مقالات وآراء سياسية

هل تتوقع من حميدتي أن ينقض عهده مع قحت وشركاء السلام في السودان..؟

يوسف آدم

ولد محمد حمدان دقلو “حميدتي” في بادية ماحفظة البطحاء بدولة تشاد في أوائل سبعينيات القرن الماضي وسط أسرة بدوية تترحل بين السودان “إقليم دارفور” وتشاد ونشأ وسط البادية ولم يكن له الحظ في التعليم النظامي “المدرسة” ولكنه درس القرآن في عدة خلاوي بعضها في تشاد والبعض الآخر في دارفور، وإشتهر بلقب حميدتي منذ الصغر وعندما بلغ العشرينيات من عمره عمل “قلاجي” والقلاجي مفرد القلاجة وهم الرعاة الذين يسوقون ذكور الماشية المتداولة في التجارة، ويطلق عليهم لقب “أم توارا” منسوبة لثور أو الثيران وهو ذكر البقر.

حميدتي عمل في هذه المهنة لعشرات السنين حتى أصبح “خبير” وهي لقب يطلق للشخص الدليل الذي يخبر “يعرف” الشارع لكثرة خبرته ذهابًا بذات الشارع، وإستقرت بعض أفراد أسرته بالسودان عند منطقة شمال دارفور منذ منتصف العام 1984م وهي السنة التي حدث فيها المجاعة الشهيرة وكانت معروفة عند أهل دارفور بسنة الجفاف أو سنة “المهل” حيث قلت منسوب الأمطار في ذاك العام والعوام التي سبقتها وحدثت ندرة في الأعشاب الرعوية فهاجرت معظم الرعاة والمزارعين من مناطقهم الأصلية ونفقت الملايين من الماشية، الأغنام والأبل ولم تسلم منها حتى الفصيلة الخيلية في المنطقة. وهذه المجاعة شكلت نقطة فارقة في حياة الآلاف، وبسبب الهجرة ونقص الكلأ إمتهنت بعض الأشخاص مهن جديدة وآخرين حصلوا على جنسيات جديدة وتركوا بلدانهم الأصيلة، فمنهم عائلة محمد حمدان دقلو تركوا تشاد وإستقروا بالسودان عند منطقة شمال دارفور، والآن لديهم عائلة عريقة ممتدة في تشاد بمحافظة البطحاء ولديهم تواصل مستمر مع عائلتهم في السودان وخاصة فترة حرب دارفور الذي إندلعت في العقد الأول من القرن الحالي. وقبل إندلاع حرب دارفور كان يعمل حميدتي في تجارة الأبل والأقمشة بين ليبيا، مصر والسودان بعد تراكم معرفته وخبراته بخطوط التجارة “من الزبائن البايعين والمشترين” بين البلدان سابقة الذكر ترك منهة “خبير القلاجة” وإنقلب على التجار الذين يكلفونه بمهمة الخبير وأصبح هو التاجر في مكانهم “وهذه هي الإنقلاب الأول الناجح لحميدتي في حياته وسنتحدث لاحقًا عن إنقلاباته على شركاءه”.

فاستمر حميدتي في تجارة الأبل بين مصر، ليبيا والسودان حتى بداية حرب دارفور التي إندلعت في أوائل العام 2003 وكان له دور بارز في هذه الحرب. ومع بداية هذه الحرب طلب حميدتي وزملاءه التجار الذين يعملون في هذه المنطقة قوة دفاعية لحماية خوافلهم التجارية من أي تعدي محتمل بعد سماع عدة أخبار نهب لبعض القوافل التجارية، وكان طلبهم لم تلقى إهتمام من السلطات المحلية لضعف شخصيته حينها وتشكك السلطات فيهم بحجة أنهم النهب المحتمل ولا يمكن تسليحهم. إلا أنه اصبح أكثر إصرارًا فتواصل مع الزعيم القبلي موسى هلال، وبواسطة هلال أوصله إلى المستشار “عبدالله علي مسار” والذي يعتبر أحد أهم نقطة تحول لحميدتي في تاريخ حياته، وبعد لقاءه بعبدالله علي مسار وشرح له مهددات الوضع الراهن وأهمية التحالفات وضمان استمرارية مصالحهم التجارية، وافق عبدالله مسار على خطة تسليحهم لحماية قوافهم التجارية وتأمين مناطق إنتاجهم من تمدد الحركات المسلحة ووعده بالإفادة عن قريب، ولكن بعد مغادرة مسار المنطقة وذهب إلى الخرطوم لتنوير الرئيس بدرورة تسليح مجموعات لهم ولاء للسلطة لوقف تمدد المتمردون وقطاعي الطرق على حد ماوصفه حميدتي في لقاء تلفزيوني على قناة سودانية 24 ولكن تأخر رد المستشار عبدالله مسار مما أجبر حميدتي السفر إلى الخرطوم لمتابعة قضية التسليح.

