مقالات وآراء

هل الإنسان مبرمج؟

عصام الجزولى

الحقيقة العلمية تقول ( ان الانسان لبث فى رحم الحياة امادا سحيقة قبل أن تكون له ارادة وقبل أن تكون له حرية ) ( هل أتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا *انا خلقنا الانسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه  سميعا بصيرا انا هديناه السبيل اما شاكرا وأما ) النطفة هنا الماء الصافى نطفة أمشاج معناها الماء المخلوط بالطين هذه نشأة الانسان فى رحم الحياة وهى نشأة قد استغرغت من عمر الزمان طويلا ولم يكن للانسان فيها ارادة ولا حرية لانه لم يكن له يؤمئذ عقل – عقل يقوم عليه التكليف – وهذا معنى قوله تعالى (لم يكن شيئا مذكورا )وللانسان الان نشأة  رحمية ثانيا وهو يتكون فى رحم الام (من نطفة أمشاج) أيضا وهو ها هنا ماء الرجل المخلوط ببويضة الانثى ويمكث فى هذه النشأة الرحمية نحو من تسعة أشهر يطوى خلالها جميع الصور التى مرت عليه فى النشأة الرحمية الاولى اذ يرتفع من دودة منوية الى بشر سوى وهو فى هذا الرحم كما كان فى ذاك لا ارادة له ولا حرية وانما هو خاضع تمام الخضوع للقانون الازلى القديم الذى تخضع له الاحياء والاشياء والذى قال تعالى عنه (أفغير دين الله يبغون وله  أسلم من فى السماوات والارض طوعا وكرها واليه ترجعون ؟ هو خاضع للارادة الالهية التى لا يعصيها عاصى ولا يشذ عنها شاذ هى دائما تطاع حتى بالمعصية . ان التخيير يقتضى موقف من موقفين على أقل تقدير أو أتخاذ موقف من عدة مواقف وأتخاذ هذا الموقف بقتضى الوزن والتمييز وملكة المفاضلة وهذه تعتمد على العقل فكيف يكون موقف المعتوه أو موقف ضعيف العقل بسبب الوراثة لمجيئه من أبوين معتوهين أو ناقصى العقل هل هذا مسبر (مبرمج) أم مخير (حر)؟ . ان النظرة العلمية تقول :- ان الانسان مسير (مبرمج) حتى حين يختار هو محاط بأختياره لا يملك من هذه الاحاطة (البرمجة) فكاكا ولا انعتاقنا هو يدخل الحياة ولا اختيار له فى الدخول ويخرج من الحياة وليس له اختيار فى الخروج ويعيش فيما بين الدخول والخروج فى بلد ليس له فيه اختيار وفى مجتمع ليس له فيه اختيار فكيف يكون مالكا لحرية اختيار ؟؟ فى القران حل لمشكلة الجبر والاختيار ما فى ذلك أدنى ريب ولكن القران لا تفهمه الا العقول التى تادبت بأدب القران – أدب شريعته وأدب حقيقته – وكون الانسان مسيرا هو أصل التوحيد  فأنه ان يكن مخيرا فأما أن يكون اختياره نافذا فى جميع الاحوال فيكون مشاركا لله فى  فعله وأما أن يكون اختياره معطل فى بعض الاحيان فيكون بذلك التعطيل مسيرا الى أمر لم يختره فهو وفى نهاية المطاف مسير . ان الخالق لواحد وان الفاعل وراء كل فاعل لواحد والوهم هو الذى طوع لانفسنا نسبة الافعال لغير الفاعل الاصلى قال تعالى فى ذلك ( أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شىء وهو الواحد القهار ) خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم – هذا هو موطن الداء ومجال التلبيث والتوحيد انما هو وضوح الرؤية التى بها يقع التمييز بين المتشابهات وعن هذا الوهم الذى تورطنا فيه فزعمنا لانفسنا ارادة مستقلة عن ارادته حرة متفردة بالعمل أو الترك يحدثنا تعالى فى هاتين الايتين اللتين هما اية فى دقة كشف حجاب الوهم قال تعالى (هوالذى يسيركم فى البر والبحر حتى اذا كنتم فى الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج  من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم  دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين فلما انجاهم اذ هم يبغون فى الارض بغير الحق  يا أيها الناس انما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم الينا مرجعكم فننبئكم بما كنت تعملون ) وسبب الغفلة سعة الحيلة والشعور بالاستغناء (كلا ان الانسان ليطغى ان راه استغنى ) وحيلتنا فى البر أوسع من حيلتنا فى البحر وبخاصة اذا هاجت العواصف على البحر ( جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان ظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن انجيتنا من هذه  لنكونن  من الشاكرين ) ههنا تنفد الحيلة ويكون اللجأ الى الله ويعرفه من كان قبلا من الجاحدين ويتوجه اليه من كان من الغافلين (دعوا الله مخلصين له الدين لئن انجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين هذا هو حال من تقطعت به الاسباب وقعدت به الحيلة وأفاق من غفلته بأستشعاره الحاجة الملحة هذه حالى وحالك عندما يلح علينا الوهم  ثم انه سبحانه وتعالى يحكى حالة أخرى (فلما انجاهم اذ هم يبغون فى الارض بغير الحق ) فلما وطئوا البر استشعروا القدرة على الحيلة والتدبير فعاودتهم الغفلة من جديد فورد الخطاب من الحق ( يا أيها الناس انما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ) يعنى أن غفلتكم لن تجد فرصتها الا خلال الحياة الدنيا أما فى الحياة الاخرى فأنكم تواجهون غفلتكم كل لحظة فهى تلح عليكم الحاحا وتسلط عليكم تسليطا فلا تجدوا فرصة للغفلة وهذا هو معنى قوله تعالى ( ثم الينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون ) يؤمئذ لن تكون هنالك فرصة لتوهم التخيير وانما هو التسيير لا لبس فيه ولا غموض والله تبارك وتعالى يريد لنا أن نستيغن هذا التسيير منذ اليوم ولذلك هو يعلمنا ان الذى يسيرنا فى البحر حيث لا حيلة لنا هو نفسه الذى يسيرنا فى البر حين نتوهم الحيلة قال تعالى ( هو الذى يسيركم فى البر والبحر) وهو يسوق الحجج الدوامغ ضد وهمنا  بغية تخليصنا منه ( واذا مسكم الضر فى البحر ضل من تدعون الا اياه فلما نجاكم الى البر أعرضم وكان الانسان كفورا *أفأمنتم ان يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا ؟؟أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرغكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبعيا؟؟ هذه حجج فى غاية القوة ضد الغفلة التى تستولى علينا عندما نستشعر القدرة
الانسان بين التسيير والحرية
ان التسيير هو مذهب التوحيد وسوق الانسان الى استيقان هذا التسييرهو وظيفة الكلمة ( لا اله الا الله )التى هى روح الاسلام والاسلام يقرر ذلك التسيير بصورة لا تدع مجالا للشك قال تعالى فى ذلك ( أفغير دين الله يبغون وله أسلم من فى السماوات والارض طوعا وكرها واليه يرجعون ؟؟ولقد سير الانسان فى مراتب ثلاثة :- بوسائل ثلاثة سير وهو فى مرتبة المادة غير العضوية وذلك منذ كان ذرة هيدروجين والى أن أصبح خلية حية تسيرا مباشرا بواسطة الارادة الالهية المسيطرة والهادية ثم سير فى مرتبة المادة العضويةمنذ ان كان خلية حية والى ان أصبح حيوانا سويا تسيرا شبه مباشر وذلك بأرادة الحياة ثم سير تسيرا غير مباشر منذ ان كان انسانا بدائياوالى يوم الناس هذا وذلك عن طريق ارادة الحرية وارادة الحرية معنى زائد عن ارادة الحياة ارادة الحرية قيمة وهى قد دخلت بدخول العقل فى المسرح وفى هذه المرحلة اصبح التسيير من وراء حجاب العقل هذا ما عنيناه بقولنا ان التسيير ههنا قد أصبح غير مباشر تحدثنا أنفا عن لطف تدخل الارادة الالهية فى الارادة الانسانية حتى أنها لم تنزعج ولم تستشعر سلبا لحريتها وانما كان ذلك كذلك لان الارادة الالهية انما تتدخل فى الارادة البشرية عن طريق العقل وهو تدخل من اللطف بحيث يشعر العقل البشرى أنه صاحب المبادرة فيما يأتى وفيما يدع من الامور فهو  ان ضل فأنما اختار ان  يضل وهو لا  يرى الضلال فى ذلك وانما يرى أنه مهتدى قال تعالى فى ذلك ( أفمن زين له سوء عمله فراه حسنا ؟ فأن الله يضل من يشاء ويهدى من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ان الله عليم بما يصنعون ) فهو قد (زين له سوء عمله فراه حسنا ) وتدخل الارادة الالهية فى الارادة البشرية كان من اللطف بحيث نشعر بأننا مخيرون لا مسيرون لان الله سبحانه وتعالى انما بسيرنا عن طريق عقولنا ويتدخل فى هذا التسيير فى لطف بالغ حتى لقد جاز علينا الوهم انا مخيرون وهاك أيات هن أية فى لطف تدخل الارادة الالهية فى الارادة البشرية لتسيرها من غير أن تزعجها (اذ أنتم بالعروة الدنيا وهم بالعروة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعتم لاختلفتم فى الميعاد ولكن ليقضى الله أمرا كان مفعولا ليهلك من هلك عن بينة ويحى من حى عن بينة وأن الله لسميع عليم * اذ  يريكهم الله فى منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم وتنازعتم فى الامر وانما كانت تلك الرؤيا ليصصم النبى على القتال ( وليقضى الله أمرا كان مفعولا   ثم ان الله يرى النبى وأصحابه أعداءهم قليلين فى أعينهم فيصمموا على قتالهم وهو يرى المشركين المؤمنين قليلين فى أعينهم ليصمموا على قتالهم أيضا لماذا أولئك ؟ ( ليقضى الله أمرا كان مفعولا والى الله ترجع الامور) يجرى كل أولئك على المؤمنين وعلى المشركين من غير أن تنزعج ارادة فرد من الفريقين لتدخل الارادة الالهية فى تصميمه ذلك تجليه بأسمه (اللطيف).

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى