مقالات وآراء

نحو “آفاق” بعيدة في (سكاي تاور) ببوخارست (1-2)

ألينا ترسم بالسِكّين وداشيانا تشكِّل باللّون والريشة مُسْتلهِمة أعمال النحّات برانكوش

قرأتُ، شاهدتُ وكتبتُ
د. عصام محجوب الماحي

اسْتضاف مبنى سكاي تاور – Building Sky Tower – وهو أطول بُرج مكاتب في رومانيا يقع شمال العاصمة بوخارست في المنطقة الواقعة بين الحي العريق فلورياسكا والجديد بانياسا، في الفترة 22 – 30 مايو 2021 معرضاً تشكيليّاً أطْلِق عليه “آفاق”، زيّنته لوحات للرسّامتين الرومانيّتين ألينا شيوتشيو المُقيمة في إيطاليا، وداشيانا بزوتا التي تعيش في فرنسا. جمع معرض “آفاق” إعادة تفسير بعض الأعمال الشهيرة التي قام بها النحّات الروماني الشهير كونستانتين برانكوش في الرؤية التصويرية للرسّامة داشيانا بزوتا، مع جوٍ من الصفاءِ تمت دراسته بعناية في لوحات ألينا شيوتشيو.
ذهبْت في موعد افتِتاح المعرض يحمِلني الشوق على أجنِحةِ السُرعةِ لِما افتقِده مُنْذ أكثر من سنةٍ بسبب قيود مكافحة جائحة كورونا التي حرمتني من المسرحِ والسينما والمعارِض، بل حتّى التجوال في الحدائقِ الغناء التي تشتهِر بها بوخارست. عامٌ وأكثر مضى والأشياء لم تعُد هي ذات الأشياء، لا استمتعت بالمشاهدِ متعدِّدةِ الفصولِ، لا أرضيت غرام الفضول الذي يتملّكني في تجديد الحِكايات والذِكريات، سَرْداً شفويّاً أو حتّى كِتابة. وكأن كل شيء توقّف عدا العُمْر!

وكعادتي، عندما أدخل في مشروع إعادة قراءة رواية ولا التهِمها سريعاً، ذهبْت وتُسيطر على مشاعري وأفكاري، وتوقعاتي أيضاً، رواية اقرأها لمرّةٍ جديدةٍ وقد لاحظت أنّها بعد كل قراءة تؤثِّر لا في بعض اختياراتي وإنّما تصادِف تغيُّرات تطرأ فتَتْرُك بصماتها على نفسي، وبالصُدفة ربما تتداخل مع الخيارات التي يوفرها الذين أتقاطع معهم.
والصُدْفة أيضاً أنّ الرواية تتحدث عن الرسم والكتابة شِعراً ونثراً. عن ريشة في يده، وقلم في يدها. عن شبق وشهوة. عن نساء وامرأة هي كل النساء لعاشِقها.

تركت الراوي يشرح ويرسم بالكلمات أبعاد جنون الرسّام وخرجت من الرواية وسرحْتُ بعيداً مُتأمِّلاً سؤالاً أرّقني: ماذا لو تبدل المشهد، وصار الرسّام شاعِراً وكاتِباً بتجربته النضاليّة في بلاده، والمزاجيّة في مدينة النور باريس، وربّما في مقاهي الحواري الضيّقة في فينيسيا أو روما. ومقابل ذلك، ماذا لو أصبحت زهرة الربيع الفاتِنة، رسّامة بشغفِها وشوقِها لاكتشاف المجهول في قاعاتِ الدراسةِ الجامعيّةِ في السوربون، أو مدرسة لندن الاقتصاديّة، أو في غيرهما من الجامِعات الأوربيّة؟

