أهم الأخبار والمقالات

السودان وغياب المجلس التشريعي الإنتقالي

د. الشفيع خضر

عند بدء التنفيذ لبنود إتفاقية سلام جوبا، كتبنا وإقترحنا أن تكون الأولوية، قبل تشكيل الحكومة الجديدة، وقبل أي تسمية لأعضاء مجلس سيادة جدد، هي تشكيل المجلس التشريعي الإنتقالي، وذلك لعدة إعتبارات، أهمها أن السلطة التشريعية تمثل إحدى الضمانات الرئيسية للتحول السياسي والمجتمعي في الفترة الانتقالية، حيث عدم إستقرار آليات العمل الجديدة التي يتطلبها التغيير الثوري، مقابل عدم الإضعاف الكافي لمكامن قوة دولة الإنقاذ العميقة أو الموازية، التي لاتزال متمكنة وتسعى إلى عرقلة التغيير. وفي فترات الإنتقال عموما، يكون التنافس السياسي والاجتماعي على أشده، ومع غياب المؤسسات التشريعية، كأطر منظمة ومراقبة وفق القانون، تلوح في الأفق إمكانية إخفاق العملية السياسية في تنفيذ مهام الإنتقال، في حين أن المجلس التشريعي الفعال، هو وحده القادر على ضمان عملية التحول السياسي والديمقراطي في الفترة الإنتقالية، بعيدا عن نزعات الإقصاء والاستئصال، أو اختطاف طموحات الناس وآمالهم في التغيير.

ولعل من أهم وأخطر واجبات ومهام المجلس التشريعي الإنتقالي، مراقبة أداء الحكومة ومساءلتها، وتغيير تركيبتها إذا اقتضى الأمر، تحقيقا لمبدأ منع إساءة استخدام السلطة وحماية حقوق المواطنين وحرياتهم. صحيح، أن السلطة التشريعية في الظروف الطبيعية، تستمد سلطتها وشرعيتها من آلية اختيارها من الشعب عبر الانتخابات، لذلك هي تعبر عن الإرادة الشعبية، وهي ممثلة ونائبة عن الشعب الذي أنتخبها. أما في فترات الإنتقال، فإن السلطة التشريعية دائما ما تستمد سلطتها وشرعيتها من حالة الضرورة، لذلك غالبا ما يتم التوافق على تكوينها بالتعيين. وفي هذه الحالة، ولأن الضرورة تقدر بقدرها، ولصالح نجاح الفترة الإنتقالية، ولمنع أي إهتزازات وإضطرابات خلال هذه الفترة الحرجة والهشة، فمن الأهمية القصوى بمكان، التقيد بمجموعة من الضوابط والقواعد، أهمها: أن تكون للمجلس التشريعي صلاحيات محدودة، تنحصر في سن التشريعات والقوانين الضرورية لتصفية نظام الإنقاذ ولإستعادة الدولة المخطوفة، تعديل وإلغاء أي قانون يتعارض مع حقوق الإنسان والحريات العامة، سن التشريعات المتعلقة بقضايا ومسار الفترة الإنتقالية، كإجازة الموازنة العامة،…الخ.
أما التشريعات الأخرى المتعلقة بالقضايا المصيرية التي تدخل ضمن قضايا إعادة بناء وهيكلة الدولة، فهي خارج صلاحيات المجلس التشريعي الإنتقالي، ولا يمكنه البت فيها، وإنما تترك للمؤتمر القومي الدستوري، ومن ثم للمجلس التشريعي المنتخب في نهاية الفترة الإنتقالية. ومن الضوابط الهامة الأخرى، أن تحرص القوى السياسية وقوى الكفاح المسلح على تقديم الكفاءات والقدرات الحقيقية لعضوية المجلس، وبعيدا عن قصر الأمر على مجرد الترضيات والمحاصصات. وفي كتاباتنا السابقة، نوهنا أيضا إلى ضرورة الحرص الشديد على تمثيل المرأة والشباب ولجان المقاومة والمجتمع المدني والمجتمع الأهلي والشخصيات الوطنية، تمثيلا حقيقيا، وليس شكليا أو صوريا، مع التقيد بشرط الكفاءة والقدرة. أيضا شددنا على أن تكون هناك معارضة حقيقية في المجلس التشريعي الإنتقالي، لأن غياب المعارضة يعني أن يتحول المجلس إلى مسخ باهت لا سلطان حقيقي له تجاه الحكومة. وفي تقديري، هذه النقطة مهمة جدا لتجاوز ما يثار حول الإقصاء وتمكين مجموعات بعينها من أجهزة السلطة.

بصحيفة الجريدة، وبتاريخ 22 ابريل/نيسان الماضي، وسم الدكتور أمجد فريد، عن حق، التعثر في تكوين المجلس التشريعي الإنتقالي بالفريضة الغائبة، مشيرا إلى أن فترة هذا التعثر، عبر التأجيل المتكرر، بلغت اليوم 20 شهرا، تزيد عن نصف عمر الفترة الإنتقالية المنصوص عليها في الوثيقة الدستورية، عازيا ذلك الى العجز البين للقوى المناط بها تكوين المجلس، وهي قوى تحالف الحرية والتغيير. ونحن نتفق مع هذا التسبيب، بل وكان واضحا لنا منذ البداية، أن تشكيل المجلس التشريعي سيتأخر كثيرا بسبب العجز البائن في أداء القوى السياسية الحاضنة، والتي لم تخذلنا أبدا، إذ واصلت تأجيل الأمر حتى اليوم، ولا يلوح في الأفق ما يشي بإمكانية إنجاز هذا الاستحقاق الهام. وكما كتبت من قبل، وبصراحة شديدة، تخامرني شكوك قوية، تكاد تقترب من اليقين، بعدم وجود جدية ورغبة حقيقية، عند كل الأطراف، الحاضنة السياسية وأجهزة الحكم الانتقالي، في تشكيل المجلس التشريعي، أو أن الصعوبات الطبيعية والمتوقعة إزاء التوافق حول كيفية ونسب تشكيله، هزمت هذه الأطراف.

وبالرجوع إلى مكتوب الدكتور أمجد، فإنه خلص، وبعد تشريح وتحليل لحالة الإستقطاب السياسي الحاد في البلاد خلال فترة العشرين شهرا هذه، ولظاهرة الإنقسامات والتصدع في بنيان قوى الحرية والتغيير، بما في ذلك تجمع المهنيين الذي كان له القدح المعلى في تنظيم وقيادة حراك الشارع، خلص إلى حقيقة أن قوى الحرية والتغيير اليوم ليست نفسها قوى الحرية والتغيير غداة إنتصار ثورد ديسمبر/كانون الأول 2018، والتي أجاز لها الإتفاق السياسي والوثيقة الدستورية إختيار أغلبية أعضاء المجلس التشريعي الإنتقالي. وأن هذا التصدع الذي أصاب هيكل تحالف قوى الحرية والتغيير، حصر آلية إتخاذ القرارات السياسية على أحزاب وتنظيمات بعينها داخل التحالف، وهي قطعا لا تمثل الشكل الواسع الذي قام عليه التحالف. كما خلص الدكتور أمجد إلى أنه، وبعد تكوين الحكومة الإنتقالية الجديدة على أساس المحاصصة السياسية بين القوى المتبقية في تحالف الحرية والتغيير، بعد التصدعات والمتغيرات المشار إليها أعلاه، وهي نفس القوى التي عجزت ولمدة عشرين شهرا عن التوافق على كيفية تكوين المجلس التشريعي الإنتقالي، سيكون خللا كبيرا أن نجعل من تكوين المجلس حصرا على هذه المكونات، إذ أن هذه القوى ستكون مجلسا رقابيا على نفسها من نفسها، وفي ذلك هزيمة لمعنى المجلس التشريعي. ونحن نتفق تماما مع هذه الخلاصات التي توصل إليها الدكتور أمجد وطرحها في مقاله المذكور. أما عن كيفية الخروج من هذا المأزق، فيقترح الدكتور أمجد الذهاب مباشرة إلى الانتخابات لتكوين مجلس تشريعي إنتقالي منتخب، ويرى في ذلك مخرجا معقولا وعادلا من المأزق. فهل فعلا هو كذلك؟

‫7 تعليقات

  1. وقفت حمير الشيخ في عقبة حماردوك!!
    مجلس تشريعي معين أم منتخب؟ وإذا معين مين البعينو؟ الوثيقة الدستورية تقول على قوى والحرية والتغيير تعيين ٧٠٪ طيب والباقي بعد نسبة المرأة ولو ١٪ من يعينه؟؟؟
    وإذا مجلس منتخب كما يقترح أمجد فريد ويحتار في ذلك كاتب المقال مع اتفاقه مع أمجد أن قحت (والتي لا يزال كاتب المقال مصرا على وصفها بالحاضنة السياسية!!) لا يتصور منها ولا ينتظر منها أن تقوم بتعيين مجلس رقابي عليها وهي الحاضنة للحكومة!!
    طيب يا تيران الله الأنطح وين اتفاق جوبا وين مجلس الشركاء الجديد والذي أزاح وغطى على قحت والذي أدخل حلفا جديدا بين أطراف جوبا والمكون العسكري الذي فاوضهم واتفق معهم أو بالأحرى تحالف معهم هل ياترى يقبلون بمقترح أمجد فريد البليد ويرضون باللجوء إلى صندوق الانتخابات؟؟؟ إن كاتب المقال عبر فقط عن حيرته من مقترح فريد بعد أن طاف هو شاطحا وناطحا كل الاحتمالات حتى تكسرت قرونه. فحاول المجلس المعين ولكن بلا سلطات تشريعية في القضايا المصيرية ولكنه وقف عند اقتراح فريد فلم نعرف له رأي فيما إذا أمكن إنفاذ الاقتراح بالانتخاب فعلا فهل يكون المجلس كامل السلطان والسلطات وهل تبقى بعد ذلك حاجة لمؤتمر دستوري لوضع دستور بواسطة هذا المجلس المنتخب؟
    يبدو أن حمار الشيخ لم يستوعب الأمور كلها وأن تقرير أمجد فريد جعل تفكيره محصورا في تناوله للموضوع وكما هو واضح قبل تحور قحت وذهاب ريحها بسبب تناقضاتها الذاتية قبل دخول حركات التمرد المتكالبة مع العسكر فانقلبت جميع الاوضاع التي ركز عليها تقرير أمجد فريد حيث دخل حتى العسكر ضمن الحاضنة السياسية التي يشير إليها كاتب المقال ببلاهة وبدخول العسكر وحركات التمرد المسلح كحاضنة السلطة الانتقالية التنفيذية فإنها لم يعد يصلح وصفها حتى بالمدنية!!!!!!

  2. المقال فيه تأملات جيدة جدا للواقع السياسي الراهن.. ليت الناس جميعا يتشاركوا في التفكير للخروج من المآزق المتعددة التي نعيشها اليوم.

  3. فيه تأملات قال؟ دا عراب الحكومة الانتقالية نسوي بتأملاتو شنو؟؟؟ عاوزنو يورينا الحل شنو بالظبط وإلا فلنتواضع جميعاً ولنستمع لبعضنا ولا نحاول فرض المواقف بدون مبررات حقيقية !

  4. احزابنا وسياسيننا وعسكرنا، عقولهم لا تستوعب نظام وطريقة حكم مغايرة ومختلفة عن محيطنا ومنطقتنا، او ما عهدوه من فساد ونهب وتجبر وعمالة بارخص الاثمان.
    لن يشكلوا مجلس تشريعي محترم، او مؤسسة قضائية نزية، او مؤسسة مالية تمنع المال العام عنهم، ولن يحاولوا دعم مؤسسةاعلامية تفضحهم…
    لصوص وقتلة وجدوا شعب نجيلة لايريد حقوقة، لا يريد ان يقتص ويقتلهم ويفجرهم ويعدمهم ويسترد حقه منهم ومن ابنائهم.

  5. القول ما قال به د. صديق الزيلعي (شيوعي) والأستاذ تيسير حسن إدريس من ضرورة العودة لنقطة البدء لبطلان تأسيس السلطة الثورية الانتقالية بالمشاركة مع اللجنية للنام الذي يفترض اسقاطه برممه ، ولكونها لم تكن ثورية مائة بالمائة (كان يجب استبعاد تطفل كافة الأحزاب ومشاركتها في حراك الثورة كأحزاب وادعائها قيادة الحراك وهو ادعاء أعطاها الجرأة الزائفة على الاتفاق فيما بينها على إدعاء تمثيل الثورة أمام اللجنة الأمنية للنظام الساقط جزئياً حينها.
    وليكن واضحاً بأن العودة لنطة البدء تعني إلغاء مشاركة أي مكون عسكري في السلطة الانتقالية وثانياً إلغاء تفويض حمدوك كرئيس وزراء مع كافة شلته والاتفاق على أي شخص آخر عاش سني الظلام الكيزاني داخل السودان أو بين الداخل والخارج بما يكفيه معرفة شخوص وقادة نظامهم ونوعية الغوغاء التي زجوا بها في مؤسسات الدولة ومنحهم وظائف أمنية ودفاع شعبي ومليشيا طلابية وكتائب ظل وخفافيش ظلام وإن لم يكن يعرف لا يحيط نفسه بشلة الغايبين المهاجرين ممن لا يعلمون أي شي عن أساليب وقيادات ورموز نام الأنجاس وأن تكون حاضنته هو مجلس ثوري من الثوار والتروس ولجان المقاومة والخدمات الخ.
    ويجب إلغاء كافة القوانين التي تنظم عمل الدولة – قوانين كافة المؤسسات والسلطات العامة كالقضائية والعدلية وكافة الوزارات ويعاد تشكيلها من جديد تدريجياً أو ما أمكن فوراً، ولا تترك غير القوانين التي تنظم العلاقة بين المواطنين كأفراد وحقوقهم كالقوانين المدنية والجنائية إلى حين امكان مراجعتها. وهكذا… لقد أشار الكاتبان المذكوران إلى رورة العودة لنقطة البدء ولكنهما لم يفصلا ولكن بالضرورة ولزوم ما يلزم أشرنا لهذه النقاط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى