مقالات وآراء

مسمار الكراهية : تفكيك قوي الثورة وتبديد امال الجماهير

د.بخيت أوبي

        تكمن خطورة مسمار الكراهية في هد كامل للبناء، عبر روافع الصراع الخفي نحو التفكيك والتلاشي وتبديد الامال في تحقيق أهداف الثورة السودانية، إذ تمثل وقفة حرجة ما بين الامل والاطماح ووضوح الرؤية الى سريان روح الانهزامية والتقهقر والاندحار، رغم المعالم البارزة التى أنجزتها الثورة وبعض العثرات التى لايخلو منها أى درب.
            لايخفي على الكثيرين ممن يتأملون سير التأريخ ووقع الأزمنة وتتالى العصور، وتقلب موازين قواها فوق حدود الفواصل الإنسانية ، والرغبات الجامحة في السطوة ولعبة السلطان خطورة الحيل. كانت الحيلة لاعبا محوريا في ترجيح كفة القوى المادية ، وفى احايين كثيرة هدت ممالك ودكت الحصون، وغيرت خارطة العلاقات والقوي والنفوذ،  وتدفق انهار الثروة والسلطة على غير مسارها المألوف ، وقوانينها التى حسبت بأنها ثابتة لا تتحرك ، في مخيلة من اخذتهم سكراتها وملذاتها وغرورها وزهوها وكبريائها ، التى تلامس الأفق البعيد عنادا وتضخيما لذات السلطان، حتى حسب أن النجوم ما هى إلا قناديل ومصابيح تتدلى على قصره الفريد، وتتبتهج احتفالا وتيمنا بنوره الساطع، الذى يحي موات الاشياء ، وتبث الروح في الجماد، وما الحركة والكمون الا ترجمة لما تختلج جنبات نفسه من امنيات واطماح، ما يلعب فيه التزلف والتماهي والمخاتلة ما لعبة خيوطها في تلاشي ثلة من الامبراطوريات العظيمة.

