مقالات وآراء

فى قانون مفوضية العدالة الإنتقالية – بناء العدل أصعب من هدم الظلم

عبدالرحمن حسين دوسة

(1)
قد يلزم الشعب السودانى الكثير من السذاجة وربما الصناجة أيضاً كى يصدق بأنه فى حاجة لأربعة عشر أو يزيد من رؤوس للدولة مهمتهم الحفاظ على سيادة الدولة وحدتها وسلامة أراضيها حسبما ورد فى وثيقة ساطع الحاج وإبتسام السنهورى.

ما شد ويشد إنتباه محمد أحمد المغلوب على أمره، أنه ورغم هذه الرؤوس المتعددة والمتحاصصة، لم يشهد  السودان فى تاريخه المعاصر أو القديم إنتقاصاً لسيادته وتهديدأ لوحدته كالذى يشهده الآن فالوطن اليوم طائر كسيح لكل من أراد الصدق مع نفسه قبل الآخريين.

أبعد من ذلك وأهم، هذا الإزدهار غير المسبوق لأيدولوجيا إثنوجهوية مفترسة تستعرض تفوفقها على الدولة ومؤسساتها بل وتدشن علناً بازارات التجنيد القبلى لزوم تكبير الكوم لترتيبات أمنية مرتقبة فى شئون القتل وشجونه طالما كان ذلك أقصر الطرق وأقربها للقصر الرئاسى.

أعلم وتعلمون أن المشهد بمجمله مربك ومحبط وأن الثورة قد أجهضت وصودرت لصالح جهات معادية لها من ألفها الى يائها ثم تحاصصت وتربعت ليزداد اللايقين بشأن الوطن ورهاناته المستقبلية.

(2)
رغم هذا الشعور المر بالعبث واللاجدوى، توقفت بتفاؤل أمام قانون مفوضية العدالة الإنتقالية الذى إجيز قبل أسابيع قليلة من بين أكثر من (25) قانوناً إجازتها الحكومة الإنتقالية حتى اللحظة.

فى تقديرى، لو إمتلكت الحكومة الإرادة والقدرة على السير حتى النهاية فى مسارهذا القانون – وهو مسار طويل وشائك – وطبقته بكفاءة وبدون دغمسة، فلربما نستطيع القول أننا قد بدأنا فى تلمس الطريق الصحيح نحو إعادة بناء الدولة والمجتمع على أسس جديدة وفى رحابات مختلفة عما حدث فى الماضى.

القانون فى حد ذاته بسيط ومقتضب (22) مادة وهو قانون تأسيسى لا موضوعى ولا إجرائى أى بمعنى أنه يؤسس لبناء هياكل الجسم الذى يضطلع بمهام تطبيق مفهوم العدالة الإنتقالية من دون الخوض فى تفاصيل المفهوم لجهة تعريفه ولا الإجراءات العملية المفضية إليه وبالتالى وعند هذا المستوى وبهذا السقف فهو قانون واعد وجيد من حيث المقصد والمبنى خاصة أن بناء العدل أصعب من هدم الظلم.

إذن ومن جانبنا إيضاً لا نود التطرق للأبعاد النظرية والمفاهيمية بقدر ما يهمنا فى هذه المقاربة القصيرة والعامة استشراف التحديات التى قد تواجه القانون عند الشروع فى تطبيقه.

الحال أن الجميع يدرك أن العدالة الإنتقالية محل هذا القانون ليست من صنف أو جنس عدالة مولانا أبورنات التقليدية والتى مارستها وخبرتها محاكمنا لفترة طويلة، لذلك او بسببه نجد أنها من المفاهيم الغامضة نسبياً حيث تختلف تجارب الشعوب بإختلاف أوضاعها الإجتماعية والثقافية ومن ثم لا توجد تجربة تناسب السياقات كافة وهنا يكمن كعب أخيل القانون.

عليه فإن التحدى الذى يواجهنا هو إبتكار نموذجنا الخاص الذى يتقاطع مع تجارب الشعوب وركائز العدالة الإنتقالية.  هنا يمكننى القول بشئ من الثقة أن من أهم المكونات الحيوية لتطبيق هذا القانون ونجاحه فى أى سيناريو قادم لتحقيق إستقرار مجتمعى وسلم أهلى يكمن فى إستحضار وتوسيع نطاق تطبيق قوانيننا العرفية التى إندثرت بالإهمال لذا أود الإشارة لثلاث تجارب أو إضاءات علها تسهم فى رحلة البحث عن نموذجنا الخاص.
(3) تجربة الزفة

من أنجح تطبيقات القانون العرفى فى الحفاظ على السلم الإجتماعى والمصالحة وجبر الضرر هى التجربة التى كانت تعرف بالزفة وهو تقليد أهلى إدارى إندثر من منتصف ستينات القرن الماضى حيث كان يعقد كل سنتين أو ثلاث فى كل مركز أو مديرية بحضور قاضى المديرية فضلا عن كافة زعماء الإدارات الأهلية والقبائل.

فى هذا التجمع يتم أولاً إستعراض تشريفى لكافة القبائل ثم مناقشة ومعالجة كافة التظلمات والإنتهاكات البينية وإستشراف الإشكالات المستقبلية وفق منظمومة متكاملة من الإجراءات والتقاليد العرفية الثابتة والمستقرة والتى كانت تعرف بسياسة الراكوبة وأحياناً الخيمة الكبيرة ويختتم بتوزيع البراءات والنياشيين وشهادات التقدير.

تتركز معظم الإنتهاكات فى حوادث القتل والنهب والسرقة والأذى الجسيم والإختطاف والتعدى على الحاكورة وإتلاف الزرع والمراعى والمياة علماً بأن معظم الأحكام التى كانت تصدر رضائية وتوافقية لا مجال فيها للإستئناف ويتولى قاضى المديرية تلخيصها ورفعها للنائب العام الذى يقوم بإستخدام صلاحياته القانونية فى الحفظ.

يقال أن هذا التقليد إبتكره الحاكم العام السير هيوبرت هدلستون (1940 – 1947) بناء على توصية السكرتير القضائى وقتنئذ تى. بى. كريد (1941 – 1947) وقد إنبثق عن هذا التقليد منظومة أعراف وجدت قبول المجتمعات المحلية وساهمت فى تحقيق العدالة الشعبية والإستقرار وقد إطلعت شخصياً على محاضر ونماذج من هذه الأحكام والمعالجات الصادرة من مجلس ريفى شمال دارفور (كتم) ولا أشك فى توافر العديد منها فى أرشيف الولايات أوالمحليات ولدى الإدارات الأهلية والأعيان.

اعتقد أنه يمكن التعويل  الى حد كبير على هذه القوانيين العرفية فى جلسات الإستماع المرتقبة خاصة وأن الجرائم المرتكبة فى الريف أرتكبت بدوافع قبلية وأثنية وليست شخصية أو فردية أو وظيفية كما هو الحال فى المركز والمناطق الحضرية وبالتالى فإن خصوصية إنتهاكات الريف  تصعب من عملية كشف الحقيقة القائمة أصلاً على الإعتراف الصريح والعلنى إذ عوضاً عن ذلك يكتفى فى الريف بالإعتراف أو المسئولية الجماعية وفق قواعد القانون العرفى ثم بعد ذلك جبر الضرر والمصالحة وفق ذات القواعد التى توفر العديد من الخيارات.

(4) تجربة خزان أبو جداد

الزمان بداية سبعينات القرن الماضى والمكان خزان أبو جداد فى إقصى غرب ولاية شمال دارفور، النزاع حول ملكية الحاكورة، والأطراف قبائل الزغاوة والقمر والعرب بنى حسين. الحضور قاضى المديرية، مفتش مركز كتم ومفتش مركز الجنينة إضافة لعدد من زعماء الإدارات الأهلية.

رغم صغر سنى فى ذلك الوقت فقد تعلق بذاكرتى ذلك السجال العنيف الذى أوشك أن ينقلب الى عراك بين مفتش مركزى الجنينة وكتم حول ملكية الحاكورة علماً بأن أحدهم من العيلفون والآخر من الجزيرة إسلانج وهو ما يذكرنا بتفانى موظف الخدمة المدنية وقتذاك فى القيام بواجباته بغض النظر عن قناعاته الشخصية.

وبالنظر لخطورة النزاع وما قد تترتب من نتائج وخيمة فى حال إندلاع أى إشتباك مسلح فقد إستمر التجمع لأكثر من ثلاث أسابيع ثم حكمت الحاكورة لصالح قبيلة الزغاوة (إدارة دار قلا) وقبلت الأطراف الحكم برحابة صدر ولكن بقيت فى المخيلة شيئاً من القواعد العرفية التى وظفت ببراعة فى الجلسات العديدة التى كانت تعقد صباحا ومساءً.

تسنى لى الإطلاع على هذه المحاضر بعد أكثر من عشر سنوات وبعد دراستى للقانون إثناء خربشتى لبعض أوراق الوالد – عليه الرحمة – وقد تمكلتنى الدهشة إداء الأطراف وعمق تجربة القوانين العرفية وتماسك قواعدها التى تفوق أحياناً القوانيين الوضعية إذ تجد العمدة يفرق بين البينة المباشرة والسماعية ويستبعد الوقائع المماثلة عند اللزوم ويرجح البينة على الآخر ويعلى من شأن أقوال المحتضر أما الأطراف فقد كانوا بحق وحقيقة محامون ولكن بدون ترخيص.

هذا تراث قانونى عظيم ينبغى الإستفادة منه فى تطوير نموذجنا الخاص ونتحسر كثيراً لتراجع مكانة القوانين العرفية فى منظومتنا القانونية وأنتهز هذه المناسبة لمناشدة أستاذنا البروفسير هنود أبيا كدوف المدير الحالى لجامعة أفريقيا ومولانا حمزة محمد نور بأعتبارهما الرواد فى هذا المجال لإحياء هذا التراث.

وفى الأمر ما يشبه المفارقة، إذ أنه وبعد أكثر من ثلاث عقود شهدت ذات المنطقة أعنف وأشرف المعارك القبلية بين الأطراف وأرتكبت فيها أفظع الإنتهاكات إبان أحداث دارفور 2003 والآن نستغيث بذات الآليات والأدوات لمعالجة المشكلة من جديد وصدق من قال “لا يمكن للقادة العاجزين سوى إنتاج الهزائم”.

(5) ورشة الدوحة للعدالة الإنتقالية

إثناء مفاوضات سلام دارفور المارثونية بالدوحة ، نظمت الوساطة القطرية ورشة تدريبية عن العدالة  الإنتقالية أستضافت فيها الخبير المغربى شوقى بنيوب الذى يعد من أفضل الخبراء العرب فى هذا المجال وعاونه التونسى محسن مرزوقى المتخصص فى حقوق الإنسان ومدير عام المؤسسة العربية للديمقراطية كما حاضر البروفسير محمدانى مؤلف كتاب “دارفور: المخلصون والناجون” وبمشاركة من منظمة فريدوم هاوس.

نجم الورشة كان المرحوم الملك رحمة الله رئيس محكمة الفاشر الأهلية لأكثر من ست عقود. تميزت مداخلاته منذ البداية بالشمول والعمق والدراية. جمع ما بين المعرفة بتضاريس الأزمة ومفاتيح الحل المتمثلة فى الجلوس على الأرض وتطبيق العرف الضارب فى أعماق التاريخ. علق الخبير شوقى على مداخلات الملك قائلاً أن العدالة الإنتقالية التى جاء من أجلها الى الدوحة هو الملك رحمة لا أكثر ولا أقل.

خلال هذه الورشة جرى تداول الأطر المفاهيمية والركائز والآليات والتدابير والضمانات القانونية والصلاحيات والمهام والإجراءات وغيرها من الإستحقاقات ولكن لسوء الحظ لم تفعل الملحق الخاص بالعدالة الإنتقالية فى الإتفاقات المبرمة وبالتالى لم ترى مخرجات الورشة النور فبقيت حبيسة الأدراج ولكننا نرى أنها مخرجات هامة ومفيدة.

هذه فرصتنا الأخيرة لإعادة بناء الوطن، والعدالة الإنتقالية من الخيارات التى تركها لنا التاريخ فلا نتهرب من ماضينا ولا نظل سجناء أخطاؤنا فالإنتهاكات لازمت تاريخنا وتاريخ غيرنا.

عبدالرحمن حسين دوسة
مستشار قانونى

[email protected]

تعليق واحد

  1. عبدالرحمن حسين دوسة
    لك كل الشكر والتقدير يااستاذ
    أنت اليوم لقد قمت بنفض غبار عن نظام عدلي قوي
    يوسس لقانون العدالة الانتقالية
    لكن ما وصلت إليه محاكمنا اليوم ولجان تحقيقها شيء مؤسف طمست هوية السلطة القضائية واصبحت تابعة للسلطة التنفيذية ياللعار .
    مثل هكذا مصالحات في العدالة الانتقالية من المفترض تدرس في كليات القانون

    محمود أبكر محمود

    المحامي /الخرطوم بحري

زر الذهاب إلى الأعلى