مقالات وآراء

السفير السوداني موسس اكول 

 شوقي بدري

 

قبل مغادرة الجنوب وانفصاله السياسي فقط  وبقاءه في وجداننا كان الاخ  موسس اكول سفيرا للسودان في اسطوكهولم . اتى بعد شخصية مميزة وسفيرة متمرسة الاخت زينب محمود التي تركت اثرا طيبا عند السودانيين والسويديين مثل الاستاذة سوسن عبد المجيد من قبلها والاستاذة نادية جفون التي عملت في السويد ثم ترقيت كسفيرة في النرويج وخلفا عن الاستاذه الهام شانتير التي صارت وزيرة للخارجية ، لهن التحية والاحترام .

يجب أن لا ننسى أن من افتتح اول سفارة في اسكندنافية هو  العالم الدكتور فرانسيس دينق كأول سفير وكان معه الدبلوماسي الشاعر محمد المكي ابراهيم في تلاحم  جنوبي شمالي وقاما ببناء سمعة رائعة للسودان . قام معاوية سورج الذي كافأه نميري على بيع رفاقه الشيوعيين  كشاهد ملك في المحاكمات التي ادت الى الاعدامات والسجون بسفارة السويد  . قام معاوية في  ساعة واحدة بتحطيم ما بناه الرجل الحكيم فرانسيس والشاعر محمد المكي ابراهيم  . معاوية في    ملهى في اسطوكهولم وملهى  ،، الاكساندرا،، وهو مخمور  قام بصفع جرسون ومشاجرة ، وعندما اراد ان يقود سيارته منعه البوليس من القيادة . رفض الخروج من  االسيارة واضطر البوليس لرفع السيارة والسفير  داخلها واظهرته  الصحف وعدسات التلفزيون  ، والسفير داخل السيارة . تلك كانت سابقة واسوأ فضيحة تعرض لها  السودان .

اتى الاخ موسس اكول بعد  هذه الظروف  الى اسطوكهولم وكان مساعدة الدبلوماسي الابن محمد ادريس الذي شرف السودان  بلباقته وادبه . لم تكن مهمة موسس اكول بالسهلة  فمن سبقوه كانوا من المتمرسين وبعضهم كسب حب احترام السودانيين والسويديين بالرغم من  قبح نظام النميري الذي انقلب على نفسه وبدأت حرب الجنوب الثانية وديمقراطية كسيحة توج كل هذا بكارثة الانقاذ .

تمكن السفير موسس اكول من كسب الحب والاحترام فموسس اعلامي متمكن مارس العمل في امريكا  كان متمكننا من اللغة الانجليزية وله مقدرة عظيمة في التواصل بالغة العربية فهو مثل وزير خارجيتنا وقتها  دينق الور متخرج من جمهورية مصراحدهم من القاهرة والآخر من الاسكندرية وقبل الجامعة درس احدهم في مدني والآخر في كوستي . الوزير دينق الور من دينكا ابيي وموسس هو شقيق الجنتلمان والوزير العالم لام اكول …..وهم من ملكال التي في القلب . موسس كان اديبا وخطيبا مفوها له كتابات ومواضيع رائعة في الاسافير والصحف السودانية ومقدرة على صياغة الكلمات ورصانة احسده عليها . موسس ذواق للشعر يكاد ان يكون حافظا لكل ديوان شاعر امدرمان حى العرب سيف الدين الدسوقي، كان ديوانه لا يفارق موسس  .

الى حد كبير فان تواصلي بموسس كان بسبب الانتماء الى ملكال التي في القلب ولقد حزنا سويا عندما عرفنا الدمار الذي لحق بملكال واعظم المباني والمنشآت الجميلةالتي تقف على اعمدة خرصانية  في حى المديرية والتي كادت ان تكون  تحفا على شاطئ النيل الشرقي . موسس كان يتألم اكثر فهو ابن حى الملكية الضخم في ملكال ، وقد ولد في  ملكال  . زياراته لمنزلنا في  مدينة مالمو جنوب السويد كانت تسعدنا كثيرا .خاصة والدة زوجتى من الشلك ومنزل والدها الشاويش كان في الملكية وليس بعيدا عن مسكن آل اكول .كما قابل الابن / الاخ عمار خالد واكتشف انهم  اخوة في الرضاعة .

كنا نتذكر احياء ملكال مثل اصوصا الذي كانت فيه مدرستنا . مدرسة البندر بالقرب من سوق الدخولية شرق جامع ملكال المبني من الحجر الذي لا يوجد في ملكال والحى الجميل حى الرى المشهور بالحدائق الغناء ، حى صنقعت الذي كان ابعد سكن في جنوب ملكال ، المطار بعد البيطري في شمال المدينة ،  حي الدليب والدليب هيل  ، سوق ملكال منتزه اركويت عند الميناء النهري الخ . لقد كان عندنا الكثير المشترك . الشئ الوحيد الذي فشلنا في التواصل فيه هو التنس . فعندما اقمت له  حفلة شواء حضرها لدهشي حوالى 70 شخص وهذا شئ غير مسبوق ففي العادة أن يعتذر الكثير عندما يتعلق الامر بطاقم السفارالذي كان يمثل الانقاذ .  وعندما حضر موسس يحمل معه مضارب التنس الذي كان من ابطاله في ملكال ، كان يتوقع أن اشاركه ، وملاعب التنس موجودة بكثره في كل الاحياء السويدية وتحت  خدمة الجميع . صدم موسس عندما عرف اننا في العباسية كانت لنا مواقف عقائدية ضد من يمارسون التنس ومن يحتفلون بعيد ميلادهم . صلاح عبد الفتاح من نمرة اتنين في الخرطوم صاحب اللهجة المصرية كاد ان يفقدني هويتي العبسنجية عندما حضر للعباسية بحثا عني  وهو يرتدي ملابس التنس البيضاء ويقود سيارة مرسيدس بيضاء وفرش ابيض !!! قمة الاستفزاز .

موسس طيب الله ثراه هو الذي اخبرني ان الصديق وزميل الدراسة في ملكال فاروق دينق قد التحق بالشرطة وصار معاقا قي احداث الجنوب الدامية . فاروق كان يحب النكتة والدعابة . كان معي في الصف الأوسط . امامي جلس مجذوب يوسف  من الدامر وخلفي جلس بخاري محمد على من القيقروبعده فاروق دينق وخلفه جلس العظيم فقوق نقور جوك  الذي يحما اسمه ابني فقوق نقور .  وعلى يمينه حكيم المدرسة وتاج رأسنا اجوت الاونج اكول من ملوط وعلى يسارة ابراهيم الحاج ابراهيم من فنجاك الزراف غرب النوير اهله من ود الزاكي النيل الابيض . هكذا كنا قديمافي  منتهى الحب والاخاء .ولا نزال نتسقط أخبار الرفاق واسرهم .

عندما نظم موسس استقبالا  لوزير الخارجية دينق الور في اسطوكهولم كان الحفل جيد التنظيم خفيف الروح ضم سفيرة السودان في  النرويج الاستاذة الهام  شانتير ، الكثيرين من السفراء الافارقة ، العرب والاوربيين .منهم سفير الكويت . والكويتيون لا يتعبون عند مقابلة السودانيين من الحديث عن القنصل عبد الله الشريع الذي صار اسمه عبد الله جوبا . والكويتيون يعتبرونه طرزان الكويت في ادغال الجنوب . بالرغم من تبجح السفير الكويتيبسيرة غبد الله جوبا  كان موسس ودينق الور  يستمعون باهتمام واحترام بدون ابداء تأفف اوتململ . هذا قمة الدبلوماسية . كان هنالك سويديين وهم مواطنون عاديون قدم احدهم نفسه كرئيس لنادي التنس الذي تشرف بانضمام موسس اليهم . لا اذكر ان هنالك سفير قد مارس هذا النشاط الرياضي والتواصل مع المواطنين العاديين مثل موسس . وقد اكون مخطئا  . هنا الفرق بين السفير عبد اللطيف والسفير موسس اكول الذي تواصل مع الجميع . وهو اول سفير  اقيم له حفل وداع في جنوب السويد .موسس طيب الله ثراه حيرني لانه اول سوداني قام باستلاف مجموعة من الكتب من منزلى وقام بارجاعها لآخر كتاب .واظن انه  الشخص الاخير الذي يقوم بهذا العمل  الجنوني . يقولون ……. احمقان ……من يسلف الكتاب ومن يرجعه .

روعة موسس والتي جعلته دبلوماسيا رائعا هو قدرته على التواصل ، انتزاع الاعجاب الحب والاحترام . لا اذكر ان  سفيرا في مدينتنا ومدينة جامعة لند القريبة قد وجد الحفاوة من الجميع مثل موسس . في مشاركاته في مؤتمر القرن الافريقي الذي كانت تنظمه جامعة لند كان موسس لا يغادر مقعده في كل ايام المؤتمر، يستمع بتمعن وعندما يشارك ينتزع اعجاب الجميع .كنت فخورا به كابن ملكال الحبيبة .

في فترة التف بعض الشماليين  ومنهم سيدة خاصة حول موسس . وما حيرني كثيرا هو انهم من كان يحمل افكارا عن عدم تقبل الجنوبيين ويحط من قدرهم وهم من يصرح بهذه الافكار . فشلت انا أنا افهم أن عظمة موسس كانت في انه يجتهد في اكتساب الآخرين وهذا هو دور الدبلوماسي وكانت ولا تزال  سياستي انا هى المواجهة وكشف الآخرين . أظن ان سياسة موسس انجع  ، والآن افهم واثمن سياسة  السفير موسس اكول  طيب الله ثراه فقد غادرنا قبل ايام .

اتصل بي الابن ماثيانق سريلو رئيس تحرير صحيفة الموقف في جوبا  التي لى شرف  ارسال كل ما اكتب لها  ليخبرني بانتقال موسس الى جوار ربه  . كنت اتوقع أن امام موسس طريق طويل من العطاء ليعطي الوطن خبرته ومقدرته العظيمة من الاعلام والدبلوماسية . واستطيع أن اقول انه كان اكثر السفراء في اسكندنافية تواصلا مع السودانيين والمواطنين السويديين وهذا هو المهم . وسيذكرونه لبقية حياتهم .

الفريق محمد احمد زين العابدين صار سفيرا في السويد لأنه كان رئيسا للبشير وعندما ارادوا طرد البشير بسبب تقاربه مع الكيزان  وقتله وجرح فتيات في حفل عرس في المجلد واحتماءه بحرسه ثم القاعدة العسكرية .  والسفارة كانت مكافأة ، كما تمت تمديد الفترة العادية . وبسبب وضع الفريق  الغريب لم يجد التعاطف من السودانيين او السويديين .الفريق الذي لم اسمع به من قبل قام بالاتصال بي ودعاني لزيارته في اسطوكهولم . اخذت معي الاخ ابن زمبيك الحبيبة فيليب دينق بعد أن قطعت 650 كيلومتر . الا ان السفير  والفريق قد مارس معنا ،، الزوغان ،، .  السبب كان حضور وزير الخارجية مصطفى عثمان شحادين الذي هاجمته ونظامه في اجتماع كوبنهاجن الاحد 12 ديسمبر 1994. هذا السفير لم يعرف كيف ينظم مواعيده . وكان من المفرض أن يعرف وينظم مقابلاته  فهو رجل جيش .

في نهاية السبعينات اتى احد رجال  النميري كسفير واسمه عبد اللطيف . على عكس السفير موسس اكول لم يكن له اى اتصال بالسودانيين . قابلت ابن عمه الذي  يعمل في الخطوط الليبية الذي كان في زيارة عبد اللطيف  . تقابلنا  فى الطائرة المتجهة الى السودان . وعرفت منه ان عبد اللطيف يقول …. انا ما عندي صلة بالسودانيين في السويد ، والسودانيين ما قادرين يفهموا  انو انا مش سفير للسودانيين ، انا هني السفير للسويديين ….. تصور !! هذا التصرف الغريب كان يختلف تماما عن تصرف موسس طيب الله ثراه . الذي كان يقطع 650 كيلومتر لكي يشارك في مناسباتنا حفلاتنا . له الرحمة . كان موسس نشطا اجتماعيا . اذكر انه نظم زيارة الفنانة العظيمة نانسي عجاج لاسطوكهولم . كما كان يمارس الكثير من الاعمال في السفارة لتخفيف العمل على الكادر الذي لم يكن ابدا متكاملا . كان يمارس في كثير من الاحيان العمل القنصلي عندما لا يكون القنصل موجودا  وقد يستمر هذا لاسابيع .موسس كان نقلة جميلة . المؤلم ان  الموت قد اختطفه .

السفير عبد اللطيف سلم كل شئ في السفارة لضابط الامن محمد مهدي المجذوب الذي حاول أن يجندني لصالح السفارة. اثنين من الدكاترة الدنماركيين وثلاثة ممرضات تحصلوا على معدات وامصال وادوية لعلاج السل الذي يفتك باهل الشرق . وكانوا سيقضون 5 اشهر في السودان  وهذا سيحرمهم من مرتباتهم وسيمولون رحلتهم بمواردهم الخاصة . واذا نجحت الحملة ، ستقوم حكومة  الدنمارك بشن حملة كبيرة للقضاء على مرض الدرن ،، السل ،، في شرق السودان . اتصل بي  اخصائي الصدرية عبد الرحمن عبد الحميد عثمان زميل براغ لمساعدتهم  لأنه كان يعمل في السعودية . وبعد أن دفعت الف كرون رسوم فيزة الدخول لانني خجلت من اخبار الدنماركيين ان السفارة طالبت  ب30 دولار لكل فيزة وهم ذاهبون لمساعدة السودان . والمؤلم ان عبد اللطيف وود المجذوب رفضوا السماح للدنماركيين بالذهاب الى السودان  . السبب كان ….. لماذا الشرق الجزيرة فيها سل ؟ عبد اللطيف كان من مدني  !! هنا الفرق بين موسس الذي يتواصل  مع الجميع ومن يعتبرون منصب السفير  غنيمة .

في ايام مؤتمر القرن الافريقي هرع  بعض الصوماليين لمصافحة موسس لانهم قابلوه في بعض الفعاليات العامة في امريكا . كان موسس يتذكرهم جيدا وسأل احدهم عن شقيقه الخ . ولهذا استطيع أن اقول أن موسس هو السفير الذي تواصل وسافر اكثر من البقية . يؤلمني انه قد غادرنا . اذكر زواجه قبل عقد من الزمان .وبالرغم من الالم لموته ، الى انني سعيد بأنه قد خلف اثنين من الابناء من زوجته سوزان  لها احر التعازي واتمنى أن يأخذ الله بيدها ويجبر كسرها . والعزاء الى الدكتور لام اكول .

من الاشياء الرائعة ، أن الاخ  برشم الذي اتت به السفيرة زينب محمود من السودان كطباخ ماهر قد واصل مشواره مع موسس وكان يجد اطيب علاقة مع موسس . عند زواج برشم في ام درمان بيت المال  قام موسس بزيارته  وتهنئته بزواجه . في زيارة موسس الاخيرة لاسطوكهولم قام بالاتصال بي والبعض من السودانيين . هذا التصرف الجميل لانمارسه نحن السودانيون  في العادة . واذكر ان الابن الدبلوماسي محمد ادريس قد اتصل بي كذلك . السودانيون  لا يتصلون بعد سفرهم  وليس لانهم  غير اوفياء ولكن فقط لانهم لا يهتمون او يتكاسلون . السفير في اسطوكهولم السيد ابوبكر حسين والابن الرشيد البصيلي  وطاقم السفارة الحالي حتى الموظفين المحليين منهم الابن رعد  لا يمتلك الانسان الا أن يشيد بهم ، لهم كثير الشكر والتحية .

كركاسة

في الفترة الاخيرة كنت افكر كثيرا في موسس طيب الله ثراه . فكرت في اهل ملكال وزميل الدراسة المناضل العظيم  اسماعيل سليمان من كاجو كاجي صاحب العيون الواسعة التي تنطق بالطيبة والمودة . والبارحة حلمت  بمقابلته . الغريب  اننا لم نتقابل منذ نهاية ابريل 1959 .

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..