مقالات وآراء

التنقاري: كيف لا أعشق جمالك..؟!

مرتضى الغالي

علي محمود التنقاري محطة مهمة (وليست سندة) في الشعر الغنائي السوداني وهو من (أهل الفترة) الذين ربطوا أغنية الحقيبة بالأغنية الحديثة. وهذه التسميات للمدارسة فقط.. لأن كلا الفترتين من فترات الحداثة بمعيارها الزمني..! والتنقاري تميّز بنوع من الحداثة الاجتماعية والفنية وهو تاجر التجزئة التقليدي الذي لم يتجاوز تعليم الخلوة لكنه كان (طليعياً) وشكل ثنائية مع عائشة الفلاتية وهو مُجلبب مُعمّم ينظر إليه كثيرون باعتباره من الحرس القديم.. فتأمل..! 

وقد دفع بالفلاتية إلى مراقي لحنية غنائية عذبة واسهم في إعلاء نجوميتها.. وقدم لها أغاني غاية في الروعة حتى أصبحت على ما هي عليه..بداية من أغنية “الحبايب” (عني مالن صدوا واتواروا)  و(أنا بحبك يا مهذب) و(التجني) والأغنية الرائعة (ألحان الربيع معرض الزهور.. غني يا طيور غني) ثم أغنية (من دار الإذاعة) وهي فريدة في بابها تنويهاً بدور الإذاعة وسيرورتها..! والتنقاري كما اشرنا من العصاميين الذي لم يمروا على التعليم النظامي ولكنهم فتحوا المغاليق وشقوا طريقاً عجيباً في (تفصيح الدارجية) بحيث يصبح من العسير أن تفرّق بينه وبين الشعراء (المثقفاتية) مثل بازرعة وحسين عثمان منصور ومبارك المغربي الخ..! وانظر إلى هذه اللغة التي كتب بها مبكراً لعثمان حسين “كيف لا اعشق جمالك”: (بسمتك توحي الأغاني.. أسمي آيات المعاني..

في هواك لاقيت هواني.. وبيهو راضي.. مُعترف قلبي ولساني.. تندي زي زهر الخميلة.. عالية أخلاقك نبيلة.. ويخجل البدرين هلالك)..!  ثم “أنتَ رافل في نعيمك.. بس أنال منك جحيمك..؟ قوللي كيف اظفر بليمك..؟ ناري تُطفا..روحي ترقا.. في سما العز زي كمالك)..! هذه من الأغنيات التي صعد بها نجم عثمان حسين.. وزامنت “كيف لا اعشق جمالك؟” أغنية “حارم وصلي مالك؟” لصديقه عتيق.. وكم كانا صديقين يُعجب كل منهما بالأخر.. وكلاهما من نوابغ شعراء الأغنية..!! 

غير أغنية (تحدي) التي غناها رمضان حسن وشغلت الناس: (أنا سلمتو قلبي وقايلو أمين عليهو /تحداني وجفاني ونسى إخلاصي ليهو) وأغنية محجوب عثمان ذائعة الصيت: (كتير يا روحي مشتاق ليك) وأخطر منها (مالو قلبي الأسروهو) للتنقاري أغنية أسبق (مثل الموشحات) غناها كرومة وعلي أبو الجود ثم خلف الله حمد: هي (سهران دمعي ساكب..أنا بهوى الكواكب).. ويختم احد مقاطعها ويقول:( عني بعديد سماها..وطرفي إذا رآها..قلبي يزيد عناهو وروحي يتم مناها.. قسماً بي البراها.. هي روح المسالمه وهي تاج المواكب..!) ثم يقول (لو نظرت عيونك في نور وجنتيها.. من غير شك تآمن كل الحسن ليها.. وتغريك بالوسامة.. وتشفيك بابتساما.. وتسكر من كلاما.. وأدبا واحتشاما.. وأحذر من سهاما ومن قوس الحواجب..)!!

 دكانه كان قريباً من (زنك اللحمة) وهو غير بيع الأواني المنزلية كان منتدى للمسامرة (واختلاس النظر)…فما ظنك بزبائن دكان يبيع (العدة)..؟! ومن أين يكون التزوّد بشحنات الإبداع..؟! ومع الأغاني الوطنية والدينية كتب (اجري يا نيل الحياة) وغناها عبد العزيز داؤود.. وهي ترميز وطني للنيل ..وفيها ( إنتَ ينبوع من جنان.. يتهادا في رقة وحنان.. إنتَ في تُربك جُمان.. إنتَ لي شعبك أمان.. إنت من قِدَم الزمان.. لينا شريان الحياه..) أغنية تؤكد فتوة العصامية وتجعل من النيل (أرغولاً) للتاريخ ومصدراً للحياة ..وهي تضع التنقاري في منافسة مع أمير الشعراء احمد شوقي في أغنيته (النيل نجاشي حليوة اسمر) التي غناها محمد عبد الوهاب وأيضاً أغنية (النهر الخالد) لشاعر مصر الكبير محمود حسن إسماعيل صاحب (أغاني الكوخ)..ولن يكون  التنقاري وأغنيته إلا في المقدمة..!! 

عاش بين حي العرب والمسلمية وسوق أم درمان وخلّد حي الإبداع بأغنيته (تلقى الدنيا باسمه والأيام طرب.. هنا في حي العرب..)..!!  وكان من أصحاب الباع الطويل في التلحين وتظهر كلماته مصحوبة بألحانها ..ومن الملاحظ أنه يبدأ أغنياته بالتساؤلات؛ كيف لا اعشق جمالك؟  مالو قلبي الأسروهو..؟!

كتير يا روحي مشتاق ليك.. تغيب عن بالي إيه بان ليك..؟ أنا بحبك يا مهذب.. إمتي ترحم قلبي المعذب..؟! و ايه دا يعني إيه التجني..؟!  وهلمجرا..!!

[email protected]

 

 

‫3 تعليقات

  1. صحافى عظيم ، أديب أريب ،فنان مبدع ورَقَمِىٌّ (Digital)مبتكر ،حفظك الله وبارك لك وفيك أيها الدكتور الحق فبعد أن أنِرت لنا الطريق فها أنت تريح أعصابنا بطرقك الخاصة فلك ألف شكر.

زر الذهاب إلى الأعلى