وعند وصول حميدتي إلى الخرطوم طلب من عبدالله مسار أن يقابله بالرئيس عمر البشير وهو يستطيع أقناعه في ذات الشأن فوافق “مسار” على ذلك، وحددوا وقت ومكان اللقاء وإلتقوا وشرح حميدتي للرئيس مخاطر تمدد الحركات المتمردة وتوسعهم في المنطقة وأخبره بأنه ومعاونة أشهر أعيان المنطقة يستطيعون دهر التمرد وكسر شوكتهم، فوافق البشير على تسليحهم وأشترط لهم عدة شروط وقبلوا بذلك وكلف عبدالله مسار بمتابعة تنفيذ المهمة، ومن ضمن هذه الشروط إنشاء شرطة حرس الحدود برئاسة الشيخ موسى هلال وحميدتي نائب له وأخطر القوات النظامية بتوفيق أوضاع هذه القوات. وبدأ حميدتي في تجميع عدد لا بأس فيه من الجنود وبدوره قام الشيخ موسى هلال بإجتماعات تنويرية مع بعض الأعيان من العمد والشيوخ من ذويه والمقربين منهم، وبعد ذلك فتحوا معسكرات للتدريب وحشدوا الآلاف من المقاتلين في صفوف قوات حرس الحدود د، وإنحرف مسار هذه القوات وتحول من قوات حماية الحدود وتإمين التجارة البرية بالمنطقة إلى قوات هجومية وأصبحت تشن حرب وهملات الإبادة الجماعية، التطهير العرقي والتهجير القسري بحق عدد مقدر من المكونات الإجتماعية بدارفور على ذمة تقارير الأمم المتحدة، مجلس الأمن والمنظمات حقوق الإنسان.

واستمرت تحالف حميدتي وهلال عدة سنين من العمل المشترك ضد المدنيين العزل، ولكن عند عند إشتداد وتيرة الأزمة وتمدد الحركات المسلحة في المنطقة وإجتياح حركة العدل والمساواة السودانية مدينة أم درمان، الغبن دفع بالبشير إلى تقييم أداء قواته الخاصة في المنطقة مما أدى إلى تواصله المستمر مع قائد قواته “موسى هلال”، وظنه حميدتي هذه فرصة لصعود هلال وسيتولى أعلى المراتب والإهتمام، ممازاده الغيرة وجعله يتمرد على البشير وحينها رجع للتحالف مع خصمه اللدود عبدالواحد محمد نور رئيس حركة وجيش تحرير السودان، ولم بستمر كثيرًا في التحالف الجديد بعد إهباط مخططه من إجهزة إستخبارات الحركة بأنه يحاول صعود جبل مرة وبسط سيطرته على السلاسل الجبلية التي يحيط منطقة جبل مرة الإستراتيجية.

وبعدها بعدة أشهر وقع إتفاق مع حركة العدل والمساواة السودانية بشأن تعديات الرعاة على المزارعين بولاية غرب دارفور، وبعدها بشهور عاد إلى الخرطوم بإتفاق سلام مع البشير برعاية وضمانة عبدالله علي مسار. وبموجب الإتفاق تم تتوجه قائد عام لقوات حرس الحدود مما أزعج الشيخ موسى هلال ودفعه إلى التمرد مما أحدث إنقسام حاد في صفوف هذه المليشيا وتم إستداعاه في الخرطوم من قبل جهاز الأمن والمخابرات الوطني وتم التحقيق معه من قبل مدير الجهاز والرئيس، وبعد ذلك خرج البشير بقرار بضم هذه القوات إلى جهاز الأمن والمخابرات الوطني وتتبيعها مباشرة إلى رئاسة الجمهورية وتغيير أسمها من قوات حرس الحدود إلى قوات التدخل السريع ولاحقًا إلى قوات الدعم السريع ومنحه صلاحيات إضافية وتم دعمه بقوات من جهاز الأمن وقدموا له مزيد من العتاد والتسيير، وعند عودة هذه القوات إلى دارفور أرسلوهم إلى منطقة “مستريحة” التي تعتبر معقل المتمرد الجديد الذي كان يترأس هذه القوات ويعرف مدى قدراته العسكرية، إلا أنه تفاجأ بذلك؛ لأنه لم يكاد يعرف بأن هذه القوات تم تأهيلها وتعزيزها بعتاد وقوات إضافية في الخرطوم، حيث أسر على الشيخ موسى هلال ورفاقه ولم يسلم من الأسر حتى أفراد أسرته، وتم أيداعه السجن إلى يومنا هذا وبذلك يعتبر الإنقلاب الثالث الذي يقوم بها حميدتي في أقل من عشرة سنوات.

ومع إشتداد الحرب في جبال النوبة وإقتراب سقوط مدينة كادقلي عاصمة ولاية جنوب كردفان في أيدي الحركة الشعبية لتحرير السودان شمال، جعل البشير يستنجد بقائد قوات الدعم السريع الذي يترأسه حميدتي لحسم تمدد الحركة الشعبية شمال. وبعد عدة ساعات إستجابت هذه القوات للنداء ولبت الدعوة إلا أن ظروف المنطقة كانت أصعب والحرب في جبال النوبة تختلف عن ماهو في دارفور “معظم المعارك التي دارها أنذاك كانت في ولاية شمال دارفور حيث المنطقة تشبه لحد كبير بالصحاري”، مما أجبر هذه القوات الهجومية إلى التراجع وترك الجيش والأمن وحدهم في مناطق الدفاع فقط.
وعند عودة هذه القوات من مناطق العمليات تمركزت في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان وسلوك وتعامل هذه المليشيات مع المدنيين كانت صعبة، فهذه المليشيا معتادة للإجرام لا يمكن أن تحتك بالمدنيين إلا وقتل ونكل بهم فلم تمضي ليلة وإلا إعتدوا على المواطنيين بالضرب، النهب والإغتصاب مما أجبر الأهالي إبلاغ الوالي بأن هذه المليشيا غير مرغوب فيها في منطقتهم، وسرعان ما إستجاب وألي الولاية وحينها كان المتهم الهارب من العدالة الدولية مولانا أحمد هارون فأمر بطردهم وإخلاء الولاية في ظرف ثلاثة 24 ساعة فقط، وإستجاب القوات للقرار ونفذ الإخلاء وغادرت هذه المليشيا أرض ولاية شمال كردفان ولكن ترك خصامٍ بين قائد مليشيات الجنجويد هذه ووألي ولاية شمال كردفان الهارب من العدالة الدولية مولانا أحمد هارون، وأمتد فترة الخصام عدة سنين إلى أن أظهرها حميدتي في أواخر حكم المخلوع وقام الآخير بجمعهم ومصالحتهم ووثقتها أجهزة الأعلام المسموعة، المرئية والمقروءة، إلا أن حميدتي نقض الأحد ولاحقًا أطاحة بالأثنين معًا وودعهم السجن.

ولم تستمر عمر المصالحة طويلًا إلا وقامت ثورة ديسمبر المجيدة فإستدعاه الرئيس المخلوع لإنقاذه وكف الإحتجاجات إلا أن الثوار تحدوه ووقفوا أمامه أمواج هادرة من المواطنيين السلميين فما أليه إلا أن يركع، حيث أطاحت ثورة الشعب السلمية بالمخلوع ورفاقه المدنيين وتبقى فقط الجنرالات من لجنته الأمنية الذين أذاعوا البيان الأولى والثاني ووقفوا حائرين أمام إعتصام الشعب الباسل وإستسلموا ووعدوا المعتصمين بحماية إعتصامهم حتى تحقيق كامل أهداف ثورة ديسمبر المجيدة، إلا أنه غدر بالمعتصمين وفض الإعتصام الباسل وإرتكب فيه أبشع الجرائم البشرية. وهذه يعتبر رابع خامس إنقلاب لحميدتي لمن حالف معهم ونقض عهده. ولكن بعد أشهر من فض الإعتصام خرج الشعب في مليونية أجبر الإنقلابيون الجدد إلى التنازل والتفاوض مع من يفوضه الشعب، ووصلوا إلى إتفاق سياسي قضى بموجبه إلى توافق حكم مدني وتشكيل مجلسي سيادة من عسكريين ومدنيين ومجلس وزراء مدني. وبعدها خرج حميدتي ينتقص شركاءه ويصفهم بأنهم من ركعوا له والكثير من الأوصاف والألفاظ النابية وكل أنواع التحريض والإستفزاز حتى وصل به الحال إلى أن يخرج بخطاب مفاجئ عند لقاء قواته بمنطقة فتاشة بغرب أم درمان بعد التوقيع على إتفاق جوبا لسلام طالبًا الشعب بتفويضه، وهذه إن دل يدل على أنه يريد تقويض النظام الدستوري في البلاد.

محتوى إعلاني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..