أخبار السودان

السودان ينشط خارجيا تجنبا للاستغراق في مشكلات الداخل

الخرطوم – أثار اللغط حول زيارة مرتقبة لوفد سوداني لإسرائيل علامات استفهام حول آليات إدارة السياسة الخارجية، حيث صدر الجمعة نفي رسمي لزيارة أشارت إليها وسائل إعلام عبرية باعتبارها تمثل تطورا في السياسة الخارجية للسودان.

وتقول مصادر سودانية إن السلطة الانتقالية تحاول أن تستثمر في السياسة الخارجية في ظل الصعوبات والتعقيدات التي تواجهها على الصعيد الداخلي للإيحاء بأن هناك تقدما في البلاد سوف تنعكس تداعياته على تحسين الأوضاع المتأزمة، خاصة أن الحكومة أدارت حوارات جيدة مع منظمات تمويل دولية، لكنها لا تزال تستلزم تطويرا مع قوى فاعلة للحصول على تسهيلات في مسألة المساعدات الاقتصادية.

وقطع السودان شوطا كبيرا في إعادة تصويب مسارات العلاقات الخارجية، لكن هذا لم يصطحب معه تطورا مماثلا على المستوى الداخلي، وأصبحت الحكومة غارقة في تعقيدات الأزمات المتراكمة وغير قادرة على التنصل منها، ورأت أن تحقيق إنجازات خارجية يسهم في فك شفرات وألغاز الداخل.

واستطاع السودان كسب ثقة الولايات المتحدة التي تحدثت مؤخراً عن فصل جديد في العلاقات بين البلدين، حيث تمكن من تصويب موقعه على خارطة المجتمع الدولي، ونجح في تطوير العلاقات مع قوى إقليمية مهمة، وبددت السلطة الانتقالية صورة التطرف والانتهازية التي لاحقت النظام السابق من خلال علاقات متوزانة.

وقد تعددت جولات وزيرة الخارجية مريم الصادق المهدي وعدد من أعضاء مجلس السيادة إلى دول عربية وأفريقية متباينة، وبدا أن هناك سياسة خارجية تُعلي من شأن المصالح المتبادلة وتجنب اللعب على المحاور المختلفة.

وفي المقابل لم يواكب هذا النشاطَ تطورٌ ملموس حتى الآن على المستوى الداخلي، فلم تلتزم أطراف المرحلة الانتقالية بالتوقيتات الزمنية التي قطعتها على نفسها لاستكمال هياكل السلطة، ولا تزال البلاد من دون مجلس تشريعي، وجرى إرجاء تشكيله أكثر من مرة، وتوارت تقريبا قضية إعادة تعيين الولاة.

وأكدت أستاذة العلاقات الدولية بمركز الدراسات الدبلوماسية في الخرطوم تماضر الطيب أن عدم حسم مجابهة تنظيمات الإسلام السياسي مثلا يشكل معرقلاً رئيسياً لاستقرار الأوضاع الداخلية، ومهادنة بعض أطراف السلطة الانتقالية لهذه التنظيمات، وظهر ذلك في قضية تطوير المناهج التي تعثرت على وقع رفض فلول النظام السابق لها.

وأوضحت لـ”العرب” أن التعامل مع المشكلات الخارجية أسهل بالنسبة للسودان، لأن هناك حالة من الانهيار التام في كافة المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية وانعدمم للتنمية في أرجاء السودان، ويحتاج التعامل مع هذه الأوضاع إلى فترات زمنية طويلة لأن السلطة الانتقالية ليست لديها القدرة الكافية للعمل على حلها.

ودخلت الأطراف السودانية التي توافقت إلى حد كبير على الخطوط العريضة لمعالم السياسة الخارجية في صراعات داخلية حادة تتعلق بتوزيع المناصب والمحاصصات السياسية ما أدى إلى تململ سياسي وشعبي على مستويات مختلفة، وبدت السلطة كأنها تهرب من الداخل إلى الخارج.

ويعاني السودان من سيولة أمنية في بعض المناطق، ومثل وجود قوات بعض الحركات المسلحة في الخرطوم وبعض المدن البعيدة عن ولايات الهامش تحديا عاصفا مع اتساع رقعة الاشتباكات شرقاً وغرباً وسط عدم القدرة على توفير حلول أمنية ناجحة.

واعتبر القيادي بقوى الحرية والتغيير شريف عثمان أن حالة العزلة الدولية التي تعرض لها السودان بسبب سياسات نظام البشير تسببت في تعقيدات الأزمة الداخلية الحالية، ولذلك فتمكّن السلطة من تجاوز التركة الثقيلة على المستوى الخارجي ستكون له عوائد تنعكس إيجابا على الأوضاع الداخلية.

وأضاف في تصريح لـ”العرب” أن استفادة الداخل من الانفتاح الخارجي يتطلب إصلاحات قانونية وسياسية، وهو أمر يشكل أولوية بالنسبة للحكومة التي تشرع في الإعلان عن تعديلات قوانين الأنظمة البنكية الأسبوع المقبل، بعد أن ظلت أسيرة لرؤية ربطتها بالأنظمة الإسلامية خلال عهد البشير وهو ما يفتح المجال أمام مشاركة البنوك الدولية في دعم الاستثمارات الأجنبية.

وتتضمن الإجراءات المتوقعة إجازة قانون الاستثمار الذي يتيح الشراكة بين القطاعين العام والخاص ويُعطي المزيد من التسهيلات لجذب رؤوس الأموال الأجنبية، وإقرار قوانين المفوضيات المعطلة في اجتماع مشترك يجمع بين مجلس السيادة والوزراء بعد أيام، وقوانين تأسيس المحكمة الدستورية التي سيناقشها الاجتماع المشترك أيضاً.

ويرى مراقبون أن السلطة الانتقالية تخشى الصراعات السياسية المتوقعة بين القوى المختلفة على تركة المجلس التشريعي والولايات، وترى أن الأولوية تكون لإنجاز الملفات التي لها علاقات باستثمار المكاسب الخارجية التي حققها السودان، وعدم السماح بأن تكون الخلافات مؤثراً على تعامل السودان مع التحديات الخارجية.

وذهب هؤلاء للتأكيد على أن اتساع دائرة الأطراف المشاركة في السلطة بعد انضمام قيادات الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا يُصّعب من مهمة التوصل إلى حلول سريعة لجميع الأطراف، ويجعل اللجوء إلى التحرك على المستوى الخارجي بمثابة هروب من الواقع الأليم في الداخل.

ورغم أن السلام الذي نجح السودان في الوصول إليه مع بعض الحركات يحقق نتائج إيجابية على مستوى الابتعاد عن حالة الحروب لكنه أدى إلى تعقيدات سياسية، لأن الحركات أضحت تمثل السلطة عبر مشاركتها في مجلس السيادة والحكومة، ومضطرة أن تكون في صفوف المعارضة أيضاً إلى حين تنفيذ باقي بنود اتفاق السلام.

وتراعي هذه المعادلة الانتقادات المتصاعدة من قبل أصحاب المصلحة الذين يرون أن الحركات المسلحة ذهبت للسلام من أجل تمكين قياداتها سياسياً، الأمر الذي يجعل بعض تصرفاتها تمثل منغصا داخليا لسلطة تريد تحقيق إنجازات يشعر بها الناس، فاختارت الحلقة الخارجية الأكثر أمانا.

وتؤدي المخاوف المحيطة بالأطراف المشاركة في السلطة إلى حالة الجمود الحالي، فعدد كبير من المواطنين يعولون على إجراءات الإصلاح الاقتصادي ومضي الحكومة نحو إقرار السلام مع باقي الحركات لتشكيل طوق إنقاذ من التعثر السياسي، وهو ما يتطلب علاقات خارجية وازنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى