مقالات، وأعمدة، وآراء

البطل والخائن !

زهير السراج

* على خلفية مراجعة (صندوق النقد الدولي) مؤخراً لبرنامج الاصلاح الحكومي بتوحيد سعر الصرف ورفع الدعم عن المواد البترولية وزيادة أسعار الكهرباء، كشرط واجب النفاذ لمساعدة السودان في تخيف الديون الخارجية وإدخاله في برنامج القروض مرة أخرى، قالت مديرة الصندوق، “ان على السودان القيام بإجراءات أخرى لضمان مساعدة المجتمع الدولي على رأسها الشفافية في ادارة المال العام”، وهي تقصد بذلك “أيلولة كل أموال وممتلكات الدولة لوزارة المالية وخضوعها للمحاسبة والمراجعة وإلغاء الاعفاءات الضريبية وغيرها”، الأمر الذي يعيد الى السطح مرة أخرى الصراع الدائر بين المدنيين والعسكريين حول الجهة التي تدير وتشرف على الأموال والشركات التابعة للمنظومة العسكرية !
* في نوفمبر من العام الماضي أصدر الكونجرس الأمريكي (قانون الانتقال الديمقراطي في السودان والمساءلة والشفافية المالية للعام 2020)، الذي نص على ضرورة سيطرة وزارة المالية على كل الأموال والممتلكات العامة في السودان، بما في ذلك أموال الجيش والأجهزة العسكرية والامنية والاستخبارات.
* ينص القانون انه “بعد أن يصادق السودان على الخطوات اللازمة لتحسين الشفافية المالية، فإن وزارتي الخزانة والخارجية ستدفعان المؤسسات المالية الدولية لإعادة هيكلة، أو تأجيل، أو إلغاء ديون السودان”، أي أن وزارتي الخارجية والخزانة الامريكيتين لن تتحركا لمساعدة السودان في مسألة الديون إلا إذا تحقق ما جاء في القانون وسيطرة وزارة المالية على المال العام وتحقيق الشفافية الكاملة!
* وفى أواخر شهر ديسمبر، وصف الدكتور حمدوك مشاركة المؤسسات العسكرية في شركات القطاع الخاص “بأنه أمر غير مقبول، وأن هذه الشركات يجب أن تتحول الى شركات مساهمة عامة”!
* وقال في تصريحات صحفية “ان كل جيوش العالم لها استثمارات في مجال الصناعات الدفاعية، وهو أمر مقبول، ولكن كون المؤسسة العسكرية تستثمر في قطاع الإنتاج وتحل محل القطاع الخاص فهو أمر غير مقبول”، مضيفاً انه “لا يمكن ادارة موارد الشعب السوداني من غير شفافية ومساءلة، وهو أمر لا تنازل فيه”، قاصداً بذلك ان شركات المؤسسة العسكرية يجب أن تؤول لوزارة المالية وأن تخضع للمراجعة مثل أي شركة حكومية أخرى”، وهو ما يعني بوضوح أن تتنازل المنظومة العسكرية عن شركاتها وأموالها لوزارة المالية!
* وخاطب الفريق أول (البرهان) حشداً من قادة القوات المسلحة في اغسطس الماضي قائلاً، إن “القوات المسلحة بسطت يدها لوزارة المالية لوضع يدها على مجموعة مقدرة تلك الشركات للاستفادة منها في تخفيف حدة الضائقة المعيشية، لكنها لم تستجب”، مضيفاً أن “عدم الوضوح عند القائمين على أمر الاقتصاد ووجود أجندات أخرى لدى بعض الجهات السياسية هو مَن يقف وراء ترويج فرية تحكم القوات المسلحة في مفاصل الاقتصاد القومي”!
* إذن، فالجميع، داخل وخارج السودان متفقون على نفس الهدف، وهو السيطرة الحكومية على المال العام بما في ذلك المؤسسات الاقتصادية العسكرية (جيش ودعم سريع وشرطة ومخابرات)، وأن تتولى وزارة المالية ادارة هذا المال بكل شفافية، وخضوعه لكل الاجراءات المحاسبية والمالية المعروفة، وأن الاخلال بذلك يؤدي ــ حسب القانون الأمريكي (قانون الانتقال الديمقراطي في السودان والمساءلة والشفافية المالية للعام 2020)، وشروط صندوق النقد الدولي ــ الى امتناع المجتمع الدولي عن تقديم المساعدات المطلوبة للسودان لتنفيذ برنامج الاصلاح الاقتصادي، ما يعنى استمرار الازمة الاقتصادية في البلاد في عدم وجود البدائل المناسبة التي يطالب البعض باللجوء إليها في الوقت الحالي!
* حان الآن موعد (امتحان الوطنية) بعيداً عن القيل والقال والتصريحات ولعبة عسكر ومدنيين (والبرهان خاطب وحمدوك صرَّح، وحميدتي خطب) بعد ان وضعها العالم لنا على بلاطة .. إما أن تسيطر وزارة المالية على المال العام وتتعامل معه بكل شفافية ووضوح، أو يمتنع عن تقديم المساعدة لنا، فتستمر القطيعة والازمة الاقتصادية والأوضاع الصعبة التي يعيشها الناس في السودان، فإيهما نختار، ومن الذي سيثبت وطنتيه، ومن سيكون الخائن؟!

الجريدة

‫2 تعليقات

  1. كل ما تفضل به الكاتب هو عرض لمرض وهو عدم سيادة حكم القانون حيث يطبق علي الضعيف ولا يطبق علي القوي وبالتالي من الذي يحاسب العسكر؟
    وسبب عدم وجود سيادة القانون هو عدم وجود نظام سياسي ديمقراطي حيث ترزح البلاد وربما عموم دول العالم الثالث تحت حكم الدكتاتوريات التي تخدم أسيادها وتقبل أقدامهم وتلعق أحذيتهم بينما تتغوط وتتبول علي شعوبها…
    وسبب عدم وجود نظام ديمقراطي هو عدم وجود قوة مادية تتبع للديمقراطية لها أنياب تستطيع حماية الديمقراطية نفسها ومن ثم حماية الشعب والبلاد من بعدها ضد أي تغول داخلي أو خارجي.
    وسبب عدم وجود القوة المادية هو عدم وجود مؤسسات حقيقية قوية وثابتة وراسخة لها القدرة علي مراقبة بعضها ومحاسبتها ومحاكمتها وفقا للقانون وكل هذا نتاج للتجارب الديمقراطية المشوهة والفاشلة بلادنا والتي لازال تراوح مكانها بين سيدي وسيدي وشيخي وشيخك (أقصد الكيزان هنا) ومصلحتي ومصلحتك والجميع يتبول علي الوطن.

  2. كان مفهوما قبل رفع الحصار والإرهاب ان لا تكون وزارة الماليه مسيطره على المال العام لكن الان لا يوجد سبب ظاهر الا الجانب السياسى .فمن يحكمونا الان ليسو على قلب رجل واحد بل ان بعضهم لا يرغب حتى فى التعامل مع المسسات الدوليه اما ايدولوجيا واما اقتناعا بانها لا تذيدنا الا خسارا.

زر الذهاب إلى الأعلى