أيضاً على توفر قدر معقول من النقد الأجنبي، بالإضافة إلى الظروف الفنية المناسبة من نظام مصرفي مؤهل تستطيع من خلاله البنوك التجارية والصرافات التعامل بالنقد الأجنبي مع المؤسسات المصرفية العالمية التي ذهبت بعيدًا جداً في هذا الإتجاه خلال العقود الثلاثة الماضية.

في القطاع الخارجي قدرت قيمة الصادرات في موازنة هذا العام ب 3.8 مليار دولار مقارنة ب 2.85 مليار دولار في موازنة 2020 المعدلة، بعد أن كانت 4.14 مليار دولار في بداية الموازنة. كما تم تقدير الواردات في هذه الموازنة ب 8.2 مليار دولار ليبلغ عجز الميزان التجاري 4.14 مليار دولار. في هذا الصدد، وبما أن واردات السودان تعتبر سلعًا أساسية منخفضة المرونة مثل القمح والوقود ومدخلات الإنتاج والأدوية، فإن التحدي الأكبر يكمن في ترقية الصادرات لمعالجة هذا الخلل. ورغم أن الإعتماد الأكبر في صادرات السودان على الثروة الحيوانية التي يمتلك السودان فيها نحو 107 مليون رأس، حسب إحصاءات الثروة الحيوانية، إلا أن صادر هذا القطاع يواجه مصاعب جمة، حيث قدر صادر هذا القطاع في العام 2020 ب 2.3 مليون رأس فقط مقارنة بمتوسط 7 مليون رأس في السنوات الماضية، وذلك لأسباب فنية تتعلق بالمواصفات وأخرى صحية وإدارية. ولا شك أن الإهمال الذي طال هذا القطاع والقطاع الزراعي بشكل عام تسبب في ضياع حجم مقدر من النقد الأجنبي كان بإمكانه تخفيف العجز الكبير في الميزان التجاري.

وللإفادة من ميزة الانفتاح الاقتصادي التي لاحت مؤخراً بعد رفع إسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب وعلى إثرها توفر إمكانية جذب الاستثمار الأجنبي المباشر، يبقى الشرط الضروري لذلك هو إصلاح بيئة الأعمال. وبالنظر إلى تقرير البنك الدولي للعام 2020 الخاص بهذا الشأن، والمعنون ب” بيئة الأعمال المقارنة لمائة وتسعون اقتصاداً)، جاء وضع السودان وفق مؤشراته سيئًا للغاية، في مجالات تعتبر أساسية منها على سبيل المثال:
• في مؤشر إمكانية الحصول على التمويل، جاء ترتيب السودان رقم 176 من أصل 190 دولة في التقرير بواقع 15 نقطة من 100
• في جانب التجارة الخارجية (الصادرات): أحرز السودان المرتبة 185 من 190 بتسعة عشر نقطة من مائة
في مؤشر الحصول على الكهرباء جاء ترتيب السودان في المركز 162

بالنظر إلى هذه التركة الثقيلة في هذا الجانب، تنتظر الحكومة مهمة عسيرة لتحسين هذا الوضع حتى يتمكن السودان من استغلال موارده الضخمة الكامنة لتسهم في عملية الإنتاج والاستثمار والنمو. ولا شك أن ذلك يتطلب أن تكون مهمة وزارتي التجارة والاستثمار مختلفة وأساسية في الحكومة الجديدة بحيث تتمكنان من القيام بهذا العبء العسير.

ختامًا، ومن نافلة القول أن التحديات الراهنة التي تواجه الحكومة الإنتقالية أكثر جدية هذه المرة لتزامنها مع مصاعب عدة أهمها الإنخفاض المتسارع في قيمة العملة الوطنية والتي ترتب عليه إرتفاع أكبر في المستوى العام للأسعار، بالإضافة إلى تزايد حالة التشرذم والتجاذب التى تشهدها الساحة السياسية بين شركاء الحكم مما يجعل من أمر توحيد إرادة التغيير في الأوضاع الاقتصادية السائدة أكثر تعقيدًا. وتحت كل هذه الظروف، ولوقف هذا التدهور المريع ولضمان إنفاذ الإصلاحات الاقتصادية المقترحة، يبقى أمر الحصول على قدر معقول من النقد الأجنبي بشكل عاجل شرطاً ضروريًا لاستقرار سوق النقد الأجنبي ومن ثم إنقاذ الوضع من الإنهيار الكامل الوشيك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى