أخبار السودان

أبرز مشاكل قطاع الكهرباء في السودان والمعالجات الممكنة

خلال الأسبوع الماضي، صرح وزير الطاقة والنفط، جادين علي حسن، لوسائل إعلام محلية، عن عزمه وضع خطة جديدة يجري تنفيذها، لمجابهة قطوعات فصل الصيف. موضحًا أن الخطة التي أشار إليها تتلخص في صيانة المحطات المعطلة وشبه المتوقفة لزيادة الإنتاج الكهربائي من التوليد الحراري.

وشهدت البلاد خلال الأشهر الماضية قطوعات مطولة للتيار الكهربائي، بالفترتين المسائية والنهارية، ويصحب ذلك نوع من التعتيم الحكومي على الأسباب الفعلية خلف ذلك، مع استمرار الإهمال الحكومي، وركونه للأمر الواقع، بدلًا عن السعي لتطوير هذا القطاع المهم والحيوي.

تصريح الوزير المُعين حديثًا، يثير عدة تساؤلات حول إنفاذ خطته الرامية لاستمرار التيار الكهربائي، أثناء الصيف القادم، فالتصريح بدا غير واقعي لجهة المشاكل الكبيرة والمتراكمة بقطاع الكهرباء في السودان.

ويُعاني قطاع الكهرباء السوداني، من مشاكل في التخطيط، وسوء الإدارة، إضافة لمشكلات هيكلية وفنية مستعصية.

ففي فترة الذروة النهارية والمسائية، بلغت نسبة العجز في تغطية الطلب على الكهرباء أكثر من (50)%، ويمكن إرجاع مشاكل الطاقة الكهربائية في السودان إلى عدة أسباب، من بينها عدم وجود خطط محددة ومدروسة، إضافة للفاقد الكبير في شبكات توزيع الكهرباء، مع الزيادة السنوية في الطلب بنسبة تتراوح من (15) إلي (20)%، وتشير إحصاءات تحصل عليها “الترا سودان”، إلى أن نمو الطلب على الكهرباء في السودان أسرع بالمقارنة ببلدان المنطقة الأخرى، فبين عامي 2013 و 2017، زاد الطلب على الكهرباء بنسبة (70)%، بمعدل متوسط قدره (11.3)% كل عام.

و تحصل “الترا سودان” على تقرير، أعده مهندسون لتوضيح مشاكل قطاع الكهرباء في السودان، عن طريق وضع حلول للإصلاح.

التقرير المشار إليه، عُرض لجهة وزارية ولجهات تنفيذية، بغرض دراسته، ووضع خطط لتنفيذ المقترحات التي وردت فيه، الأمر الذي لم يحدث حتى الآن.

وتعد أبرز الأسئلة فيما يختص بقطاع الكهرباء، هي كيفية استقرار الإمداد الكهربائي واستدامته، فلا يمكن بأي حال تصور تنمية أو حدوث نهضة اقتصادية، في ظل الواقع المتردي الذي يشهده القطاع.

يبدأ التقرير بالإشارة إلى واقع المرفق وعلاقته بالدولة العميقة التي كونها النظام البائد، فالقطاع خضع لسياسات التمكين الذي مارسته وحدة تنفيذ السدود، والتي اعتبرت المرفق موردًا للمال المُجنب.

فمع المبالغ الطائلة التي يتم تحصيلها، لم يتم الصرف على صيانة محطات التوليد وشبكات نقل وتوزيع الكهرباء، ودون الأخذ في الاعتبار حاجة القطاع لمشروعات توسيع جديدة للإمداد الكهربائي.

ويقول مصدر مُطلع بالهيئة القومية للكهرباء لـ”الترا سودان”: “لا بد من إجراء مراجعات شاملة لكل عقودات الكهرباء التي أبرمت أثناء حكم المخلوع البشير، لأن الذين سعوا لتوقيعها، سعوا لمصالحهم الخاصة، ولمصلحة أسرة البشير”.

اقرأ/ي أيضًا: وزير التجارة: إجراءات لزيادة التعرفة الجمركية على السلع الكمالية

ويرى مهندسون كهربائيون ومختصون، أن بداية إصلاح قطاع الكهرباء في السودان تبدأ بالعودة للشكل الموحد للهيئة، بأن تُعاد للهيكلة الإدارية الذي كانت عليها قبل العام 1989، كما يرون ضرورة العمل لتحويلها لشركة حكومية كاملة.

هيكليًا، لا يمكن توقع نهضة إصلاحية في الكهرباء إلا بإعادة النظر في التعيينات التي تمت أثناء عهد النظام البائد في إدارات الشركات المتخصصة، مع ضرورة اعتماد الكفاءة وإعفاء كوادر النظام البائد.

فنيًا، فخلال شهري حزيران/يونيو وتموز/يوليو من كل عام، فإن أكثر من (40)% من الطلب على الكهرباء يخضع لتخفيف الأحمال، نسبة لاستخدام مكيفات الهواء بنسبة كبيرة.

ويشير أحد المصادر الذين تحدثوا مع “الترا سودان”، إلى أن إنتاج الكهرباء في السودان يغطي (40)% فقط من القطاع السكني، وهناك (60)% من أجزاء البلاد لا يتم تغطيتها بالشبكة.

مؤكدًا أنه لا يوجد تنمية وتوسعة لمقابلة الطلب المستمر على الكهرباء. فالطلب الكبير على الكهرباء لا يوازيه إنشاء محطات جديدة، خاصة أن فاقد الطاقة الكهربائية يصل إلى (24)% حسب التقرير المشار إليه.

يحدث ذلك مع توقف مشاريع التوليد الجديدة مثل مشروعي “سيمي” و”الفولة”، بالإضافة لعدم توفر الوقود والإسبيرات لأغراض الصيانة، أخذًا في الاعتبار عدم وجود برامج الصيانات الوقائية المخطط لها.

وينقسم التوليد الكهربائي في السودان لقسمين؛ هما قسم التوليد المائي وقسم التوليد الحراري.

والتوليد المائي يشمل كل من مروي: (125) ميغا واط ،الروصيرص (280) ميغا واط، سيتيت (320) ميغا واط، سنار (15) ميغا واط، القربة (159 ميغاواط، وجبل أولياء (34) ميغا واط.

وتشير مصادر تحدثت لـ”الترا سودان”، إلى أن الطاقة التصميمية لهذه المحطات لا تنتج المطلوب، خاصة محطة سيتيت لعدم توفر المياه الكافية، بالرغم من أنها تعمل بطاقتها القصوى في أوقات الذروة فقط.

أما بالنسبة لمحطات التوليد الحراري، فمحطة بحري مصممة لإنتاج (380) ميغا واط، إلا أنها متوقفة تمامًا للصيانة بسبب عدم توفر الإسبيرات وعدم توفر الوقود.

أيضًا محطة الوحدات الغازية بمدينة بحري، والتي كان من المفترض أن تنتج (150) ميغا واط، وتحتاج لوقود الجازولين وتستلم (500) طن يوميًا ويتم تشغيلها في أوقات الذروة.

وعادةً ما تعمل بأقل من طاقتها، فعلي سبيل المثال فإن طاقة الوحدة الواحدة منها (25) ميغا واط تنتج (17) ميغا واط بفاقد ثمانية ميغا واط لكل وحدة.

وكشف مصدر لـ”الترا سودان”، أن المحطة المذكورة كلفت نحو (150) مليون دولار بالرغم أنها لا تستحق هذه التكلفة العالية.

المحطة المشار إليها تم شراؤها من جزر الكناري عبر رجل الأعمال التركي “أوكتاي” لصالح عباس البشير، أخ المخلوع البشير.

والمحطة تحتاج إلى (500) طن جازولين يوميًا، وتعمل بكفاءة متدنية، كما أنها تحتاج للصيانة باستمرار.

أما محطة أم دباكر بولاية النيل الأبيض، شرقي مدينة ربك، فطاقتها التصميميه (500) ميغا واط ، وتُعد آخر محطة دخلت الشبكة القومية للكهرباء في عامي 2013 إلى 2015.

وتتكون المحطة من أربع وحدات طاقة، الوحدة تنتج (125) ميغا واط، بينها وحدة تنتج (90) ميغا واط بعجز يبلغ (35) ميغا واط، كما أن هناك وحدة متوقفة تمامًا لأغراض الصيانة.

أما محطة قري فتتكون من مجمعات قري الأربعة، وطاقتها التصميمية الكلية (400) ميغا واط، منها واحدة متوقفة تمامًا وهي قري-4 لأسباب تتعلق بالأعطال. إضافة إلى أن هنالك وحدات متوقفة في كل من قري-1 و قري-2 بعضها يتعلق بالصيانة والبعض الآخر للوقود.

مشروع سيمي

هذه الوحدات تم شراؤها عبر الوسيط التركي “أوكتاي” وشركته تسمى سيمي (Semi) والمشروع لا يزال يراوح مكانه، مع عدم وجود أي بادرة لإكماله نسبة لسوء التخطيط والتنفيذ.

فالمشروع يتكون من خمس وحدات، القدرة التصميمية للوحدة الواحدة (150.4) ميغا واط ، بمجموع (750) ميغا واط.

التقرير الذي اطلع عليه “الترا سودان”، اعتبر أن المشروع المشار إليه يسير بصورة بطيئة ولا يعمل وفقًا لبرنامج محدد، كما تجري العادة في مثل هذه المشاريع.

وبالنظر لما أورده التقرير، فإن الوحدة الواحدة لهذا المشروع تحتاج إلى ألف طن وقود، بمعدل خمسة ألف طن لكل الوحدات، مع عدم وجود آلية لتوفيره.

ويشير التقرير إلى أن إدارة المشروع ظلت تعلن أن الوحدة الواحدة تنتج (188) ميغا واط، معتبرًا أن ذلك ليس صحيحًا، الأمر الذي أرجعه التقرير للرغبة في زيادة الاعتمادات المالية، باعتبار أنه كلما زاد مقدار الإنتاجية بالميغا واط، زاد الاعتماد المالي.

مشروع الفولة

بالنسبة لمشروع الفولة غربي السودان، فقد تم اختياره في تلك المنطقة لقربه من حقول البترول وتوفر الغاز، وكان متوقعًا له إنتاج حوالي (400) ميغا واط.

والدولة أنفقت عليه مبالغ كبيرة، ليتم التخلي عن العمل فيه، وعلى الرغم من ذلك، لا يزال للمشروع ميزانية تسيير.

ويقول مصدر تحدث لـ”الترا سودان”، أن كل المواد التي تقدر بملايين الدولارات تعرضت للتلف.

ويضيف: “كان من الممكن حالة الاستمرار في العمل بمشروع الفولة؛ حل مشكلات الكهرباء في غربي البلاد، كما من الممكن أن يساهم في دعم الشبكة القومية”.

يحدث ذلك في وقت علمت فيه “الترا سودان”، أن كل المحطات الحكومية غربي السودان متوقفة عن العمل، وتم الاستعاضة عنها بما يعرف بمحطات التوليد الخاص التابعة لشركة تركية، يديرها “أوكتاي” نفسه.

التوليد الكهربائي الخاص

يشار هنا إلى أن محطات التوليد الخاص موجودة في عدة مدن هي: نيالا (30) ميغا واط، الفاشر (15) ميغا واط، و 6 ميغا واط لكل من كادقلي، الجنينة، والضعين.

وتشتري حكومة السودان الكهرباء الخاصة بواقع (5.5) سنت للكيلو واط الواحد، وتتحمل حكومة السودان دفع تكلفة الوقود.

بارجة بشائر لإنتاج الكهرباء

توجد البارجة بميناء بشاير شرقي السودان، وتعتبر من محطات التوليد الخاصة، ويكلف إنتاج الكيلو واط الواحد أيضًا (5.5) سنت، ويقع على عاتق الحكومة السودانية توفير الوقود، ويكلف تشغيلها شهريًا حوالي ثلاثة مليون دولار، زائدًا مليوني دولار هي تكلفة الوقود، ليصبح المبلغ الكلي خمسة مليون دولار، وحسب مختصين، فإن توظيف هذا المبلغ لشهرين فقط، يعد كافيًا لتغطية تكاليف الصيانات للمحطات المتعطلة.

ويرجع مختصون لجوء الحكومة للإنتاج الكهربائي الخاص، لعدم اهتمام الإدارات المعنية بصيانة المحطات القديمة وإنشاء محطات كهرباء جديدة.

وبالعودة لضرورة تحول الهيئة القومية للكهرباء لشركة حكومية كاملة، فالتقرير يقترح أن تتم عملية التحول وفقًا لدراسة متكاملة تقوم بها الهيئة الاستشارية التابعة لوزارة الطاقة والتعدين.

ويشير التقرير إلى أن نقاط الضعف في قطاع الكهرباء ناتجة من عدم وجود سياسات واضحة لقطاع الطاقة الكهربائية في السودان، وضعف الهيكلة والتنسيق، زائدًا ضعف التشريعات والسياسات والخطط التي تعمل على تشجيع الاستثمار في مجال الطاقة ككل، وبالأخص الطاقات الجديدة والمتجددة، إضافة لاتساع الرقعة الجغرافية وتوزيع السكان؛ الأمر الذي يؤدي إلى عدم تغطية الشبكة للسودان بنسبة (100)%.

ويؤكد التقرير على ضرورة اتباع سياسات إسعافية، منها العمل فورًا على صيانة الماكينات المتوقفة عن طريق توفير قطع الغيار، مع ضرورة توفير الوقود اللازم للمحطات الحرارية.

ويدعو التقرير لاستكمال الدراسات بالتعاون مع الباحثين والأكاديميين للبحث في أسباب فقد الطاقة الكهربائية في الشبكة -حوالي (24)% من الإنتاج- والعمل على تقليله. كما يطالب بإصدار القوانين التي تسهم في إنتاج الكهرباء من المصادر البديلة. ويوصي التقرير في هذا الصدد بلجوء الدولة لتقديم خدمات تركيب الطاقة الشمسية على الأسطح بأقساط، على أن يبدأ ذلك بالمؤسسات الحكومية، ثم يتم تعميمها بعد ذلك.

الترا سودان

محتوى إعلاني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..