جمعت في مِلَفٍ بذاكرتي ما قرأته في صحيفة (جورنالول ناتسيونال) عن الرسّامة ألينا شيوتشيو وما وجدته من صورٍ للوحاتها. ركّزت على صورتها وتركت عمْداً تمتُّعي بلوحاتها بظنِ أنّني حتْماً سأجِدها معلّقة بخيوطٍ تشدّها عكس الجاذبيّة، أو تستنِد على حوامل خشبيّة وربّما من حديدٍ مطاوعٍ اسود أو نحاسي اللون، وحملتُ نفسي مُفَرِّغاً روحي لاستقبال الجمال. مشاهدته. تحيّته ومُتابعته يمشي، يتحدّث، يشْرح، يبتسِم وربّما يضحك ملء شدْقيه.
ذهبْت، بصراحة، يشدّني جمال وجه الرسّامة ألينا شيوتشيو الذي أخذني وأنا أبحث عمّن هي شيوتشيو التي يقيم لها بُرج (اسكاي تاور) معرضاً، فضلاً عن سيرتها وتجربتها وقد كتبت عنها الصحافية ديانا اسكارلات في (جورنالول ناتسيونال) صفحة كاملة وقفت عِندها خلال عملي الرسمي، احتفظت بها، عُدْتُ وقرأتها بعد فراغي ضِمْن محاولاتي اصطياد أجمل ما تنقله الصُحف العديدة التي أتابعها وأتصفحها، اقرأها وأترجم منها، أو استفيد من قراءة كُتّابها للأحداثِ السياسيّةِ والاقتصاديّةِ والاجتماعيّةِ، وتناول مُعلِّقيها التطوّرات المحليّة والإقليميّة أو الدوليّة.
قلت لنفسي سأذهب لتصطاد عدسة العين تشكيل الجمال بالألوان وتقنية السِكِّين التي تتميز بها الحسناء ألينا شيوتشيو القادمة من إيطاليا، فوجدت نفسي أمام صيدٍ جديدٍ أو إضافيٍ بتوقيعِ التشكيليّةِ داشيانا بزوتا الآتية من فرنسا، وفوق كل ذلك مُتعة الاستماع لحديث حسناء ثالثة ناطقة باسم المكان، تحدِّثك عن ماذا، ولماذا، وأين، ومتى، ومَن، وكيف يتجسّد الجمال وما هيِ آفاق تشكيله، فأيِّ خبرٍ أتيت اليه أبحث عن عناصِره فعطّرت به روحي ونفسي؟ وبذات عِطره ملأت محبرتي لأكتب بسنّة القلمِ أحرفاً عن سكٍّين الرسم وريشة التلوين وإزميل النحْت بقراءةٍ ورؤيةٍ مرسُومة وفي الذهن لون الحجر والصخر والحديد لإبداعات النحّات برانكوش الثابتة التي لا تتحرك، فأتت بها داشيانا بزوتا إلى العاصمة بوخارست على جناحِ ريشة الرسم وكأنّها تعمّدت أنْ تأخُذنا إليها في مكانها بمدينة تيرقوجيو.

استقبلَت رامونا بوكا، مُنسقة العلاقات العامة والتسويق للشركة المالكة بُرج (سكاي تاور)، ضيوف المعرض في بهو المبنى وقد حوّلت مدخل البُرج الجميل لجاليري مكتمل عناصر التشويق والضيافة. قدّمت رامونا للذين متّعوا أنفسهم بالافتتاح الأنيق فُرصة أنْ يتذوقوا كل شيء، مُشهيات من شرابِ وطعامِ جعلت روعة غسل الأعْيُن باللوحات والوقوف أمامها تكتمِل بالحديثِ حولها مع العديدِ من التشكيليين وذوّاقة الرسم الذين لم يبخلوا بما اكتنزوا من معارفٍ ومُشاهدات. نشأت صداقات بين الكثير من المشاركين تَسْهُل ملاحظتها في مشاهد تبادل أرقام الهواتِف واللقطات الثابِتة والمُتحرِّكة التي لم تبخلْ مُصوِّرة حسناء بابتسامة تفيض عُذوبة، من التقاطها إنْ بآلة التصوير التي تحمِلها ذات التقنية العالية بعدساتٍ مُتعدِّدةٍ الإمكانيّات أو بهاتِفك سريع التوثيق، فتشكُرها مُنتظِراً اللقطات عبر تطبيق (واتساب) الذي يقرِّب كل بعيدٍ.
وفي كلمتها القصيرة قالت رامونا بوكا “يسعِدنا أنّه يمكِننا اسْتِضافة لوحات لفنانين رومانيين معروفين في الخارج، لعرض أعمالهم أمام الجمهور المحلي. إنّه الحدث الأول من نوعه في برنامج خاص بنا لاستضافة الإبداع والمبدعين، ونأمل في القريبِ العاجِل تقديم أحداث ثقافيّة جديدة للجمهور ومُجْتمع (سكاي تاور) ونحن ندْرُس تقديم مسرحيّات وحفلات موسيقيّة يُمْكِن إقامتها في الساحة أمام المبنى”. وبالطبع، يأتي معرض “آفاق” بعد استرخاء الأوضاع العامة في سياقِ جائحةِ كوفيد 19، مع مُراعاة الشروط الصِحيّة القائمة واللازمة.

