مقالات، وأعمدة، وآراء

التعويم والدولرة… (مسكين ضقل.. جربان ياكل بعينه)

معلوم للكافة أن الاقتصاد السوداني… مثله مثل السياسة السودانية يعاني من اختلالات هيكلية في سياساته الكلية المالية والنقدية والتجارية والاجتماعية والاستثمارية ولا يمكن معالجتها إلا في إطار حزمة كلية واحدة مدروسة وتنفذ من خلال خطة استراتيجية ديناميكية استباقية شاملة ولا يمكن معالجتها بإجراءات جزئية معزولة، بل إن المعالجات الجزئية قد ثبت إخفاقها مراراً بل أدت إلى تعميق وتوسيع واستدامة تلك الاختلالات. أعلن السيد وزير المالية والتخطيط الاقتصاد د. جبريل إبراهيم ومحافظ بنك السودان المركزي الفاتح عن تعويم الجنيه السودانى والذي سبقه رئيس الوزراء بإعلانه قبل حوالي ثلاثة أيام أن قرار التعويم قد تم اتخاذه وأصدر بنك السودان المركزي نشرة من عدة صفحات عن آلية تنفيذ تلك الإجراءات. ماذا يعني هذا التعويم؟ يعني أن الجنيه السوداني الذي كان عند الاستقلال في العام ١٩٥٦ يساوي ثلاثة دولارات وأربعين سنتاً أصبح الدولار اليوم وبالسعر الرسمي الذي أعلنه محافظ بنك السودان المركزي يساوي ٣٧٥ جنيهاً سودانياً، بعد أن كان سعره الرسمي فى البنك المركزي  والذي تتم به تسوية ومعادلة ديون السودان خمسة وخمسين جنيهاً وبعد أن كان الدولار الجمركي ثمانية عشر جنيهاً فالآن أصبح الاقتصاد السوداني مدولرًا بالكامل وأي حديث عن أن ذلك سيؤدي إلى خفض ديون السودان حديث لا أساس له من الصحة.

وحديث وزير المالية أنهم قد تلقوا منحاً خارجية وفي الطريق مزيد من المنح، حديث خارج السياق. والمنح بالضرورة تعني أن هنالك أموالاً بالعملات الحرة تم إيداعها خزينة البنك المركزي وهذا بالضرورة يؤدي إلى تقوية موقف العملة الوطنية وإذا كان المزيد متوقع فهذا كان الأوفق أن تخفض السعر الرسمي إلى أدنى ولا تستبقه إلى أعلى. والمنح الموعودة أفضل رد عليها ما رد به الدكتور هنري كيسنجر وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية ووزير الخارجية البريطاني على الرئيس المصري الأسبق أنور السادات حين قام بطرد الخبراء الروس وذلك ما كانت تتمناه كل الدول الغربية وبأغلى الأثمان ولكن فعل قبل قبض الثمن فكان ردهما المرة القادمة لا تعطِ ما لم تقبضDon’t

 

Let Go before you get first

 

وهذا نصح مجاني قدمناه للحكومة السابقة كثير وللحكومة الحالية مرارًا. الدول الغربية ليست بسبيل منح أو دعم لأية دولة إلا بشروط والدولة هي التي تضع شروطها Give and Take

الدول الغربية عموماً دول عجوزات مالية وليست دول فوائض ودول الفوائض معروفة وهي الصين.. روسيا.. السعودية… قطر… الكويت.. الإمارات ودول البريكس.

الدول الراشدة التي قامت باتخاذ إجراءات لإحداث قدر من المرونة في سعر صرف العملة الوطنية حصلت اولًا على منح بعشرات المليارات من صندوق النقد الدولي ومن الدول الخليجية العربية مثل جمهورية  مصر العربية. والتي أكدت على استمرار سياساتها الداعمة لاقتصادها الوطني في كافة جوانبه وقطاعاتها الزراعية والصناعية والخدمية والاجتماعية ومثالاً لذلك أبقت على سعر الخبز المدعوم ولعشرات السنين خلت بعشرين قطعة خبز بجنيه مصري واحد. وكذلك على أسعار الأدوية وتكلفة المستشفيات والعلاج والنظام التعليمي. وأهم ما فيها هو ثبات السياسات المدروسة والأنظمة الإدارية وهياكل الحكم المستقرة. ولم نسمع بزيادة في عدد الوزارات أو المحافظات وغيرها. ويتحسن ميزانها التجاري باطراد وتتحسن صادراتها المصنعة كاملة التجهيز.

نحن في السودان هنالك وفرة في الموارد المتاحة للإنتاج وطاقات التجهيز Installed Capacities

غير المستغلة لكافة المنتجات مثل طاقات عصير الزيوت التي هي أربعة أضعاف الاستهلاك تقريباً ومع ذلك تسمح الدولة بصادر الحبوب الزيتية وقس على ذلك بقية الموارد التي تصدر مثل الحيوانات الحية والصمغ والقطن. وليس أدل على عدم الرشد من أن تجد دولة تصدر الذهب الذي تتكالب كل الدول على اقتنائه وتكديسه لأنه أضمن احتياطي لدعم العملة الوطنية واستقرارها ورفع قوتها الشرائية في السوق لدى المواطن. أما ما تم اليوم الواحد والعشرون من شهر فبراير من العام ٢٠٢١ فسيجعل الحياة للمواطن جحيماً لا يضاق وسيتعمق عجزه عن الإيفاء باحتياجاته في إنتاجه واستهلاكه وسيصدق على الكثيرين من الناس القول السائد ” مسكين ضقل وجربان ياكل بعينه.”

وستتحول حياة أصحاب الدخول المحدودة بالجنيه السوداني الغارق وليس العائم مقابل الذين يتقاضون أجورهم بالدولار خارج السودان أو داخل السودان من العاملين مع المنظمات الأجنبية ولا عزاء لمحمد أحمد وآدم ومحمد صالح وأدروب وجبريل وفطومة.

بل وستزداد ويتعمق عجز  الحكومة عن الايفاء بالتزاماتها نحو الدولة والمواطن.

الحل هو الاهتمام الحازم بكمال دورة سلاسل القيم لكل المنتجات وإيقاف صادر الخام تحت أي ذرائع مع فتح الاعتمادات للصادرات  للبنك المركزى مباشرة وبالسعر العاجل وإيقاف صادر الذهب والحصول على منح وودائع من دول الفوائض لا تقل عن عشرين مليار دولار وإيقاف الجري وراء السراب.

ولقد أسمعت لو ناديت…..

د. عثمان البدري

مدرس تحليل السياسات العامة واستشاري التخطيط الاستراتيجي. جامعة الخرطوم

[email protected]

محتوى إعلاني

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..