مقالات وآراء سياسية

تاريخ ألمانيا الاستعماري المظلم 1-2

د. محمد بدوي مصطفى

ألمانيا وماضيها الاستعماري في أفريقيا:

شاءت الأقدار وجاد حسن الطالع في غضون سنيّ دراستي بألمانيا أن أكون، بفضل من الله، من الطلاب المصطفين وأن أحصل على منحة دراسيّة من منظمة فريدريش نومان التي تتبع لحزب إف دي بي الألماني (حزب الحرية الديموقراطي) وإن هذه المؤسسة العريقة تقوم بتنظيم نشاطات كبيرة داخل ألمانيا وخارجها منها ندوات سياسية وثقافية وغيرها في مقراتها المتعددة التي تتواجد في البقع الأربع لألمانيا وفي مكاتبها المتعددة حول العالم. لقد سعدت بأن أكون من حضور إحدى الندوات في مدينة لاونبورج التي تقرب من مدينة هانوفر بشمال ألمانيا وقاب قوسين أو أدنى من نهر الأيلبا حيث ترقد هذه الحسناء على ضفته كالهمزة على سطرها. وكانت سنتئذ إحدى المحاضرات عن التاريخ الاستعماري لألمانيا في تنزانيا. وحقيقة كانت تلك أول مرّة اصطدم فيها عن كثب بفظاعة وقسوة هذا التاريخ الماضي الحاضر، المليء بشتى أصناف الابتزاز والعنف وسفك الدماء والذي يكاد أن يكون قد طويت صفحاته في كثير من البلدان المعنيّة والتي عانت العقود الطوال تحت سيطرة الدول الأوروبية وتحت رحمة قبضتها الحديديّة. لقد تحدث المحاضر في تلك الندوة عن وقائع إبادة جماعية مريعة في تنزانيا أحدثها المستعمرون الألمان، وفي نفس السياق، التمس سائلًا إيّانا ونفسه أولًا: لماذا تُنكر ألمانيا هذه الجرائم ولماذا لا تجرؤ على وصفها للعالم بأنها جرائم ضد الإنسانية ولم لم تتصد لمعالجتها مع الدول المعنية في القارة السمراء؟ وفي إحدى جلسات البرلمان الألماني فقد نادى هذا الأخير بالاعتراف بعمليات الإبادة الجماعية التي قام بها الجيش العثماني تجاه الأرمن ونشبت معركة سياسية شعواء بين ألمانيا وتركيا وكانت ردود رجب أدوغان أن تركيا في غنى عن أن تتعلم عن تاريخيها من ألمانيا التي تغرق في تاريخ دامس عاست فيه النازية في شتى بقاع الأرض فسادًا. وقد ينطبق نفس الموضوع على قضية الاستعمار الألماني لتنزانيا، ففي فبراير الماضي طالب السفير التنزاني ببرلين، عبد الله بوسي، الحكومة الألمانية بتعويضات حتى يمكن “للألمان أخيرا تحمل المسؤولية عن انتهاكات حقوق الإنسان في الحقبة الاستعمارية وأن يأخذوا ما حصل في بلادنا في الماضي على محمل الجد”، حسبما أوضح السفير التنزاني في حوار مع صحيفة “تاغس شبيغل” الصادرة في برلين. ويقصد بوسي بالانتهاكات الألمانية حرب “ماجي ماجي” وهي انتفاضة ضد الاستعمار الألماني بين عام 1905 و1907 وذهب ضحيتها 250 ألف شخص. وبعد نشر هذه المقابلة صرحت وزارة الخارجية الألمانية أن الحكومية التنزانية لم تتقدم بطلب رسمي لألمانيا بهذا الخصوص وبعدها اختفى هذا الموضوع من وسائل الإعلام. فهل يعود بعد الاعتراف بجرائم الإبادة الجماعية في ناميبيا؟ ننتظر وسوف يحصحص الحق آخرًا.

علّموا النشأ تاريخهم:

بالرجوع إلى تلك الفترة الاستعمارية في شتى بقاع أفريقيا، فإنها حقيقة كارثية، ويمثّل دون أدنى شك ماض مؤلم وأحداث شنيعة لا توصف، وحقبة هامة سُلبت وسرقت ونهبت فيها ثروات القارة السمراء عينك يا تاجر بل وانتهكت فيها كرامتها في كل بقعة، شمالًا جنوبًا، شرقًا وغربًا، بين آلية الاستعمار الممنهج وعنصرية الاستعباد الغاشم وفوق هذا وذاك نهب الثروات وأكل الخيرات وبيع البشر في مزادات العالم العلنية دون أسف أو حرج. أعود بكم لما قاله المحاضر فقد تحدث، كما سلف ذكره، عن بعض المجازر التي حدثت في قلب تنزانيا والتي للأسف لا يعرفها إلى الآن الرأي العام الألماني وبطبيعة الحال لم تجد طريقها إلى كتب التاريخ في المدارس وهذا ما نرجوه في المستقبل، أن تتصدى وزارة التربية والتعليم الألمانية لهذا الماضي وأن يتعلم الألمان بنفس القدر عن ماضيهم الاستعماري القاتم في أفريقيا كما تعلموا عن ماضي الحقبة النازية. فيعد مقتل ستة ملايين يهودي في الهولوكوست، والحرب العالمية الثانية، والحرب الباردة، وتقسيم ألمانيا موضوعات مهمة في دروس التاريخ الألماني، ولكن ذلك لا يترك سوى القليل من الوقت لتناول موضوعات أخرى، وقليل من المعلمين والأساتذة يتصدون لمواضيع الحقبة الأفريقية. ويرجع ذلك إلى أن المراجع والكتب والمقررات المدرسية الرسمية والمناهج التعليمية في جميع المدارس الألمانية في الوقت الحاضر تتجاهل بشكل شبه كامل تاريخ الاستعمار الألماني الممتد إلى ثلاثين عامًا في إفريقيا وغرب المحيط الهادئ. بل إن الموضوع لا يتم تدريسه على الإطلاق في بعض الولايات الألمانية ولم يتم تناوله إلا في عدد محدود من الولايات وبشكل بسيط وسطحي للغاية. ففي الفترة ما بين عام 1884 إلى عام 1916، كان المسؤولون الاستعماريون الألمان يديرون زمام الأمور في غرب إفريقيا، في مناطق هي اليوم جمهورية توغو وأجزاء من غانا. واعتبرت الإمبراطورية الألمانية ما كان يعرف باسم “توغولاند” مستعمرة نموذجية. وفي هذه المناطق استغل الألمان الثروات الضخمة والموارد الطبيعية وحرموا السكان الأصليين من حقوقهم المشروعة فضلًا عن معاقبتهم وإهانتهم بكل السبل اللاإنسانية. لذلك فلابد للألمان أن يتعلموا عن تاريخيهم ويستقوا منه العبر، لأن العنصرية الحالية في ألمانيا لا يمكن فهمها إلا عندما يعرف الناس التاريخ الاستعماري لبلادهم، وإذا كان الأطفال من أصول أفريقية وغيرها قد صاروا يدركون بما لا يدع مجالاً للشك اختبار تجربة العنصرية، فإن الأطفال البيض قد أدركوا سن الرشد وصاروا أكثر تفتحا في عصر العولمة بما يكفي ليتعلموا شيئًا عن تجربة ألمانيا الاستعمارية والعنصرية.

جدير بالذكر أنه في هذا الأسبوع ولحسن الطالع أن تناقلت وكالات الأخبار من جهة اعتراف برلين بارتكاب إبادة جماعية في ناميبيا وفي نفس الوقت اعترف الرئيس الأمريكي جو بايدن بتاريخ قاتم لبلاده واصفًا جرائم القتل ذات الدوافع العنصرية التي حدثت في تولسا عام 1921 بأنها لم تكن أعمال شغب لكنها كانت مذبحة بحق وحقيقة ويجب أن يسجلها التاريخ وأن تكون عبرة لنا في التصدي لأضرار وآثار العنصرية.

تعليق واحد

  1. نحن مالنا ومال المانيا وتنزانيا وووو الخ. ما عاجبك في عمايل اهلك في اسعباد الجنوبيين و الدارفوريين وقتل النوبة والانقسنا؟؟؟؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى