مقالات سياسية

العنصرية في بريطانيا وأمريكا والسودان

يوسف السندي

تفاجأ العالم بردة فعل مجموعات من الانجليز البيض بعد هزيمة منتخب بلادهم لكرة القدم في نهائي بطولة أمم اوربا، حيث صبوا جام غضبهم على اللاعبين السمر الثلاثة الذين اضاعوا ركلات الترجيح، ووجهوا إليهم اهانات عنصرية مريرة، ثم تمدد هذا الهجوم العنصري من المرضى والمهووسين عبر وسائل التواصل الاجتماعي ليشمل كافةالسود في بريطانيا. هذا الفعل مثل صدمة عبر العالم، فبريطانيا كان ينظر إليها كرائدة في مجالات التنوع والحقوق واحترام الاخر، ولكن الانفجار العنصري الاخير جعل الكثيرون يسقطون هذا الاعتبار ويعتبرون أن الغلالة الرقيقة التي كانت تغطي ما يدعون انه رقي وتحضر قد انكشفت وابرزت عن وجه عنصري قبيح.

لم يفق العالم بعد من صدمة مقتل جورج فلويد الرجل الأسود على يد شرطي ابيض في أمريكا، فجاءت هذه الممارسات الأخيرة في بريطانيا لتثبت ان حتى أفضل شعوب العالم المتحضر تعاني من عنصرية متجذرة لم تمحوها الحضارة ولا الرقي ولا التطور العلمي، وأن هذه الروح العنصرية البغيضة مازالت متجذرة في الكثيرين وتنتظر فقط فرصة سانحة لتظهر وتسفر عن وجهها القبيح. وهو ما يجعلنا نتسأل؛ اذا كانت هذه هي ممارسات شعوب العالم الاول المتحضر، فماذا نتوقع من شعوب العالم الثالث الغارقة في ظلام الجهل والتفاوت الطبقي!! هذا العالم للاسف مازال مكانا غير مثاليا لحياة الكثيرين.

سوف تجاهد أمريكا وبريطانيا زمانا طويلا من أجل ان تمحوا هذه الصورة العنصرية التي ظهرت في مقتل فلويد وفي اتهام لاعبي كرة القدم الملونين، فأصعب ما يمكن أن يواجهه اي مجتمع هو خطاب العنصرية وخطاب الكراهية، فهذه الأشياء ليست سلاحا يمكن قتل صاحبه ولا جريمة مادية يمكن معاقبة مرتكبها بالسجن، وإنما هي جريمة نفسية لا يمكن رؤيتها ولا قياس اثرها ظاهريا، تسري وتتفشى كالفيروس بين الجماهير، وتملك من القوة ما يجعلها قادرة على تدمير الوحدة الحضارية والقيم الأخلاقية للشعوب، وزراعة الكثير من الأمراض الإجتماعية داخلها، مما قد يكلفها لعقود للتخلص منها.

هذا العالم يجب أن يطهر من العنصريين ومن مرضى الكراهية، فالإنسانية لا يمكنها أن تتطور أكثر في المستقبل اذا كانت هذه الأمراض ماتزال كامنة ومستعدة للظهور والاسفار عن وجهها الكالح، أفضل اللاعبين في عالم كرة القدم اضاعوا ضربات الجزاء، ليس لأنهم لا يعلمون كيف تسدد ركلات الجزاء، وإنما لأن هذه الركلات بالتحديد هي ركلات حظ لا تعتمد سوى على الحظ ولا شيء سواه، ولا يمكن لأي عاقل أن يلوم لاعبا أضاع ضربة جزاء. ولكنها العنصرية البغيضة والشعور البهائمي بعقدة اللون التي تتحين الفرص لتطل بوجهها القبيح فتحيل العالم مكانا مظلما وغير اخلاقي.

محاربة العنصرية ومواجهة خطاب الكراهية في بلادنا يمثل أحد أهم الخطوات المطلوبة لبناء دولة العدالة والحقوق بعد ثورة ديسمبر، ومن المؤسف أن دولا نعدها نموذجا نتطلع اليه تصدمنا بهذا الوجه القبيح، مما يؤكد أن علينا الاعتماد على إيماننا فقط وليس الاخرين، علينا التحلي بايماننا الذاتي بالأخلاق والمثل العليا والطبيعة الإنسانية والقيم الدينية السمحة لمواجهة خطاب العنصرية والكراهية، وأنا لمنتصرون بإذن الله.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى