مقالات وآراء سياسية

العدالة الانتقالية والترتيبات الأمنية ..

بقلم المستشار القانوني
فائز بابكر كرار

الاتفاقية حددت وضعية قوات الدعم السريع.
الترتيبات الأمنية مرتبطة بتنظيم القوات المسلحة، والاتفاق السياسي.
إصلاح المؤسسة العسكرية مقدم على الدمج، المؤسسة العسكرية ضامن للحماية
لا تعادي ولا تنافس سياسيا.
صدرت الوثيقة الدستورية فى العام 2019 استلهاما لنضالات الشعب السوداني، ومن أولوياتها تحقيق السلام، وفى العام 2020 تم التوقيع على اتفاقية جوبا لسلام السودان ومن اولوياتها ايلاء العدالة الانتقالية اولوية قصوى سعيا لتلبية تطلعات الشعب وادراكا بأن ايقاف الحروب والنزاعات أولوية، وإقرار انحياز المؤسسة العسكرية للثورة ودورها في حمايتها، وتأكيدا أن قوى الكفاح المسلح مكونا أصيلا وفاعلا في الثورة، ولأجل التغيير والتحول الديمقراطي والتنمية والاستقرار، وإصلاح اجهزة الدولة بما فيها المؤسسة العسكرية كانت الضرورة لإنقاذ تدابير العدالة الانتقالية والترتيبات الامنية.
تدابير العدالة الانتقالية والترتيبات الامنية:-
تتسم الاتفاقية باليات وتدابير امنية مختلفة ويعود ذلك لتباين القضايا بين الأقاليم المختلفة، مع وجود قضايا قومية مجمع عليها فى مقدمتها قضايا العدالة الانتقالية، والإصلاح المؤسسي العدلى والخدمة العامة، وإصلاح المؤسسات العسكرية ، بالإضافة للتحقيقات والمصالحات.
قضايا العدالة الانتقالية:-
أكد جميع الاطراف استعدادهم التام والكامل مع المحكمة الجنائية الدولية بجانب المحكمة الخاصة لجرائم دارفور، والمحاكم الوطنية العادية، وفى هذا فإن آليات العدالة القضائية الوطنية قد تقلل من فرص اختصاص الآليات الدولية القضائية، وأيضا شملت الاليات لجان التحقيق والمصالحة والعفو والحصانة و التعويضات وجبر الضرر فإذا طبقت هذه الاليات على الوجه الكامل فإنها تسهم في الاستقرار وتحقيق العدالة والأمن.
الترتيبات الامنية والدمج:-
الحاجة للترتيبات الامنية هى مخاطبة جذور المشكلة وأسباب الحرب، واستقرار ووقف الحرب والإصلاح وتطوير المؤسسة العسكرية وضمان قوميتها ومهنيتها.
الترتيبات الامنية لاتنفذ الا بتوفر الإرادة السياسية، حيث إن الترتيبات الامنية مرتبطة ارتباطا وثيقا بالاتفاق السياسي، وإن إنفاذ الاتفاق توطيد دولة القانون والمؤسسات، وإن إصلاح المؤسسة العسكرية بهدف ضمان قوميتها ومهنيتها واحترافيته حيث يعتبر الإصلاح مقدم على الدمج الذى يحتاج لأسس ومعايير قانونية ودولية.
ويتطلب تنفيذ الترتيبات الامنية والدمج دعما مستداما من الشركاء السياسيين الإقليميين والدوليين.
الغرض الاساسى والهدف من غاية الدمج:-
يعتبر من أحد الآليات والعمليات التى تهدف الى معالجة جذور المشكلة وأسباب الحرب والإصلاح المؤسسي فى المنظومة العسكرية واعادة تشكيلها بحيث تكون القوات المسلحة النواة،” بأن تكون القوات المسلحة الجيش الوطنى المهنى الوحيد مع دمج كافة القوات الأخرى المتواجدة فى السودان فى جيش واحد”( مادة 26/1 اتفاقية جوبا لسلام السودان).
《 الدمج المقصود من عملية السلام هو دمج قوات الكفاح المسلح فى المؤسسة العسكرية والاجهزة الامنية، ( مادة 26/2 من الاتفاقية ) على أن يتم الدمج حسب تنظيم القوات المسلحة السودانية والاجهزة الامنية.》
فى المواد أعلاه اشارة واضحة لأهداف الدمج وكيفية تنظيمه والجهات المستهدفة من عمليات الترتيبات الامنية والدمج باعتبار الاتفاقية هى مرجعية الغرض والأهداف.
وضعية القوات المسلحة والاجهزة الامنية من الترتيبات الامنية والدمج:-
الثابت من واقع الاتفاقية تعتبر القوات المسلحة أنها النواة الأساسية فى عمليات الدمج، مع تحديد الوثيقة الدستورية للاجهزة النظامية القوات المسلحة وقوات الدعم السريع مؤسسة عسكرية وطنية، وقوات الشرطة قوات نظامية لإنفاذ القانون، وجهاز الأمن والمخابرات جهاز نظامي يختص بالأمن وجمع المعلومات وتحليلها وتقديمها للجهات المختصة،( المواد 35-36-37 من الوثيقة ) هذا ما أكدته الاتفاقية، بالإضافة إلى تحديد بعض المهام والصلاحيات مثل الحماية والحياد والمهنية والقومية والابتعاد عن الانتماء السياسي.
” القوات المسلحة والاجهزة الامنية والشرطية لا تعادي احد ولا تنافس سياسيا بل الواجب المهنية وحماية الوطن وسيادته والشعب ”
“حماية حياد واستقلال ومهنية ”
بالإضافة لتشكيلات قانونية تتكون من القوات المسلحة وقوات الدعم السريع وقوات الشرطة وجهاز المخابرات العامة، وقوات حركات الكفاح المسلح لتكوين “قوة حفظ الأمن في دارفور ” بغرض بسط الامن وتحقيق الترتيبات الامنية وسد الفجوة، (مادة 29\1 من اتفاقية السلام ) ” الترتيبات الامنية وفق النار الدائم ”
بالإضافة للجنة العسكرية العليا للترتيبات الامنية( مادة 25/2 اتفاقية ).
وفى الإطار القانوني أن كل من قوة حفظ الأمن فى دارفور وقوات الدعم السريع يخضعان لقانون القوات المسلحة لسنة 2007 تعديل 2013 ( انظر مادة 29 اتفاقية، ومادة 5 قانون قوات الدعم السريع لسنة 2017.
الجدير بالملاحظة أن جميع ملفات الاتفاقية تمت فيها مناقشة الترتيبات الامنية والدمج والعدالة الانتقالية مع اختلاف خصوصية كل ملف عن الآخر فى المرجعيات الأمنية والقضائية الوطنية والدولية نسبة لخصوصية وضعية كل ملف، وإن هنالك مسائل يعود الفصل فيها من خلال آليات الدستور الدائم ونظام الحكم .
وفى إطار المسارات وجوانب العدالة الانتقالية جاء مسار اتفاق شرق السودان فيما يخص التحقيقات والمحاكمات حول الانتهاكات والتجاوزات التى حدثت فى 29 يناير 2005 وكل التجاوزات منذ 30يونيو 1989.
وحوت الاتفاقية جانب يخص الجبهة الثالثة “تمازج ” فى شأن الترتيبات الامنية والدمج يختلف عن بقية المسارات مع اختلاف الآليات والرقابة.
مسئولية الرقابة على التنفيذ:-
تم إيلاء مسئولية التنفيذ والرقابة والمتابعة لمجلس الامن والدفاع تحت إشراف مجلس السيادة على الترتيبات الامنية، وفى صياغ عام جاءت أطر الترتيبات الامنية في وضعية القوات والدمج والسيطرة والقيادة في المؤسسات العسكرية وفق أنظمة وتراتيبية القوات المسلحة وصلاحية وضع المعايير واللجان الخاصة بالتنفيذ.
وفى هذا الإطار تكون المسئولية فى التنفيذ والرقابة مشتركة بين كافة أطراف العملية السلمية، مع معاونة الشركاء والضامنين الإقليميين والدوليين.
قوات الدعم السريع وارتباطها من الناحية القانونية والادارية والخضوع للقوات المسلحة:-
ثار جدل كثيف حول قوات الدعم السريع ومآلاتها القانونية وتبعيتها القانونية والإدارية والخضوع والامرة.
بداية لابد من رد الحقائق والثوابت القانونية لأصلها ومشروعية التأسيس والتبعية النظامية والإدارية والخضوع والامرة من خلال النظم والتراتيبية العسكرية ، ثم المآلات والنتائج.
من حيث النشأة والأهداف والغرض تحت سلطة القوات المسلحة ( مادة 3 قانون الدعم السريع لسنة 2017 ) نشأة قوات الدعم السريع وتتبع للقوات المسلحة، قوات عسكرية قومية التكوين ومهامها دعم ومعاونة القوات المسلحة والدفاع عن البلاد ومواجهة التحديات الخارجية ( مواد 6-7 من قانون الدعم السريع).
الوضعية القانونية والتبعية الإدارية والخضوع والامرة:-
من الناحية القانونية من واقع الوثيقة الدستورية تعد قوات الدعم السريع جزء من الاجهزة النظامية (القوات المسلحة وقوات الدعم السريع مؤسسة عسكرية وطنية ) “مادة 35 وثيقة دستورية ”
مجلس السيادة هو القائد الأعلى للقوات المسلحة وقوات الدعم السريع” مادة (11) وثيقة دستورية”، ويكون قائد الدعم السريع مسئول لدى القائد الاعلى ” مجلس السيادة ” مادة (11) من قانون قوات الدعم السريع “، وبهذا يثبت تصنيف قانون الدعم السريع قانون خاص يخضع لسلطة وامرة قانون القوات المسلحة، ومن ناحية المسئولية تخضع قوات الدعم السريع لمسئولية مجلس السيادة، وإن كل الازمات سببها عدم التطبيق السليم للقوانين والفهم والتحليل والمرد القانونى الصحيح.
ومن الناحية الفنية الادارية نجد فى قانون الدعم السريع أن التعيين والاختيار، والتدريب والتأهيل، المرتبات والامتيازات وفوائد مابعد الخدمة، وضبط العمل المالى، والإجراءات الجنائية العسكرية يطبق فيها قانون القوات المسلحة كما جاء فى المواد( 12-18- 21- 24) من قانون الدعم السريع، وفق النظم واللوائح والضوابط الخاصة .
موقف الاتفاقية من قوات الدعم السريع والترتيبات الامنية والدمج:-
اعتبرت الاتفاقية فى إطار الإصلاح المؤسساتي والترتيبات الأمنية ان قوات الدعم السريع جزء من الترتيبات الأمنية ومشاركه في قوات حفظ الأمن فى دارفور تأكيدا لما نص عليه فى الوثيقة الدستورية، وأن مسألة الدمج مسألة قوانين ونظم داخلية تختص بها القوات المسلحة وقوات الدعم السريع تقديرا لما نص عليه فى المادة(2/ 5 ) من قانون الدعم السريع يجوز لرئيس الجمهورية ” مجلس السيادة ” دمج قوات الدعم السريع وفقا للدستور والقانون، والناظر لبنود اتفاقية السلام التي تعتبر المرجعية الأساسية فى مسائل الدمج والترتيبات الامنية لم ترد فيها اشارة لدمج قوات الدعم السريع وعند التعارض تسود أحكام الاتفاقية(مادة 24/1 من الاتفاقية سيادة أحكام الاتفاقية، والمادة 79 من الوثيقة الدستورية تضمين اتفاقية السلام “تعتبر جزء لا يتجزأ من الوثيقة الدستورية وفى حال التعارض يزال التعارض لمصلحة نصوص الاتفاقية “.
وبما جاء في المادة(7) من قانون الدعم السريع من حيث الإنشاء والتبعية والهدف فى دعم ومساندة القوات المسلحة والقوات النظامية الاخرى، يعد الدمج من تقديرات القوات المسلحة باعتبار الدعم السريع قوة مساندة وخاضعة من حيث الامرة والتبعية لقانون القوات المسلحة، عليه أن فهم القانون في إطاره الصحيح وامعان النظر في مقتضيات نصوصه هو حل كل الإشكاليات والأزمات.
ختاما:
إن مرحلة التحول الديمقراطي تحتاج لضبط وحكمة وإن القوانين تحكم أداء المؤسسات العسكرية ولا يجب أن تكون عرضة للاستغلال السياسي والخلافات، والمكونات السياسية يجب أن تراعى وتنضبط وفق مقتضيات الاتفاق ، لأن الكل معني ومسؤول عن أمن المواطن واستقراره.
أن مرحلة الفترة الانتقالية فيما يخص الترتيبات الامنية والدمج وانفاذ العدالة الانتقالية تعد مرحلة استثنائية وإجرائية مثقلة بالعثرات والمعضلات، يجب فيها إيلاء الاستقرار الأمني أهمية بالغة فى إطار تحقيق العدالة الانتقالية والتنمية المستدامة، وإن الشعب السوداني قادر على تحديد مساراته وخياراته والوصول لغاية التحول الديمقراطي، واقع المرحلة يتطلب الأمر الموازنة بين تطبيق القانون ومجابهة المخاطر لضمان تحقيق سلامة العدالة والترتيبات الأمنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى