أخبار مختارة

قراءة في النهج البراغماتي لحمدوك

صلاح شعيب

الذين عاشوا فترات طويلة في الغرب، وغاصوا في تفاصيل تاريخه، يدركون قدرته الفذة على التأثير على الديموقراطيات الراسخة في أوروبا، والأنظمة التوتاليتارية في آسيا، ناهيك عن البلدان النامية.

هذا التاثير الجيوسياسي موظف بقدرات الغرب الذاتية بعد وراثة التاريخ الحضاري للبشر، وكذلك بتكوينه المؤسسات الدولية التي هي عصاته التي يهش بها علينا، وعلى غنمنا، والأمر الثالث هو أن الغرب يوثر فينا بصياغته المستمرة للتاريخ الاجتماعي الإنساني، ولمكوناتنا القطرية عبر اتفاقيات تمت على غفلة منها. وبالتالي نشأت الدويلات على النهج الذي يربط مصالحها بمصلحة الغرب.

اليابان، وروسيا، والصين، والمانيا، وسائر الدول المؤثرة في آسيا، وأوروبا، أدركت انتصار الولايات المتحدة عليها في ميدان السياسة، والاقتصاد، والتسليح الحربي، وأنظمة المعلومات، وعليه عاشت منذ حين هدنة معها تقبل بهذا الشرط التاريخي دون أن تعمل على الخضوع الكامل لشروط واشنطن. أحيانا تشاكس تلك الدول أميركا، ومرات تسايرها على مستوى الجدل في مواضيع المنظومة الدولية المطروحة للنقاش مثل مواقف تجاه اوكرانيا، وكرواتيا، وكازبلانكا، وحينا يستعر الخلاف هناك حول الملكية الفكرية للمنتجات التكنولوجية، والإبداعية، وميزانية اليونسكو، أو منظمة الصحة العالمي، ومنظمة التجارة الدولية، والتعرفة الجمركية، وهكذا.

هذا الانتصار التاريخي للولايات المتحدة على خصومها الحضاريين أنتج مدرسة اقتصادية طورت رأسمالية آدم سميث باتجاه تجيير المؤسسات الدولية لمقتضى المصلحة الذاتية لها، ولحلفائها الاوربييين المستسلمين تماما، والخليجيين، والأفارقة، وقس على ذلك.
وهاهنا تمت مقايضة الأخلاق بالدعم المادي والمعنوي المشروط، وغير المشروط. وأخيرا خلصنا إلى فكر المدرسة النيوليبرالية التي أساس منظورها الموارب ليس هو محو الأخلاق في الممارسة السياسية، والاقتصادية فحسب، بل أيضا محو العقل بحيث لا يمكنك طرح تساؤلاته الملحة حول التفكير في بدائل نقيضة لاتخاذ موقف سياسي يريح الضمير.

بمعنى أن هذا التأثير النيو ليبرالي يمحق قدرتك الذهنية بفاعليتها المؤثرة على الذهاب طويلا في طريق يخالف شروط هذه المدرسة الفكرية التي حجمت قدرة الدول، والأفراد، على تفكير سياسي، واقتصادي مستقل، بخلاف اتباع شروط البنك الدولي، والمؤسسات الاقتصادية الدولية. وحتى إن حاولت فالأذرع السياسية، والاقتصادية، والتجارية، والإعلامية، هي لك بالمرصاد.

مواطننا عبدالله حمدوك هو ابن هذا المناخ السيوسيولوجي، ومجده المهني انبنى على هذا الأساس، وصُدر لنا بهذا البهاء الوظيفي. وليس أمامه من إمكانية لمضاعفة صيته المحلي، والإنساني، سوى الخضوع بحسن نية لهذه الوراثة الاقتصادية التاريخية التي حققتها ما تسمى بالديموقراطيات العريقة.
صحيح أن د. عبدالله يخضع إلى العمل بهذه الوصفة محاولاً الخروج بأمته من ورطتها التاريخية بذيولها الأنثروبولوجية الممتدة في الأتون السياسية، والعرقية، والدينية المتشابكة، ولكنه أبداً لا يخالف نواميس الساسة السودانيين. فمنذ أول يوم كان واضحا بأنه سيكون براغماتيا في نهجه، وأنه سيسعى ليكون رئيس وزراء للكل. هذه الكلمات الافتتاحية التقطتها بانتباه كبير، وأعقبتها بمقال، وظللت أتابع كلماته لاختبرها بنهجه في التعامل مع الانتقال الذي ورطه فيه تجمع المهنيين السودانيين بمباركة القوى التي ورثت مرحلة ما بعد البشير كافة:

١- أثبت حمدوك في محاولته لخدمة بلاده مناورات ذكية للغاية تملصت من الأخلاق بمعناها السياسي مرات، ومن الشفافية مرات كثيرة. وهاتان الخصلتان من أدوات النيوليبرالية حيث تفرض عليها براغماتيها المحمومة القفز فوق العوائق المبدئية، وكذلك نجح حمدوك في رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب، ووفر له دعما إقليميًا ودوليا، وفي الأسبوع القادم سيلاحق مسعاه البراغماتي في منتدى باريس.

٢- لم يهتم الدكتور كثيرا بخلق فلسفة فكرية للتغيير الذي هو موضوع على قمته – إن لم يكن رأس رمحه التنفيذي – بقدر ما ركز على خلق فلسفة اقتصادية بالظاهر والمستتر ترتبط بالمؤسسات الدولية، والتي خبرها أثناء ممارسته الوظيفية الدولية التي امتدت لثلاثة عقود.
٣- لم يكلف رئيس الوزراء نفسه في مؤتمراته الصحفية الشحيحة، ومخاطباته المختصرة لمناسبات معينة، بخطاب ثوري على نهج الكتاب النشطاء، والشباب الثوري، وبالكاد أبعد نفسه عن عبارات تذم النظام السابق حتى لا يكتب عند الله غرامشيا.
٤- لم يهتم كثيرا ببنية الدولة المؤدلجة وظيفيا قدر اهتمامه بتوظيف بعض بؤرها الاقتصادية في مؤتمر شتام الذي عقد في بدايه عهده، وتوظيف الدبلوماسيين العقائديين، وبعض الاقتصاديين. وخلف الكواليس حاول الالتقاء ببعض الفلول، ولكنه تراجع تحت ضغط النقد، ولولا لجنة التمكين لورث حمدوك هذا العبء الثقيل لمن يليه.

٥- على المستوى الوزاري فضل حمدوك الاعتماد على شخوص غير راديكاليين، وأقرب إلى نفسياته الهادئة، وبالتجربة تخلص عن الثوريين: أكرم، والقراي، وتجاهل التوم.
٦- حتى يخلق هدوءً في فترته عرف حمدوك أن مهادنة المكون العسكري تمثل حجر الزاوية لخلق استقرار في فترته، نسبة لقدرة المكون العسكري المحتفظ بنظاميين مؤدلجين للنظام السابق في سدة السلطة.
٧- في أمر الارتباط الإقليمي للسودان في عهده استلهم حمدوك نهجه في هذا الشأن على أدبيات المدرسة المصرية السياسية، وهي – في مسيس حاجتها لخلق الاستقرار – أدعى للاعتماد على حلفاء الغرب الخليجيين، وتوظيف المصلحة القطرية، فوقاً عن الابتعاد عن معانٍ أيديولوجية تبعده عن التقارب مع أوروبا وامريكا.

٨- أدرك حمدوك هشاشة الوثيقة الدستورية، ورأى في قرارة نفسه أن لا حامي للوضع الانتقالي سوى المجتمع الغربي فسعى لإسناد ظهره بالبعثة الدولية التي دعمتها الولايات المتحدة والمانيا في أمر تأسيسها الأممي، كي تعينه في تحقيق انتقال بالطريقة التي رغب فيها.
٩- السلام وبوصفه مدخلا للاستقرار، ركز عليه حمدوك بأن يتم “كيفما يتفق”، مدركا أن عونا خارجيا من الضامنين سيسمح له بقفل هذا الباب الاحترابي لتدعيم نهجه البراغماتي في الوصول الى مبتغاه.
١٠- براغماتية حمدوك قادته إلى الابتعاد عن الحاضنة التي تضم التيارات المؤدلجة، وغير المؤدلجة، إذ يدرك قمة تأثير مدرستها الفكرية، والاقتصادية اليسارية والوطنية القائمة على المبدئية، وتراث من المواقف العقدية. ولذلك راوغها بقبول إصلاحاتها الاقتصادية، ولكنه لم يعمل بها.
اتمنى ألا أكون قد ظلمت الرجل.

[email protected]

‫13 تعليقات

  1. اذا قرأ حمدوك او مؤيدوه هذا المقال سيعتبرون ان للمذكور قيمة تضاهي رجال عظماء صناع للتاريخ!! والرجل ضعيف باهت زي مابقولوا الكويتيين مايدري وين الله حاطه!!…
    حمدوك لم يرفع اسم السودان من القائمة السوداء للإرهاب الا لو كان عضوا في اللجنة المكونة لهذا الشأن منذ العام ٢٠١٧ وكانت موجودة في واشنطون لهذا الخصوص منذ ذلك التاريخ!!
    او يمكن ان نقول له دور اذا تجرأ محلل وفصل بين لقاء في عينتبي وبين رضا واشنطون….بلاش وهم وتضخيم لرجل ساقه حظه السعيد وحظ وطننا العاثر ليجلس في منصب هو لا يصلح حتى ليكون سكرتيرا فيه!!!

    …..

  2. أكبر تحدى لحمدوك هو العسكريين ولقد حاول أن يلجمهم بالفصل السادس .. لذا سارع العسكريين بعمل لجنة منهم فقط للتعامل مع بعثة الأمم المتحدة وايضا حمدوك سايرهم حتى فركشها لهم

  3. سلامى
    تحليل صحيح و يمكن من خلاله معرفه سياسات السيد حمدوك و فهم بعض تصرفاته الغير مفهومه للبعض. إضافه لتحليلك أقول حمدوك يعمل بجديه لوضع أساس متين لنظام سياسى جديد لا يوجد فيه مكان للرجعيه و الطائفيه و الهوس الدينى و الايدلوجيات التى وضح عدم قدرتها و قصر نظرها فى حكم البلد. البرهان كذلك بيلعب دور مهم فيما يقوم به حمدوك .
    عامه الشعب يفكر فى لم القروش المسروقه و قتل أو جلد الحراميه و إبعاد الجيش عن السياسه و يوجد الكثير من أصحاب الوجعه اللى عاوزين إنتقام بروح العداله الناجزه لاكن كل هذه الاشياء هى نظره للوراء أكثر من وضع نظام جديد يحمى البلد من أشرارها. الشكر لكاتب المقال فلقد أسهمت فى فهم ما يعمله حمدوك و روقت المنقه شويه لمن يفهم.

  4. بعد ده كله وتتمنى ألا تكون قد ظلمت الرجل …
    معقولة يا صلاح يا باشا .. وكأن حمدوك من العظام الذين بنوا بلادهم بعد الدمار العظيم الذي خلفه اسلافه .. لا شك أن الإنقاذ دمرت ليس فقط البنية التحتية بل اخلاقيات وسلوكيات المجتمع السوداني السمح، ولذلك ما قام به حمدوك حتى تاريخه على الصعيد الدولي يعتبر انجاز كبير .. والناظر للواقع يجد على الصعيد المحلي الفشل الذريع لحمدوك … دعك من التخبط في التوظيف وأنظر إلى انهيار شبكة المياه والكهرباء والدواء والعدالة .. وبهذا أكتفي..

  5. شكراً علي هذا التقعيد المختصر لشخصية د.حمدوك ومجهوداته في إخراج السودان من ورطته التاريخية سياسياً وفكرياً وإقتصادياً ..
    صراحة السودان مختطف ويصعب إنتشاله إلا بهذه الطريقة الناعمة الممرحلة والمسنودة في نفس الوقت بواسطة قوة تعرف كيف تتعامل
    وتلجم كل من تسول له نفسه عرقلة هذا المسار ..
    الحمدلله الذي وضع لنا هذا الرجل في طريقنا لإصلاح هذا الخلل التاريخي ..

  6. يا راجل انت سقتنا بالخلا لا عارفنك ظلمتنا ولا ظلمته بس كان تطرح لينا حلول تدينا خيارات او ترجح لينا علي واحدة من هذه المناهج والمدرس الفكرية بس المهم لحدي الان الدولة ما اعلنت الحرب الممنهجة ضد مواطنيها ما عرفين دا عجز ولا مرحلة هدنة بعديها تكون الحرب الطاحنة. الا عشمنا بالخير تنفتح ابواب للخير.

  7. لا لم تظلمه …….حمدوك مسك العصا من منتصفها ونجح لحد ما فى استخدامها…..

    هو خيارنا الذى اخترناه……ولكن لسنا راضين عن ادائه ولن نفضل غيره؟؟؟؟

    البلد “منتهى” سياسيا واقتصاديا وسياديا واخلاقيا ونفسيا ووو”

    انا شخصيا ” متشائل” مع ترجيح كفت التشائل على التفائل

    للاسف سياساتنا يرسمها لنا من لم نكن نختيل ان يوجهنا ويأمرنا وينهانا فى يوم من ايام الدنيا!!

    الخمارات والمهلكة وجارة السوء

  8. ياراكوبة

    اليس من بين محرريكم من يستطيع التفرقة بين صور صلاح شعيب وصلاح الباشا

    هل ستنشروا هذا السطر؟ بقيتوا كعبين مابتنشروا الاراء الحرة زى ايام الكيزان..هل هى ديكتاتورية الديموقراطية!!؟

زر الذهاب إلى الأعلى