مقالات وآراء سياسية

في الذكرى الأولى لوفاة جورج فلويد ..

حتى لا ننسى
الثورات لن تخمد ما دامت أصواتها تدوي وتنادي في المشارق والمغارب هل من مزيد!
د. محمد بدوي مصطفى

كنت أشاهد في الأيام القليلة الماضية نشرة الأخبار الألمانية وكان أحد المواضيع عن إحياء ذكرى جورج فلويد وتفاعل الشباب في ألمانيا معها أيضًا عن التفلتات الأمنية للشرطة الأمريكية وما آل إليه حال البلد من سوء؛ وإذا بناشطة اجتماعية وخبيرة في هذا الحقل تصرح بالآتي: “إن أردت أن تقتل وتستعمل السلاح دون مساءلة فعليك بالشرطة الأمريكية”. وهذه الجملة تفسر بكل دقة ما وصل إليه حال هذا البلد منذ سنين عددا من ظلم واستبداد، وقهر واضطهاد، وضغط واستعباد، لا سيما فيما يتعلق ب حقوق الأقليات المتباينة التي تجاهد وتناهض وتصارع من أجل مطالبها ومن أجل الأمن والأمان لأفرادها. فمع موت جورج فلويد العام الماضي انبثقت الصرخة الأخيرة التي تنادى ملئ شدق بشعار “كفى” و “بلغ السيل الزبى” لكن هل من مجيب …؟
حرصت أفواج الشباب في كل مدن العالم، وحتى في مدينتنا الحالمة الناعسة الصغيرة كونستانس، على أحياء الذكرى الأولى لوفاة الأمريكي جورج فلويد، كما وأراد الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، في هذا اليوم التاريخيّ المهم، ليس الوقوف بجانب تلك الحشود فحسب لكن التموقع في مقدمة صفوف هؤلاء الشباب الذين أرادوا بكل صفاء وبكل نكران ذات اسماع العالم أصواتهم الدواية وأن يصل كل صوت لكل من لقى حتفه ظلما وبهتانا أو مات على ترهات الطرق وفي متاهات الزحام ضحية مجهولة لم يحفل بها أحد، نفذت روحها تحت قسوة وظلم الشرطة وعناصرها عندما تتمادى في انتهاك حقوق الأفراد، لا سيما أولئك الذين ينتمون للأقليات الإثنية المتعددة بالولايات المتحدة الأمريكية. وغرد في هذا السياق الرئيس الأسبق براك أوباما على حسابه بموقع تويتر، قائلا: “قُتل جورج فلويد منذ عام واحد، ومنذ ذلك الحين، لقى مئات الأمريكيين حتفهم في مواجهات مع الشرطة – آباء وأبناء وبنات وأصدقاء أُخذوا منا في وقت قريب جدًا. بيد أنّ العام الماضي منحنا أيضًا أسبابًا للأمل (والتفاؤل)”. وأضاف أوباما قائلاً: “أصبح المزيد من الناس وفي أماكن متعددة بالعالم يرون الأشياء أكثر وضوحًا مما كانوا عليه قبل عام. إنّه (دون أدنى شكّ) تقدير لجميع أولئك الذين قرروا أن تكون هذه المرّة مختلفة عن سابقاتها، وأنهم بطريقتهم الخاصة سيساعدون حتمًا في جعلها مختلفة”. وتابع مستطردًا: “عندما يتعمق الظلم، يستغرق التقدم وقتًا. ولكن إذا تمكنا من تحويل الأقوال إلى أفعال والأفعال إلى إصلاح ذي مغزى، فسنتوقف، على حد تعبير جيمس بالدوين، عن الهروب من الواقع ونبدأ في تغييره”.
ولقد كان يوم الثلاثاء الماضي يوافق الذكرى الأولى لوفاة الشهيد جورج فلويد. وكما شهدنا في الإعلام وفي مواقع التواصل الاجتماعي المتباينة فقد أشعلت ذكرى حادثة وفاته موجة عارمة وغير مسبوقة من التظاهرات والاحتجاجات الوازنة التي انتشرت في مختلف مدن الولايات المتحدة الأمريكية، بل عمّت كل أنحاء العالم، والتي شارك فيها الشباب من كل الإثنيات والأعراق والديانات بدون فرز، ليثبتوا للعالم أنّ هذا الجيل مستعد لمواجهة الصعاب وعازم كل العزم على اجتياز كل التحديات التي ولّدتها هذه الألفية الثالثة ووضعت عقباتها على قارعة الطريق التي يسيرون عليها. والجدير بالذكر وكما ذكر الرئيس الأسبق أوباما في أعلى المقال أن جرائم الشرطة ضد أصحاب البشرة السمراء لا تزال على أجندة الأحداث اليوميّة وتتكاثر يومًا تلو الآخر في محافل دور العدالة وأنها على العكس، لم تقل بل طفقت في ازديار ملحوظ – لا سيما بعد فترة حكم الرئيس الأسبق دونالد ترامب، مما جعل المطالب السياسية والشعبية ترتفع وتزداد حاثة على ضرورة إصلاح الشرطة وإقرار قوانين تحقق ذلك. وكان مقتل فلويد، قد أثار نقاشا حاميا حول دور الانتماء العرقي في دور العدالة الجنائية وفي حقل الاقتصاد والتعليم وجوانب أخرى للحياة في أمريكا. للأسف فأن الحديث بشأن العنصرية المنهجية لم يتحول إلى إجراءات على أرض الواقع ولا حتى في مساطر التشريع للحد منها، لكن بحلول الذكرى الأولى لوفاة فلويد تفجرت مجددًا موجة احتجاجات هائلة في الولايات المتحدة وحول العالم، ينادي فيها النشطاء بالعدالة للكل ويذكرون فيها السياسيين الذين أيدوا التغيير أنهم قد فشلوا في تطبيقه فشلًا ذريعًا.
ولكي نذكر بالحادثة فقد لقي جورج فلويد مصرعه في الخامس والعشرين من شهر مايو من العام الماضي ٢٠٢٠ على يد ضابط من شرطة مينابولس، يدعى ديريك شوفين، وكان ذلك أثناء محاولة القبض عليه، وخلال مدّة تسع دقائق، ضغط تشوفين بركبته على رقبة فلويد في مشهد تم توثيقه بكاميرا موبايل على يد شابة في السابع عشر من عمرها. وانتشرت هذه المقاطع في مواقع التواصل الاجتماعي كالنار على الهشيم مما سبب موجة عارمة من الغضب والاستياء في كل انحاء العالم. وقد أدين شوفين في محاكمة الشهر الماضي بقتل من الدرجتين الثانية والثالثة والقتل غير العمد من الدرجة الثانية، وسيتم الحكم عليه فى السادس عشر من شهر يونيو، وحسب بعض المصادر فقد دفعت مدينة مينابولس لعائلة فلويد في تسوية قانونية مبلغًا وقدره سبعة وعشرين مليون دولار.
وعلامة على اهمية الواقعة في صحن السياسة الأمريكية استقبل الرئيس جو بايدن عائلة جورج فلويد في البيت الأبيض في يوم ذكرى وفاته (الثلاثاء الخامس والعشرين من شهر مايو – الخامس). ولقد صرحت جين ساكي المتحدثة باسم البيت الأبيض في بيان صحفي أن الرئيس جو بايدن متحمس لسماع تصورات أسرة جورج فلويد وما سيدلون به نائبين عن الحشود التي خرجت من أجل نصرة قضيته، مؤكدة إن وعدا لم يتم الوفاء به يلوح قبل الاجتماع، لا سيما قانون جورج فلويد الذي كان بايدن يحلم به أن يكون حيز التنفيذ بحلول الذكرى الأولى لوفاته.
وأنا أرى يا سادتي أن زيارة عائلة فلويد للبيت الأبيض بادرة طيبة ومبادرة موفقة، بل وخطوة مباركة من قبل الرئيس بايدن يؤكد فيها مما لا يدع مجالًا للشك أهمية هذه القضية المصيرية تجاه الشعب الأمريكي الذي انتخبه ولكنها في نظري لا تعني الكثير أو بالأحرى هي ذات طابع تجامليّ لا غير، ما دام التغيير المطلوب لم يدخل حيز التنفيد وما دامت القوى السياسية لم تتفق عليه تماما، الديموقراطيون والجمهوريون، فهناك حاجة ماسة إلى تغييرات عميقة للغاية فى كيفية تحقيق العدالة لكل فرد في أمريكا وبكل الحقول دون فرز وعلى امتداد كل مدنها، من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب.
والأمل لن ينقطع ما دامت شعلة هؤلاء الشباب تحترق لينبثق نورها وتسري نارها من أجل العدالة وفي سبيل الأمن الأمان في أمريكا بل وفي كل دول العالم. ولكل مجتهد نصيب والثورات لن تخمد ما دامت أصواتها تدوي وتنادي في المشارق والمغارب هل من مزيد!

( نقلًا عن المدائن بوست دوت كوم)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى