مقالات وآراء سياسية

إصلاح الأحزاب السياسية والجيش

يوسف السندي

ثورتي أكتوبر وأبريل انتهتا إلى إنقلابات عسكرية، أكتوبر انقلب عليها النميري وابريل انقلب عليها البشير، الانقلابات لم تكن عسكرية صرفة بل كانت صناعة أحزاب سياسية وكان ضباط الجيش مجرد منفذين، هذا يوضح أن أصل الانقلابات في السودان هو الأحزاب الشمولية وليس الجيش لوحده، عليه القضاء على الانقلابات ومنع الشمولية من العودة بعد ثورة ديسمبر يستوجب القيام بشيئين، الاول إصلاح الأحزاب السياسية وإبعاد شبح الروح الانقلابية، والثاني اصلاح الجيش عبر القضاء على عقلية المغامرة والقابلية للاستقطاب السياسي من قبل الأحزاب السياسية لتنفيذ الانقلابات.

دروس فشل الثورات السابقة في استدامة الديمقراطية لم تتم الاستفادة منها كما ينبغي، والدليل أن الحكم الديمقراطي كان يتراجع عمرا بينما يزداد عمر الشموليات، الديمقراطية بعد ثورة اكتوبر استمرت خمس سنوات قبل انقلاب النميري، بينما ديمقراطية أبريل استمرت فقط أربع سنوات قبل انقلاب البشير، نستنتج من هذا أن عدم معالجة الخلل باصلاح الجيش والاحزاب السياسية سيؤدي الى فشل ثورة ديسمبر في استدامة الديمقراطية وقد تسقط وعمرها فقط ثلاث سنوات. بالمقابل زاد عمر الانظمة الدكتاتورية، دكتاتورية عبود حكمت ست سنوات، دكتاتورية النميري حكمت ١٦ سنة، دكتاتورية البشير حكمت ٣٠ سنة، نستنتج أن الشمولية القادمة ستستمر على الأرجح لنصف قرن من الزمن اذا لم تتم معالجة جذور وأصل الشمولية داخل الأحزاب السياسية وداخل العقلية العسكرية في بعض ضباط القوات المسلحة.

تنتشر في السودان ثقافة مجتمعية ابوية غير ميالة لتطبيق الديمقراطية، هذه الثقافة مثلت حاضنة لوجود احزاب سياسية فاقدة للديمقراطية، ومهدت لظهور قوات مسلحة لا يتورع بعض ضباطها عن خيانة قسم القوات المسلحة والقيام بالانقلابات، تغيير هذه الثقافة يتطلب وجود دولة مستقرة، عادلة، قادرة على ادارة البلاد. وهذا ما يجعلنا ندعو إلى استمرار السلطة الهجين بين المدنيين والعسكريين لفترة اطول، بشرط أن يستفاد من هذه الفترة الطويلة في بناء الاحزاب السياسية والجيش في جو بعيد عن ثقافة أبيض واسود، حكومة ومعارضة، وفي ظل إجماع وطني على إصلاح الأحزاب والجيش وبناء الحواضن الديمقراطية.

الاهتمام بإصلاح الأحزاب السياسية وإصلاح الجيش خلال الفترة الانتقالية الراهنة يجب ان يكون اولوية قصوى، وهو حتى الان للاسف غير ذلك، وحتى الجهود البسيطة هنا وهناك ضعيفة وبطيئة ولا تكاد تذكر، مهم ان يعلو الحديث حول هذا النوع من الإصلاح فهو المؤثر الحقيقي فى نجاح ثورة ديسمبر من عدمها في بناء نظام ديمقراطي مستدام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..