      ومن امضي الادوات أثرا في تغيير موازين وقواعد الأشياء الحيل والاحابيل، إذ كان الاطفال في أطراف القرى النائية ، على مرامي هذا الوطن الجميل يستطيعون التحكم في الطير الذى يحلق زهوا في السماء ، ويصنعون منها طعاما شهيا طيرا مما يشتهون،  إذ لم يكن لهم قوة خارقة أو قوة جسدية تلاقي قوة قوم ثمود، بل توجد في البابهم الصغيرة شئ من التفكير الخلاق والخيال المتدفق ابداعا، فبحيلهم القوية وأجسادهم الصغيرة تمكنوا من أخذ خيوط الصوف،  من اذناب الأحصنة،  وأخذ فروع الأشجار الغضة من أطراف الغابة، واستطاعوا أن يصنعوا شركا قاعدتة مستديرة من غصون الأشجار ، تتخلها داخل محيط الدائره مجموعة من خطوط الربط ،  تحمل فوقها عقده الصوف، فكانوا يغدون باكرا الى أطراف القرية ، لمعرفتهم باوقات نشاط وحركة العصافير، إذ يخفون معالم الشرك تحت الرمال ، ويضعون فوقة شئ من حبات الدخن ، ويتفرقون فرحين الى خلف الأشجار مراقبين لحركة العصافير وهى تتحرك نحو الشراك المخفية، وكل تركيزها على التقاط حبات الدخن الشهية،  حتى اذا ادخلت رؤوسها الصغيرة على عقد الصوف، تصعب عليها الفكاك منها، فترفرف أجنحتها وتعلوا صيحات النجدة ، إلى أن يتناولها الاطفال بايادهم الغضة ، فيجمعون صيدا ثمينا قبيل شروق الشمس، هكذا لعبت الحيلة دورها النافذ التى لم تترك لضحاياها العصافير مساحة للهروب والتملص.
           المراقب لمسيرة الثورة السودانية لا يصعب عليه الآمال والطموحات الكبيرة التى رسمتها في الأفق، بداءا من الخطاب الموحد للوجدان والمقرب المساحات الشاسعة للوطن القارة،  وصهرها الثقافات والعادات والسحنات والتاريخ والجغرافيا ، في كلمات ذهبية مبسطة لا تحتاج إلى كثير عناء في فهمها حتى على الأطفال في مركز البلاد واقطابها الممدة والمستمدة منها، فكان الملايين من الشباب قفزوا على حواجز تصدعات الجدران المنعزلة والمعزولة،  بفعل غدر الزمان، وتقلب الاحول،  وتغيير خارطة الصداقة والجيرة والعداء بفعل الفاعل المقسم للكل وطنا وارضا ولغة ولونا، لخدمة هواه المتبع والمطاع بقوة الحديد والنار ، وشراء العقول وتدجينها، والسيطرة على الذمم وتدنيسها، وزرع بذور الشك والبغضاء وتفخيمها وتعظيمها.فكانت من أهم ملامح المتزلفين للسلطان والمتقربين على بلاطة من أصحاب الحظوة والنفوذ، إذ لم يسلم منها مجالس السمر، دور العبادة هلالا وصليبا ام ارواحا تستمد من الأسلاف في مجاهيل الاحراش.فكانت الثورة من معجزات القرن الواحد والعشرين في سرعة صنع الائتلاف، وتضييق السبيل على مكامن الاختلاف، فتجلى في الأفق الممتد صورة ذاهيةوجميلة و جاذبة لوطن يسع الكل،إذ أن في هذه الأفق الجديد وجدت مساحات حرة للكل في السياحة والاستراحات والبوح  بنشوة الفرح ، لكانها تجمع سكان القرية على ضفاف الوادى، يتظللهم السحاب الملون بألوان زاهية تداعب الوان الملابس التراثية المزركشة، تعلو أصحابها على وجوهم ابتسامة رقيقة، ويتراقصون على انغام النقارة، وفرحة الوحدة والامتزاج والانسجام، إذ تتلاشي خطوط التمييز ألوانا واجناسا وثقافة ومراتبا ومنازلا وطبقات، وتتالف النفوس وحدة واحدة لكانها قطرة ماء واحدة بلا لون او طععم أو رائحة، في لحظة الاندماج بين الكل تترامي وتتساقط الخلافات الماضية تباعا، إذ لا يمكنك التمييز بين الأعداء والأصدقاء فتتلاحم المسافات بحيث لاتجد متنفسا أو برهة من الزمان لإعادة زلات الماضى، إذ أن التركيز على الحاضر مهما وحاضرا في الأفئدة والنفوس والعقول .
        مسماررقيق دقيق النصل أطل برأسه المشئوم والمسموم، كمنفذ لأصحاب الحيلة والدهاء لتسميم ودك الصورة الجميلة التى رسمتها الثورة الظافرة بابنائها من كافة ربوع البلاد واقطابها، وما ابرزتها من طاقات متدفقة استطاعت أن ترسم هذه اللوحة العظيمة رغم آلات التنكيل والبطش واسكات الاصوات، وكذا الوسائل المرنة في الاستقطاب والاستعطاف والاستيعاب في ثقافة القطيع، فكانت ومازالت متقدة ومحفزة للمزيد من الإنجازات رغم ما اعترتها من منعطفات ومتاريس الطريق ومعالم الصراع الظاهر والمتخفي، فكان مثالا فريد للصمود تلاحمت فيها الأقطاب التى تبدوا في ظاهرها متنافرة بفعل الفاعل، ونشطت حيوية وعنفوانا تستلهم الطاقات المعطلة والمتعطلة إلى أن أصبح واقعا يلامس الأفق اباءا وفخرا.
     مسمار الكراهية من ادهى الحيل في تفكيك الكل المتآلف الى بعض متخالف ومتصادم ومدمر ، يشجع على اخراج الطاقات السلبية المدمرة،  ومحفز في تحريك هوى الأنفس الشاذة والأنانية، التى لا تفرق بين السالب والموجب وتنقلب على اقطابها حسب مقتضى الحال والمآل، وان كان ذلك هد بناء الوطن على رؤوس الاشهاد انتقاما وخوفا من النجاح ورعبا من التقارب والتآلف بين السكان. واذ أن هذا المسمار يضاهى قوته قوة ابليس اللعين في التدمير، والناظر الأمر بعين البصيرة يجد نتائجها بينه في كثير من الدول ولا يحتاج الأمر إلى كثير تدليل.
كيف يمكن محاصرة هذا المارد في بعبعه؟
توجد سبل متعدده في إبطال مفعول الحيل الخاصة بخطاب الكراهية، كما يمكن اطفاء النار بالماء يمكن وأد شافة العنصرية والكراهية بنشر المحبة والتسامح، فعلا وقولا وواقعا معاشا، برفع مستويات الوعى بأهمية التسامح ونبد خطابات الكراهية والعنصرية والتعصب، بجانب هد جدران العزلة والتباعد تداخلا إجتماعيا، وزيارات اخوية، وحلقات نقاشية،  وحوارات مخصصة تعم القرى والبوادى والفرقان والمدائن، مع تحفيز الضابط الاجتماعي وتنشيط العادات المجتمعية الاصيلة لمكافحة الظاهره، مع تعميم الخطاب منابرا ومناسبات. ولايجدى ذلك كله اذا غاب ميزان العدل وسطوته في ردع السلوك الشاذ وتشذيب النواقص والبلوغ به إلى حد الكمال والطمأنينة.
        مايدهش أن العقول المتشبعة بما حوته صفحات الكتب من معرفة، وماحوته المكتبات العالمية من معرفة يميلون ميله شاذه إلى تحريك مكامن الهوى في النفس، مع تعطيل العقل وغلبة العاطفة السالبة عليهم، إذ يحتاج هؤلاء القوم الى تدارس عميق ومؤتمرات وندوات تحي بها موات النفوس الى ما فيه مصلحة البلاد، بحيث يتم توجيه الخطاب إلى الجانب المشرق والمنتج والمكاسب وطنا وشعبا.
يجب أن توضع راس هذا المسمار الخطير على حافة التجذيب والتوضيب والتقويم حتى لايكون سرطان ينتشر في جسد الوطن إذ لا ييقي عضوا فاعلا.
بعض الاشارات؛
– ضرورة اهتمام القوى السياسية بمناهضة خطابات الكراهية ونشر قيم التسامح بين أفراد المجتمع، قولا وعملا باعادة بناء هياكلها بصورة تستوعب التنوع بصورة عادة ومقبولة وكذا حركات الكفاح المسلح.
-ضرورة تقريب المسافات بين الأقطاب الثلاث على هرم السلطة في السودان وتبني الحد الأدنى من الخطاب الموحد الموجه للمجتمع في البلاد.
– نزول الإعلام المرئي والمسموع على مستوي المجتمعات المحلية واصطحاب المخاوف والطموحات، مع مراعاة الخطاب الاصيل واللغة الأصيلة لاهل السودان حتى يزيد التأثير على نسبة معتبرة والابتعاد بقدر الإمكان من الخطاب الصفوى الذى لايفهمة الا القلة القليلة إذ يجب تبسيط الخطاب الموجة إذ أن الهدف هو فهم الرسالة من المخاطبين وليس استعراضا العضلات في مجالات اللغة والفلاحة
– شرح الوثائق المهمة بلغة مبسطة محلية مثل الوثيقة الدستورية واتفاق جوبا للسلام ومشروعات القوانين وغيرها وما يلي ذلك من مراسيم ووثائق ومعاهدات

تعليق واحد

  1. مقال رائع ، أتمنى أن يضمن في كتب التربية الوطنية في بلادي .
    شكرا دكتور بخيت اوبي .

زر الذهاب إلى الأعلى