* رسامتان في عرض واحد:

وبينما احتلِّت لوحات داشيانا بزوتا الجانب الأيسر، توزّعت في الأيمن لوحات ألينا شيوتشيو الجديدة. يبدو أنّ كل اللوحات التي حملتها ألينا للمعارض في العديد من دول العالم لم ترجع بها، والتي أرسلتها لم تعُدْ لها وأصبحت صوراً وحديثاً فلسفيّاً تستعرض به الرسّامة تجرُبتها التي تكتسِب معالم جديدة وتكتشِف مع مرور الزمن آفاقاً تقول هي نفسها إنّها تتجاوز تصوّرها مع أنّها تشدِّد على توقعها والعمل للوصول إليها.

الرسّامة داشيانا بزوتا فنّانة علّمت نفسها بنفسها، مُقيمة في فرنسا حيث تواظب دروسها في ÉCOLE D’ARTS APPLIQUÉS – مدرسة الفنون التطبيقيّة – وهي عضوة في جمعيّة الفنّانين “هيسدين” في فرنسا، وتعمل مُستشارة محليّة. لوحاتها مُستوحاة من الحياة وعواطِفها وروحانيّاتها بشكلٍ خاص، والعديد من أعمالها موجودة في مجموعات خاصة في الولايات المتحدة الأمريكيّة وفرنسا وبلجيكا وهولندا ورومانيا. وتضع سيدة فرنسا الأولى، بريجيت ماكرون، إحدى لوحاتها في قصر الإليزيّه الرئاسي بباريس.

جمع المعرض إعادة تفسير الأعمال الشهيرة التي أبدعها النحّات الروماني الشهير كونستانتين برانكوش في رؤية الرسّامة داشيانا بزوتا التي نقلت لنا بالريشة والفُرشاة واللون، الكثير من أعماله بالإزميل، وأهمها “خط برنكوش” بمدينة تيرقوجيو الذي يمتد من نهاية الحديقة الجميلة بضفة نهر جيو حيث “طاولة الصمت” عبر “بوابة القُبلات” عند مدخل الحديقة الغناء إلى “عمود اللانهاية” الذي ينتصب وسط حديقة ثانية في مدخل المدينة، وهي أشهر ثلاثة أعمال للنحات برانكوش لا يمكن تحريكها لتطوف العالم وتتطلب أنْ تشِدّ الرِحال لرومانيا وتزور مدينة تيرقوجيو لتقف شاهداً على روعة الخيال وعُمق الفلسفة ومعاني تموضع وهندسة جمال التشكيل مع الطبيعة والمكان والمشاعر والإنسان والتاريخ والتطور، باختصار مع الحياة والموت.
وحول المجموعة التي تعرضها قالت داتشيانا إنّها استمدّت إلهامها القوي من النحّات برانكوش، وتضيف “بدأت الفكرة مع اكتشافي أثناء دراستي أنّ العام الحالي يصادف مرور 145 عاماً على مولد برانكوش. وتمثِّل جميع اللوحات أعماله ويتم تكييفها بطريقة شخصيّة، حيث حاولت غرس المزيد من المعنى فيها. أنا أعتبر هذه المجموعة تكريماً لهذا العبقري المُبْدِع كونستانتين برانكوش”.
دعونا، إذن، ننْظُر معاً لكل لوحة على حِدة. نتمعن فيها. نقرأ فلسفة داشيانا حولها.. ومِنْ ثمّ نترك لأنفسنا التكييف الشخصي كما تنتظِر منّا الرسّامة.

* الأزمة الوجوديّة 1 و2 وطاولة الصمت:

حول لوحتيها المسميتين “أزمة وجودية برقمي 1 و2″، تقول داشيانا: “تحتوي طاولة برانكوش على 12 مقعداً… لذا فإنّ اللوحة (الأزمة الوجودية 1) لها استمرارية… واللوحة الثانية تكمل هذا العدد المكون من 12 فتُشكِّل (ين yin ويانق yang)، حلقة من اللانهاية تمثل الوِلادة والمَوت، حيث تتدفق من كأس الوقت إلى كأس آخر، كنِصفِ علامة اللانهاية. من خلال هذا الموت على مستوى مجازي، نولد من جديد”.

وعن لوحة “الحِكمة المخفيّة” التي استلهمتها أيضاً من المثّال الشهير برانكوش “حِكمة الأرض” أو “تأدُب الأرض” التي قال عنها:… إيزيس يجب أنْ تظل مُغطّاة بحجابٍ واحدٍ على الأقل من أحْجِبة جمالها السبعة، أي جمال الغموض – الذي يمنحها التقدير والخلود؛ تقول داشيانا: “أنا أعتبر تلك الأحجبة السبعة هي الشاكرات السبع التي يتمّ تمثيلها في رسوماتي بالألوان المُحيطة بها ويتم تمثيل الخلود بالعناصرِ الأفلاطونيّة الخمسة للهندسة المُقدّسة التي يمكن أنْ تساعدك على المسار الروحي. ولهذا السبب، سوف توازِن بشكل خاص الطاقة في نظامك والبيئة. الحكمة ليست معرفة، بل هي تطبيق للمعرفة”.

الحِكمة المخفيّة
الحِكمة المخفيّة

بالفعل، النظر لِلّوحة، التمعُّن والتأمّل فيها وهي مُستوحاة من “طاولة الصمت”، وتُعبّر عن دائرة كبيرة محاطة بـ “12 كرسي كساعةٍ رمليةٍ”، قد يقودنا إلى أنّها يُمكن أنْ تُمثِّل الوقت، ويمكن أنْ تُمثِّل الرُسل الاثني عشر وبالتالي الحِكمة الإلاهيّة والربّانيّة، ورُبّما أيضاً الصمت على الطاولة قبل المعركة، أيّة معركة.
وتضيف داشيانا: “في لوحتي يُمكن مُلاحظة 8 دوائر، العدد لامتناهٍ… وامرأة في منتصف الطاولة مُظللة بزمنِ الكون…”.
وتستطرد متسائلة: “فماذا تعني الأزمة الوجوديّة؟ وتُعرف أيضاً باسم ليلة الروح المُظْلِمة… وتقول د. زينيا بريتشارد: ليلة الروح المُظْلِمة هي عملية روحيّة يتم فيها دفن بِذرة الحياة في أرضِ المُعاناةِ”.
لا ريب أنّ كل ذلك صورة وإنجاز قويّان لدرجة أنّ ولادة أنفسنا الحقيقية تحدُث عندما نشعُر بالمعاناة وعدم الراحة التي تظهر عندما نكون مرتبكين، ضائعين وفي ظُلْمَة. وقد وصِف ذلك من قِبل الكثيرين بأنّه نوع من الموتِ والبعثِ.

* القُبلة، تحتاج اثنين!”

القُبلة
القُبلة

اللوحة إلهام من منحوتة برانكوش “القبلة”. روحان منفصلتان جسديّاً لكنّهما متحدتان روحيّاً. أبيات شِعرية نظمها (يوجين واي) في قصيدة “لم تَكُنْ هناك دائماً”، تُعبِّر بشكلٍ جيدٍ عن شعور تلك الروح التي لا يغيب عنها الوجود المادي للآخر، وهي تقول:
“الصباحٌ محمومٌ.
حُضْني يفْتقِد دِفئك.
عيونٌ نائمة تُغلِف الضوء الجديد.
أين أنت؟… أنا قلقٌ.
أذهب وحدي، وعينيّ الثقيلة تحسب الدقائق.
بحثت بشكلٍ محمومٍ عن الفراغِ واليأس…
الجسدُ والروح يتوقان إلى ذلك السلام.
أنت تختبئ في أعماقِ نفسي.
ذراعاي ممدودتان إليك،
يصيبني العمى من ضباب يأسي، ولكنني أرى ابتسامتك
وفي تلك اللحظة أنا محاصر إلى الأبد …
في تلك الأذرُع الممدودة أنا مُحاط بالسعادة …
سوف أبقى معك”.

* … وبعد..
في الحلقة الثانية أواصل وأكتب عن الرسّامة ألينا شيوتشيو وتجربتها والتقنية التي تستعملها في التشكيلِ وكيف بدأت الرسم وماذا كانت تفعل قبل أنْ تحترِفه، وكيف تبيع لوحاتها؟

زر الذهاب إلى الأعلى