مقالات وآراء

إلى رافضي سياسة التعويم ..

يوسف السندي

رغم أن الشعب السوداني حسم خياره بدعم توجهات الحكومة الاقتصادية الجديدة الا ان البعض مازال يثير الجدل حول القرارات الاقتصادية، بعضهم بدافع ايدولوجي والبعض الاخر بدافع سياسي، ومن عجب أن الايدولوجيين والسياسيين في لهثهم من أجل تحفيز الشعب على إسقاط البرنامج الاقتصادي للحكومة والمبني على سياسية تحرير الصرف يبررون موقفهم في مهاجمة هذه السياسة الاقتصادية بانها سياسة النظام البائد وسياسة البنك الدولي! وفي ذلك مغالطة تاريخية وموضوعية كبيرة.

النظام البائد لم يتجه نحو سياسة التحرير الا في بدايات العشرية الثانية من هذا القرن وبعد مضي أكثر من عشرين سنة من حكمه، وظل طيلة العشرين سنة من هذا الحكم يشتغل بنظرية ذات هؤلاء الايدولوجيين الذين يتحدثون عن الاعتماد على الداخل وعدم الاستعانة ببرامج البنك الدولي، والجميع يذكر شعارات الإنقاذ التاريخية التي صدعت بها اذان الجميع في الإذاعة والتلفزيون من قبيل ( ناكل مما نزرع ونلبس مما نصنع)، ثم استخدام الإنقاذ لطلاب المدارس في الحصاد لجني القطن، وغير ذلك من المشاريع التي نفذتها الإنقاذ ويدعو إليها هؤلاء الايدولوجيين ولكنهم لا يملكون فضيلة الاعتراف بأن الإنقاذ فشلت في هذه السياسة التي استخدمتها لأكثر من عشرين سنة ثم لجأت إلى سياسة التحرير.

بعد تطبيقها مؤخرا فشلت سياسة التحرير في عهد الإنقاذ لأنها كانت سياسة فوقية لم تستوعب حاجة المواطنين، ولم تقدم حزم مساعدة لحماية الشرائح الضعيفة، والمبالغ التي يتم توفيرها من سياسة التحرير لا تذهب الى التنمية ولا الفقراء وانما تذهب لجيوب الكيزان وشركاتهم ومؤسساتهم واخوانهم في التنظيم خارج السودان، ولو تابع البعض برنامج اسرار الإخوان في السودان الذي بثته قناة العربية في الفترة الماضية لسمع باذنيه اعترافات الكيزان بهذه الحقائق، لذلك لا يمكن استخدام هذه التجربة السيئة التي تمت فيها سرقة الشعب لا إصلاح اقتصاده دليلا على حتمية فشل سياسة رفع الدعم الحالية، والتي تدار عبر حكومة قومية لا مصلحة لها في سرقة الوطن، بل تجتهد من اجل ايصال الدعم إلى الأسر الفقيرة لحمايتها من أثر هذه السياسة المؤقت.

رفض البعض لسياسة التحرير الراهنة لانها سياسة البنك الدولي يشبه رفض الكيزان أيام عشريتهم الأولى وهم يسيرون المسيرات هاتفين (لن يحكمنا البنك الدولي ) (داون داون يو إس ايه)، نفس الفهم الأيديولوجي المتعصب المفتقد للمنطق والعقلانية والذي لا يرى في البنك الدولي سوى مؤسسة استعمارية هدفها استعمار الدول وافشالها وليس مساعدتها على تخفيف حدة الفقر وإصلاح أحوالها. يقولون هذا وكان هذا البنك الدولي ولد بالأمس! بينما هذا البنك هو مؤسسة دولية قارب عمرها المئة عام، وهو مؤسسة تتبع للامم المتحدة واعضاءها أكثر من ١٨٠ دولة حول العالم، فهل مؤسسة عالمية بهذا الوصف وحجم العضوية تخضع لسياسة غير محايدة؟! بالتأكيد لا، قد تكون هناك ملاحظات على بعض البرامج التي نفذها البنك الدولي من ناحية علمية اقتصادية ولكن مجمل برامج البنك الدولي هي برامج ناجحة ومفيدة، والبنك الدولي هو من أكبر المساهمين العالميين في تنفيذ أهداف الألفية والتنمية المستدامة للأمم المتحدة وعلى رأسها تخفيض عدد الفقراء في العالم. لذلك رفض سياسة رفع الدعم فقط لأنها سياسة البنك الدولي هي تطفيف وغلو ايدولوجي وليس رفضا موضوعيا.

على رافضي سياسة التحرير الراهنة اعطاء الفرصة لهذه الحكومة لكي تنفذ برنامجها مادام الشعب قد اظهر ميلا لخوض هذا التحدي خلفها، فالإجماع والدعم الشعبي سيوفر الغطاء اللازم لتجاوز كل مضاعفات العمليات الجراحية المؤلمة التي ستفرزها هذه السياسة الاقتصادية حتى يتجاوز الوطن الآلام ويبدأ رحلة التعافي الاقتصادي بإذن الله.

تعليق واحد

  1. التعويم الشامل،،هو المشكلة….مقال/ حيدر ابراهيم…..((.. رغم أن التاريخ لا يعيد نفسه مطلقاً إلا أن الأحداث في المجتمعات الراكدة وغير المتطورة تجعلها تبدو وكأنها متوقفة عند لحظة معينة من تاريخها وكأنها حجر وليس أمة ديناميكية متغيرة. وبسبب انشغالي بقراءات عن السلطنة الزرقاء (دولة الفونج) وجدت تشابهاً غريباً بين أوضاعنا الراهنة ومجريات الأمور بعد تحالف عمارة دنقس وعبد الله جماع. فعلى القمة نجد مجموعة من السلاطين من المكون العسكري يديرون كل شؤون البلد مستغلين تقاعس المكون المدني. وهنا يكون القياس والتشابه بين الدولتين بسبب غياب المؤسسية في الحالتين إذ ينعدم التخصيص وتقسيم العمل وتحديد المسؤوليات بدقة. وهذه هي طريقة أو آلية اتخاذ القرار في الدولة الحديثة: التشاور الجماعي والاحتكام لرأي الأغلبية داخل المجالس التنفيذية أو الحكومة. ولكن في حكومة دولة الفونج الثانية، يمكن أن يطير السلطان الأكبر إلى يوغندا ويقابل رئيس وزراء الكيان الصهيوني كاسراً أخطر مبدأ في علاقات السودان الخارجية ويدشن عملية التطبيع دون علم رئيس وزرائه – كما قال-، ومع غياب المجلس التشريعي صاحب هذا الحق دستورياً.
    أما نائب السلطان الأكبر فهو في موضع الحاكم بأمر الله التاريخي فهو يرأس اللجنة الأمنية والاقتصادية وملف السلام والسياسة الخارجية بصحبة وزير الدولة للخارجية في الزيارات الإقليمية، ويمنح نفسه الحق في مناقشة قضايا داخلية مع دولة أجنبية أعني مناقشة تصفية منظمة الدعوة الإسلامية في السودان مع المسؤولين القطريين. وإمعاناً في اللامؤسسية يقوم أعضاء في الدولة بمهاجمة الحكومة ووصفها بالفشل وهكذا علانية في أجهزة الإعلام وهذه أمور في حالة دول المؤسسات تناقش في الاجتماعات المشتركة ثم يقوم الفريق كباشي وبجرأة شديدة بوصف رئيس الوزراء بمن لا يملك الذي يعطي لمن لا يستحق، ويصرح الفريق العطا عن الأوضاع على الحدود السودانية- الإثيوبية نيابة عن وزير الدفاع الموجود في الخرطوم وعن وزير الداخلية. وتؤكد هذه الحالات غياب المؤسسية وكذلك غياب العقلانية في إدارة شؤون البلاد بتقليد نموذج دولة الفونج الأولى.
    يمكن القياس والمقارنة من خلال تحليل طريقة التشكيل الوزاري الحالي فقد استند في كثير من الأحيان على الوراثة والانتماء القبلي أو الجهوي والذي أعلن عنه وزير المالية الحالي في تبريره للإصرار على وزارة المالية. كما أن القبلية تقوم بتدعيم دور الإدارة الأهلية. وصرنا نقرأ في الإعلانات عن أمة اللحويين ومجلس شورى الجعليين الذي يقرر في مصير والي المنطقة ويتجمع أفراده في حشود هادرة تحمل السيوف وتهتف ضد العلمانيين والمخنثين وليتأمل القارئ الكريم لغة السياسة في دولة الفونج الثانية وإمعاناً في إبراز دور القبلية يطير نائب السلطان إلى القرير(منطقة مروي) ليشرف على مراسم تنصيب ناظر الهواوير. وفي الشرق تنشط كل الكيانات القبلية بدلاً عن الكيانات السياسية.
    أما على مستوى المجتمع والحياة فأنا أعتقد أن سنار عاصمة دولة الفونج الأولى كانت أنظف وأفضل وأكثر أمناً من الخرطوم عاصمة دولة الفونج الثانية. إذ يعبر والي الأخيرة على تعايش المواطنين مع النفايات والأوساخ كبديل للأشجار والزهور والجهنميات في الشوارع والميادين العامة. ويكتمل منظر العاصمة مع لوحات المتسولين الملونة وهم يزحفون أمام السياسات أو يطلون بالنوافذ. ومن أهم مظاهر الفوضى والقبح منظر الباعة المتجولين وهم يعرضون السيوف والخناجر والسياط على أصحاب المركبات في نواصي إشارات المرور. وهذه دولة وقعت على اتفاقية السلام قبل أسابيع ويبيع المواطنون الأسلحة في الشوارع العامة.
    تذكرت في أسى خرطوم الستينيات تلك الفتاة الحسناء الرشيقة بقصتها “ذيل الحصان” على رأسها الدافق جمالاً ومعرفة وبفستانها المتين جيب أو ثوبها “أبوقجيجة” وقارنتها بعجوز دولة الفونج الشمطاء المتسخة وسط عمارات شاهقة وسيارات آخر موديل تملأ الشوارع التي تزينها الحفر والدراب. ثم رددت مع نزار قباني:
    قشرة الحضارة… والروح جاهلية
    هذا الوطن بدولته ومجتمعه المدني وأفراده وقع في حالة لا مبالاة واكتئاب جماعي في التعامل مع واقعه وغرق حكامه ونخبه في لجة الثرثرة واللعلعة والحنجورية كما يقول المصريون وأهملوا البلاد وتركوها تتآكل حضارياً واقتصادياً وجمالياً. نحن نتعامل مع وطننا كأننا زوار أو مغتربين يغيب الشعور بالمسؤولية والالتزام، ألم نردد قبل أن تصل البلاد إلى هذا الحضيض:
    ملعون أبوك بلد..
    آن لنا أن نستيقظ ونشمر عن سواعدنا لبناء وطن القرن الحادي والعشرين. سودان العقل والعلم والحرية المطلقة. ولا أدري لماذا تذكرت في هذا الموضع في المقال بالذات أغنية الفاجومي (أحمد فؤاد نجم) والشيخ إمام ” بقرة حاحا” التي تقول:
    ناح النواح والنواحة
    على بقرة حاحا النطاحة
    البقرة حلوب تحلب قنطار
    لكن مسلوب من أهل الدار
    وتختم القصيدة بعد أن شفط الأغراب لبن البقرة
    البقرة تنادي وتقول يا أولادي
    أولاد الشوم رايحين في النوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..