مقالات وآراء سياسية

معاوية نور قصة مقال وموقف الناقد الكبير رجاء النقاش ..

د. الفاتح ابراهيم

تحل علينا هذه الأيام الذكرى الثمانون لرحيل الأديب العبقري معاوية نور (1941-1909)
وفي هذه الظروف تكون الأمة أحوج ما تكون إلى ما يذكرها بروادها العظام أمثال هذا الأديب الوطني الملتزم ..
ترجع بي الذكرى إلى وقائع صاحبت مقالا كتبته عن معاوية لنشره في مجلة الدوحة .. كان ذلك في بداية ثمانينيات القرن الماضي حين كانت مجلة الدوحة التي أسسها وترأس تحريرها الأستاذ الجامعي الأديب الدكتور محمد إبراهيم الشوش .. كانت المجلة في ذلك الوقت تتربع على عرش ثقافة الفكر والتنوير المعرفي في الوطن العربي .. ونسبة لظروف معينة مرت بها المجلة ترك دكتور الشوش المجلة وترأس التحرير بعده الأديب المصري والناقد الكبير رجاء النقاش .. كنت وقتها أعمل في وكالة الأنباء القطرية وأكتب متعاونا مع مجلة الدوحة .. واصلت تعاوني مع المجلة حيث توطدت علاقتي بالناقد رجاء النقاش .. والحق يقال أنني وجدت الأستاذ رجاء خلال فترات لقاءاتي به يبدي درجة كبيرة من الحب والتقدير والإعجاب بالإنتاج الثقافي والمثقفين السودانيين .. ولاحظت أن علاقة الأستاذ رجاء بالتراث الثقافي السوداني والمثقفين السودانيين ليس علاقة مجرد عاطفية وإنما تدعمها معرفة عميقة بالجوانب المتنوعة للإبداع السوداني من شعر ونثر وفنون شعبية ..
حملت مقالي الذي كان بعنوان ”معاوية وبليك : العبقري والشهرة“ إلى مقر مجلة الدوحة .. يناقش المقال في مقارنة بين الشاعر الإنجليزي وليم بليك ومعاوية حظ معاوية القليل من الشهرة بالرغم من مساهماته العميقة الهامة في تأصيل النهضة الأدبية في الأدب العربي التي تتزعمها مصر وأدباؤها الكبار حيث كان يقيم ويكتب في أكبر المجلات الثقافية هناك .. أظهر معاوية مقدرات نقدية فذة متناولا بالنقد والتمحيص مختلف فروع الأدب من شعر ونثر وقصة ورواية بما في ذلك البحوث الفكرية في الاجتماع والفلسفة ..
سلط المقال الضوء على كتابات معاوية نور في كبريات الصحف والمجلات الأدبية في مصر حيث تناول بالنقد في جرأة وثقة الأعمال الأدبية لكبار الأدباء في مصر مثل طه حسين وهيكل وسلامة موسى يسعفه في ذلك مخزون كبير من المعرفة ومعرفة عميقة بالأدب والفكر الناطق بالانجليزية .. وقدمت في المقال نماذج من آراء معاوية وأطروحاته التي تقدم بها من أجل إرساء نهضة أدبية صحيحة .. ولعل ذلك ما دفع هيئة التحرير إلى رفض نشر المقال باعتباره يسيء إلى زعماء النهضة الأدبية في مصر .. لمملمت أوراق المقال مغادرا صالة التحرير ولكن عنَّ لي أن اسجل زيارة لرجاء بغرض السلام والتحية قبل الخروج من المبنى ..
وبين رشفات القهوة والحديث في الأمور العامة لمح الأستاذ رجاء أني أحمل دفترا وهو يعرف أنني أتعاون مع المجلة فسألني عنه فأوضحت له أنه مقال رفضته هيئة التحرير .. فاستأذن أن يلقي نظرة فوافقت وناولته المقال فظل يقرأ ويقلب الأوراق تباعا حتى نهاية المقال .. لم يقل شيئا وإنما ضغط على الجرس فجاء مدير مكتبه فأمره أن يستدعي سكرتير التحرير فورا .. جاء سكرتير التحرير فأمره أن يستقل الآن سيارة المجلة ويحمل المقال لينشر في العدد الحالي الذي يتم إعداده في المطبعة وإذا لم تكن هناك مساحة فله الإذن منه كرئيس التحرير أن يحذف أي مقال ليتم نشر هذا المقال بدلا عنه .. ولقد تم نشر المقال بشكل بارز مدعوما بصور معاوية وطه حسين والعقاد وغيرهم ..
ومما يجدر ذكره أنه كانت لمعاوية صلة صداقة قوية بالعقاد الذي رثاه بقصيدة نشرت فيما بعد في ديوان العقاد ” أعاصير مغرب” وقد ارسلها لتلقى في تأبينه بالخرطوم يقول فيها:

اجل هذه ذكرى الشهيد معاوية
فيالك من ذكرى على النفس باقية
بكائي عليه من فؤاد مفجع
ومن مقلة ما شوهدت قط بالكية
تبينت فيه الخلد يوم رأيته
و ما بان لي أن المنية آتية
و ما بان لي أنى أطالع سيرة
خواتيمها من بدئها جد دانية
ألا رحم الله تعالى معاوية العبقري الذي تفجرت فيه أشعة العبقرية مبكرا وانطفأت وهو في ريعان الشباب ..

تعليق واحد

  1. أستاذنا العزيز د.الفاتح..لك الود والتقدير
    المقال فتح شهية القارئ ليعرف ماذا كتب معاوية نور عن وليم بليك وبقية الشعراء الرومانتيكيين؟
    نتمني ان نحظي بمقال لاحق لا يقل روعة عن هذا المقال الأخير.
    لك ودي ومحبتي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى