مقالات وآراء

شخصيات في الخاطر (2-2) إدوارد سعيد (1935-2003 )+

حامد فضل الله \ برلين

والآن إلى النقد الغربي:  

يقول بعض ناقديه من الغرب: الذين اعتبروا عمل سعيد مضللاً وظالماً مثل دينس بورتر القائل، أن سرد سعيد غير مترابط تاريخيا وأن فهمه للقومية والصراعات الدائرة حولها أعقد من فهم سعيد وما يدعيه من معرفة عنها. ويرى جاك بيرك أن سعيد قد أدى خدمة مضادة لمواطنيه حيث جعلهم يعتقدون أن هناك تحالفاً غربياً ضدهم. ويقول روبرت يونج، سعيد مخلوق رومانسي مغترب عن وطنه ونقده نابع من هذا المنطق ليس أكثر. وتقول الناقدة البريطانية فاليري كينيدي: “سعيد كناقد أدبي وثقافي وكمعلق اجتماعي، شخصية عظيمة جداً وأحياناً شخصية جدلية في الحياة الثقافية المعاصرة، وهو واحد من أولئك الذين أجبروا الغرب على الاعتراف بالصلة بين ثقافته الخاصة الميتروبوليتية والعالم غير الغربي ، والقبول بالحقائق التاريخية والملابسات المستمرة لماضيه الاِمبريالي، و سعيد هو صوت المحيط المهمش في المركز الغربي ونموذجاً حياً ومثالا يحتذى عن المثقف الملتزم في أواخر القرن العشرين. فلقد ساعد على تغيير الطريقة التي يتم من خلالها فهم وتمثيل الوضع في الشرق الأوسط في المجتمع الثقافي وفي وسائل الاِعلام في الولايات المتحدة الأمريكية. علاوة على ذلك، لم يقتصر دفاع سعيد عن الضعفاء والمضطهدين والمحرومين وعلى الفلسطينيين، ولكنه دافع عن فكرة حقوق الاِنسان العالمية، بعيداً عن الارتباط الحصري المعتاد لهذه الفكرة بالفكر الأوروبي.” 

يقول المؤرخ الفرنسي المعروف ، كلود كاهين: “كتاب الاستشراق قائم على هيئة النبرة الجدالية والمماحكات، ويتضمن بعض الأفكار المهمة عن العلاقات بين الاستشراق والاستعمار. ولكن نظراً إلى أن المؤلف غير مطلع بشكل دقيق على انتاجات كل بلد أوروبي في مجال الاستشراق، ونظراً لأن اطلاعه متفاوت القيمة على هذا الانتاج، ونظراً لأنه لا يميز بالشكل الكافي بين الأدبيات الاستشراقية المبتذلة أو الصحفية ، وبين بحوث العلماء الحقيقيين، فأنه يرتكب أخطاء فاحشة ويقع في ظلم عظيم.”

يعلق مكسيم رودنسون العالم الفرنسي على كتاب الاستشراق بطريقة غير مباشرة و دون ذكر أسم سعيد: “بأننا إذا ما دفعنا قليلاً ببعض تحليلاته وصياغاته وقعنا في أحضان عقيدة مشابهة تماماً للعقيدة الجدانوفية (نسبة للباحث والمفكر الروسي اندريه جدانوف) القائلة بوجود عِلمين: عِلم بورجوازي وعِلم بروليتاري. في الواقع أن كلا العِلمين، اللذين تحدث عنهما جدانوف واتباعه ومقلدوه كان قد حددا بشكل مختلف طبقاً للتحيزات الأيدولوجية والأهداف السياسية والأصول الاجتماعية.”

يقول بيرنارد لويس، إن الممثل الأكبر لمناهضي الاستشراق في الولايات المتحدة الأمريكية اليوم هو إدوارد سعيد: فالمحدوديات الزمانية والمكانية والمضمونية التي يفرضها سعيد بالقوة على موضوعه، تسهل عليه عملية إدانة الاستشراق. بل تبدو ضرورية لتحقيق هدفه، فمثلاً عندما نتمعن في أسماء المستعربين وعلماء الاِسلاميات، الذين ذكرهم، نجد كثيراً من الشخصيات الكبرى مهملة وغير مذكورة على الاِطلاق. 

 من الأهمية الإشارة هنا بأن بيرنارد لويس يعتبر واحداً من أهم المستشرقين في العالم الأنغلو – ساكسوني، غزير الأنتاج، وقدم خدماته للكولونيالية البريطانية والأمريكية وقوي التأثير، خاصة على تيار المحافظين الجدد، الملتفين حول جورج بوش الأبن.  وبرنارد لويس يهودي صهيوني متعصب وتأويلاته مغرضة ويجعل منها حقائق ثابتة ليرسخها في عقول القادة والمواطنين في دول الغرب. ويكفي أن نشير بأن صموئيل هنتجتونن صاحب كتاب “صراع الحضارات” هو تلميذ لويس، وفرنسيس فوكوياما، صاحب كتاب “نهاية التاريخ وخاتم البشر” هو تلميذ هنتجتون. وكما يقول المثل “النار تلد الرماد”.

وإرنست جيلنر، الذي يقول كان يجب على سعيد أن يبدي على الأقل الشعور بالامتنان الذي لعبته الاِمبريالية في نقلها للحداثة.

ويقول مصطفى مارتوش مثلا: أن نقد الغربيين لسعيد يستمد ثقله من انتسابهم للأكاديمية الغربية، لكنه في حقيقته عبارة عن سباب وشجب وإدانة لأفكاره دون فحص ومحاولات حقة لفهمه. ولعلني أضيف، بأن سعيد أشار إلى المنجزات الفذة لبعض الباحثين من أمثال جاك بيرك ومكسيم رودنسون … 

والآن لننظر ما يقوله أهلنا الألمان عن سعيد:

واقدم هنا بعض أراء بعض الكتاب الالمان بتوسع، حيث القارئ العربي قليل الاطلاع على ما ينشر باللغة الألمانية، كما أن سعيداً لم يتعرض للاستشراق الألماني، بالرغم من أشارته إلى الصيت المدوي الذي اكتسبته البحوث الألمانية في نحو منتصف القرن التاسع عشر والاشارة إلى بعض كبار الباحثين مثل مولر، بيكر، ونولدكه. الاستشراق الألماني سوف يكون أحد موضوعات ندواتنا القادمة.

 أولاً: كتاب “الاستشراق بعد صدور الترجمة الالمانية الثانية (2009). 

يكتب فولفغانغ غنتر ليرش، الذي درس العلوم الاِسلامية والفلسفة، في صحيفة فرانكفورتر الجمانية بتاريخ 30 سبتمبر 2003 .

 ان الكتاب الكلاسيكي (الاستشراق) لـ إدوارد سعيد وضع السياسة والعلم في حالة من الفوضى. أن نظريته، بان الشرق ما هو الا اختراع أيديولوجي غربي، لا تزال تثير استفزازا كما في السابق. هل ساهم الباحثون الغربيون، وايضا الكتاب والشعراء والفنانون، أثناء فترة الامبريالية والاستعمار، في خلق الشرقيين (شرقنة الشرق)، بهدف الهيمنة عليهم، وبالتالي التمكن بسهولة من اضطهادهم؟ إن الطبعة الجديدة سوف تنعش النقاش بين المستشرقين وعلماء الثقافة، خاصة مع تفاقم الاوضاع بعد “11 سبتمبر / أيلول 2001”. لقد رسم الفرنسيون والبريطانيون- حسب وجهة نظره – خصائص جوهرية تمثل “نحن” “وهم” (الذات والآخر) “. فخلافا للأوروبي، الذي يتعامل بفعالية، يفكر منطقياً وماهراً، يتفاعل المرء مع الشرقي ليس كعاطفي حالم فحسب، بل ايضا لا يفكر بعقلانية، علاوة على ذلك متقلب ويتعامل بأسلوب حدسي والذي لا يستطيع ان يحكم بنفسه، الا من خلال الاستبداد الشرقي، وفي عين الوقت يؤمن بالقضاء والقدر، كسول، وينزع الى القسوة واللذة الحسية – تصور يعود الى الجدالات المسيحية في العصور الوسطي. ان التعليقات الأكثر أهمية لهذا النص الكلاسيكي، تشير الى فقرات للمؤلف، التي وجدت ترحيباً كبيراً من العناصر الإرهابية المتطرفة في العالم الاسلامي، فالمنطقة التي تفكر بأسلوب المؤامرة وجدت تفسيرات مريحة ومبررات لتخلفها التاريخي، فينسبون فشلهم الذاتي الى مكائد الآخر الخبيثة.

وكتب فالتر لاكُور، ــ وهو مؤرخ وناشر أمريكي من أصل الماني يهودي ــ مقالاً بعنوان “هجمات سعيد ضد الغرب” في صحيفة دي فلت بتاريخ 26 سبتمبر 2009:

“لم يشهد سعيد نجاحه الساحق، مع صدور الترجمة الألمانية لكتابه الكلاسيكي “الاستشراق”. كما لا يوجد خبير يعطي أي اعتبار لنقد هذا الفلسطيني من طرف واحد ضد أوروبا والغرب. ورغم ذلك فالكتاب من أكثر الكتب مبيعا في الغرب. دَرَسَ سعيد أساسا الاستشراق الأكاديمي وايضا انطباعات واوصاف السياسيين الاوروبيين والرحالة والكُتاب ولكن ما قاله، ليس فيه الكثير من الخير. ركز سعيد بشكل حصري تقريبا على البلدان العربية. لا يجد القارئ في كتابه، الا القليل أو لا شيء عن الهند أو شرق – ووسط آسيا او تركيا أو إيران. وهذا مما يدعو لِلاِستغراب، فسعيد كان سيجد حتما المزيد لأطروحاته في الوثائق الهندية، مقارنة بالبلدان العربية. لقد كانت الهند تحت السيطرة البريطانية لمائتي عاما تقريبا وأكثر من خمسمائة عام تحت السيطرة الاسلامية، بينما كان تأثير الامبريالية الغربية على البلدان العربية ــ التي كانت تنتمي الى الامبراطورية العثمانية ــ لعقود قليلة فقط. لقد ظهرت في السنوات الأخيرة مجموعة من الدراسات، التي قدمت نقداً صارخاً لكتاب سعيد، كمثال روبرت أرفين، ووصفه بـ “معرفة خطيرة”، ولكن توجد مجموعة من العلماء الذين يحترمون ويقدرون سعيد أيضاً، وهم ينتمون الى جيل المستشرقين الشباب وعلماء الثقافة وكذلك القوميين العرب والأصوليين الاسلاميين الذين استقبلوا الكتاب بحماس في ذلك الوقت. فسعيد لم يكن قومياً عربياً “ناصرياً” ولا اسلامياً متعصباً. لقد أظهر سعيد استياءه من الترحيب القومي العربي والإسلاموي، وقد أُسيء فهمه، حسب قوله، كما جاء  في إصداره الأخير (1993 و 2003 ). ولكن يرى فالتر لاكور، أن هذا خداع النفس، فغالبية القراء أولوا نصوصه تماماً كما جاءت في كتابه. ويواصل، لقد كان سعيد في الواقع شخصية منقسِمة (منفصمه) وربما مأساوية. فبالرغم من جميع انتقاداته للغرب، فهو يعلم بأنه ينتمي إليه. موسيقاه، أدبه، فلسفته ذات طابع غربي. لقد أظهر سعيد قليلا من الاهتمام بالأدب والموسيقى والفلسفة الشرقية مقارنة بالمستشرقين الذين حط من قدرهم.

في ذكرى إدوارد سعيد كتب يورج لاو وهو باحث في قضايا الهجرة والاندماج والاِسلام في أوروبا، مقالاً في صحيفة دي سايت بتاريخ 25 سبتمبر 2003 بعنوان “تأثير قوي ومثير للجدل” جاء فيه:

” لقد كان سعيد مثقفاً مؤثراً بقوة ومثيراً للجدل في المجال العام. ارتبط عمله العلمي جنبا الى جنب مع التزامه السياسي. لقد فضح الخطاب الغربي عن الشرق، كأداة للإمبريالية والاستعمار. وكتابه الأشهر “الاستشراق” كشف عن تأثير هائل. لقد أصبح الوثيقة التأسيسية لاتجاه خاص في الدراسات الثقافية، دراسات ما بعد الاستعمار (ما بعد الكولونيالية). لقد رفع عنهم عبء شرح البؤس الثقافي والسياسي والاجتماعي، الذي عمَّ أجزاء عديدة من العالم العربي بعد عقود من نهاية الاستعمار. ان تحميل الغرب كل مشاكل العالم الاسلامي، ونقد سعيد إجمالياً للتراث الكبير والقيم والخير للاستشراق ودمغه كحامل لقوى ظلامية للتاريخ، الحقت ضرراً كبيراً في العالم الفكري للشرق الأوسط. لقد انتقد سعيد الأنظمة العربية، وهاجم ياسر عرفات بعنف، وأدان الطغاة مثل صدام حسين وحافظ الأسد، وشَهَّرَ وشَنَعَ بالخميني في قضية سلمان رشدي. ان وضعه في نيويورك، اتاح له الحرية، التي يحلم بها المثقفون في أوطانهم.

ربما يتساءل بعض قراءة نصوص سعيد، كيف استطاع أن يصبح ــ في هذه الثقافة الغربية السادرة في غيها ومع ضيق أفقها!! ــ استاذاً في جامعة كولومبيا وواحد من أبرز المثقفين (المفكرين )، وشخصية مؤثرة ومرموقة، أكاديميا وعلى الحيز العام. سيبقى تراث سعيد السياسي في النهاية متناقضاَ، وهذا لا ينطبق بالطبع مع التزامه الحقيقي في التعاون مع صديقه دانيال بارنبويم. لقد حاول الأثنان مراراً من خلال الندوات والحفلات الموسيقية مع فرقة سيمفونية من الشباب الفلسطيني والاِسرائيلي ــ استخدام الفن كجسر للتفاهم بين الجبهات المتصارعة. وكان سعيد نفسه عازف بيانو ماهر ومتخصص وبحماس جارف في النقد الموسيقي. ويختتم لاو مقاله: “وربما يستطيع الأمل في الموسيقى كقوة روحية قادرة على شفاء النفوس بأن يحيي الاعتقاد الاِنساني بإمكانية التفاهم بين البشر، ذلك الاعتقاد الذي كان إدوارد سعيد قد فقده في لحظة ما خلال مسيرته”.

ثانيا: “كتاب الثقافة والاِمبريالية”

  يكتب فرانز نوشيلر، أستاذً السياسة الدولية والمقارنة في جامعة دويسبورغ إيسن سابقا، بعد صدور الترجمة الألمانية لكتاب الثقافة والاِمبريالية في عام 1994 مقالا في صحيفة فرانكفورتر الجماينه تسايتونج | 27 يونيو 1995 بعنوان :” الثقافة ساحة معركة أيديولوجية، إدوارد سعيد عن الخيال والسياسة في عصر القوة الإمبريالية”

تكتب صحيفة واشنطن بوست: مع هذا الكتاب بدأت “مرحلة جديدة يمكن فيها للدول الصناعية أن تفهم نفسها حول ممارستها الجغرافية السياسية والثقافية للسلطة”. ويقول نوشيلر، سوف تكون قيمة الكتاب الأمريكي المترجم  إلى الألمانية بالكاد، لو أقتصر على إثراء معرفة تاريخ الإمبريالية الأوروبية أو حتى استخدام عصا الدعاية للنقد الماركسي للإمبريالية فقط.. ما الذي يميز هذا الكتاب؟ المؤلف عربي من مواليد القدس ، وبعد دراسته في جامعتي هارفارد وييل المرموقتين ، يقوم الآن بتدريس الأدب المقارن في جامعة كولومبيا في نيويورك – وهو متجول بين “عالمين دون أن يكون في بيته بالكامل في أحدهما أو الآخر”،  لكنه لا يزال عربيًا يفسر الإمبريالية من منظور الشعوب والثقافات الأجنبية.

سعيد ليس مؤرخًا، وإنما عالم في الأدب، ولكنه درس بدقة التاريخ الأدبي للإمبريالية البريطانية والفرنسية والأمريكية. لذلك فهو يتجول أيضًا بين علمي التاريخ والأدب. بالنسبة له ، تعني الإمبريالية في البداية الخضوع والهيمنة والوصاية أيضاً. لكنه ليس مهتماً جداً بحكم حفنة من القوى الاستعمارية الأوروبية على أكثر من 85 في المائة من سطح الأرض، والذي تم إنشاؤه بالجنود والمدافع، ولكن بالإمبريالية الثقافية المزروعة في رؤوس الحاكمين والمحكومين بالأفكار والصور، والتخيلات، “بادرة تدجين حضاري”. فموضوعه هو العلاقة بين السلطة والثقافة، أو الأفضل: استخدام الثقافة لتأسيس وتبرير والحفاظ على السلطة. إن موضوع بحثه، الذي يحاول به تعقب آليات العمل الدقيقة للإمبريالية الثقافية العنصرية، هو الأدب وخاصة الرواية، التي يوليها أهمية كبيرة في تطوير المواقف الإمبراطورية. لكن السؤال الذي لا يزال يجب طرحه، هو ما إذا كان عالِم الأدب لا يبالغ في تقدير مهنته كوسيلة للتنشئة الاجتماعية ذات التأثير الجماهيري.

“الخيال والسياسة في عصر القوة “- هذا هو العنوان الفرعي لكتابه – يركز سعيد على بعض الروايات على أنها” نتاج خيال إبداعي أو تفسيري” ثم يصف مكانها في شبكة العلاقة بين الثقافة والهيمنة. هذا البحث عن آثار أنماط الفكر الإمبراطوري في روايات ديكنز ، وكيبلينج ، وكونراد ، كامو أو لـ أوبرا عايده لفيردي. الذين قرأوا هذه الروايات، سوف يضطرون إلى إعادة قرأتها من جديد، بحثا عن ما لم يكتشفوه من قراءتهم السابقة وكشفها لهم سعيد “لفتة للتدجين الحضاري”. أي شخص قرأ الفصل العبقري من عايده لفيردي، سوف يستمع ويشاهد أداء الأوبرا بشكل مختلف الآن. 

هذا البحث عن الآثار جزء لا يتجزأ من إعادة بناء عميقة للتاريخ الأدبي والفكري للقرنين التاسع عشر والعشرين، الغني بالأفكار الأصلية حول الحساسيات العقلية للقوى والإمبراطوريات الثلاث فرنسا وبريطانيا العظمى والولايات المتحدة. هذا التائه العربي بين العالمين يضع أمامهم مرآة تتبلور فيها الغطرسة الثقافية. ويكتشف طبقات من سوء الفهم والأحكام المسبقة التي تعتبر مهمة لفهم أعمق للتاريخ الاستعماري وما بعد الاستعمار. لا تعني الثقافة، بالنسبة له، مجالاً لسُمو ونبالة أبولونية (من أبوللون \ أبولو\ أبوللو )، بل تعني نوعًا من المسرح الذي يمكن أن يصبح ساحة معركة للخلافات السياسية والأيديولوجية. يجب على أي شخص يرغب في المشاركة في مناقشة سيناريو صموئيل هنتنغتون لـ “صدام الحضارات”، يجب عليه أن يقرأ بالتأكيد الجزء الثاني من الكتاب، الذي يكشف الجدل بين السلطة والمقاومة بشكل أعمق بكثير من جدل هنتنغتون.  والذي يرغب في فهم “الانتفاضات ضد الحداثة” والبحث عن الهويات الثقافية ، فعليه قراءة كتاب سعيد، فهو يسعى بحساسية إلى التفاهم بين الثقافات. لذلك فإن نهاية الكتاب ليست مفاجئة: لا يرى العرب الذين يعيشون في أمريكا أي سبب للإصرار على “انفصال الثقافات وعدم قابليتها للمقارنة”: ” أن البقاء على قيد الحياة مرتبط بالصلات بين الأشياء”. 

إنه يرى إنجازًا تاريخيًا عظيمًا للإمبريالية، في توطيد مزج الثقافات والهُويات في جميع أنحاء العالم، و يرى في عين الوقت بأنها تقوم بفعل أثم، حيث أنها تجعل الناس يعتقدون بأنهم، بشكل أساسي أو حصري، إما أنهم “بيض أو سود، أو أنهم غربيون أو شرقيون” فقط. 

قد يجادل المرء في بعض الأطروحات أو حول بعض التفسيرات التاريخية في الكتاب . ولكن سوف يواجه علماء الأدب ً قبل كل شيء ، تحدياً، ويسألوا أنفسهم عما إذا كانوا قد فسروا بشكل صحيح، على سبيل المثال، “كيم” كيبلينج في الفضاء والزمان (الهندي). كما يتم تشجيع المؤرخين على تضمين روح العصر في الروايات بشكل أوثق في تفسيراتهم للسياسة الإمبريالية. يستطيع علماء السياسة والسياسيين أن يعيدوا قراءتهم بدقة، عن كيف تصبح الثقافة في خدمة السلطة. هذا الكتاب الذي ألفه متجول بين الشرق والغرب هو قبل كل شيء تحفة تعليمية للتفاهم بين الثقافات.

يصبح أي كتاب ذا قيمة عندما تتعلم منه شيئًا. يمكن للمرء أن يتعلم الكثير من كتاب سعيد: حول تاريخ الإمبريالية والتاريخ الروائي، وحول التفاعلات بين الاثنين، وحول قدرة المرء على التعرف على مثل هذه التفاعلات. إنه كنز دفين من الاعتبارات الأصلية ليس للمؤرخين وعلماء الأدب فحسب،  بل لكل من يتعامل مع الثقافة والسياسة، إنه يجعل من السهل فهم ما يجري والذي قرئ هنتنغتون إلى رسم سيناريو حرب ثقافية دولية. كتاب سعيد مفيد للغاية وغني بالمعلومات، ويشكل تحديًا، وعلى الرغم من صعوبة قراءته في أجزاء منه، ولكنه مثير في عين الوقت..

ـ وإلى ملاحظتين قصيرتين:

الأولى:

ــ يكتب ستيفان فايدنر الباحث في العلوم الاِسلامية والمترجم الرصين، معلقا على الترجمة الألمانية لكتاب “الاستشراق”، أن أول نقل ألماني لهذا الكتاب ليس خالياً من العيوب، وللأسف فإن الترجمة الجديدة ليست أفضل من تلك. لقد تمت بإهمال مذهل وجمل غير مفهومة تماماً، أنه نص مشوه، هذه الترجمة لا تليق بهذا العمل الفريد والهام ولا بمؤلفه عالِم الأدب الفلسطيني الأمريكي الجليل.

الملاحظة الثانية” 

ــ صدر في مجلة ميركور الألمانية للفكر الأوروبي عدد 865 يونيو 2021، مقالا بعنوان: “تاريخ نشأة كتاب الاستشراق لاِدوارد سعيد، والمقال المترجم عن الانجليزية، مأخوذ من النسخة الأولية لكتاب قيد الطبع بعنوان “أماكن العقل: حياة إدوارد سعيد، لتيموثي برينان، أستاذ الأدب المقارن والدراسات الثقافية في جامعة مينيسوتا \ مينابولس.  لعلني أضيف، على الرغم من مرور 43 عاماً على صدور كتاب “الاستشراق”، و18 عاماً على رحيل سعيد، لا يزال الكتاب وكتابات سعيد الأخرى تشغل العالم الفكري والأدبي والثقافي في أمريكا. 

ما قدمته، ما هو إلا مدخل إلى عَالم العِالم الاِنساني الفذ إدوارد سعيد. وهو القائل في نص معبر ” أقصى ما يمكن أن يحققه المرء الرضا المهني، الذي لا يلبث أن ينازعه الشك، والحاجة إلى إعادة الكتابة إعادة العمل التي تجعل النص غير قابل للسكنى، ويواصل هذا أفضل، على أية حال من الخلود إلى الرضا بالنفس وإلى حتمية الموت”. 

ولعلني أختتم:

يقول توني تنر أستاذ الأدب في جامعة كيمبردج، عندما سمع، بأن إدوارد ينوي العودة إلى مسقط رأسه القدس، ليعيش هناك، أنني لا أشك في صدقه أو في حبه لفلسطين، بل لأن إدوارد سعيد يحتاج إلى مدينة لا تقل حجما عن نيويورك، حتى تستوعبه، وإلا فستكون حياته أشبه بحياة السمك خارج مياه البحر.

قيل للروائي السوداني الشهير الطيب صالح ، بعد مرور أقل من عام على رحيل إدوارد: إن إدوارد سعيد أسطورة جميلة، فرد الطيب على الفور: وستزداد الأسطورة جمالاً مع الأيام.

ظهر في خمسينيات القرن المنصرم فنان شاب “مغني” سوداني، جاء مثل الوعد الصادق ومر كالبرق وغاب كسحابة صيف وخلد اسمه بأغنية بعنوان “كان بدري عليك” كان يؤديها بعنفوان صوته الشبابي الشجي وبنبرته الحزينة الحنونة. وانا اقول:

إدوارد سعيد يا عصفور فلسطين: كان بدري عليك وعلى وداعك، رحلت ولن يخبو شعاعك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

ــ أعمال إدوارد سعيد:

ــ الاستشراق ص. 70،409. والثقافة والامبريالية، ص 269، 270، 292

ــ المثقف والسلطة ص 21 و 198.

ــ عن الأسلوب المتأخر، موسيقى وأدب عكس التيار: ص 8 المقدمة.

ــ فاليرى كينيدي، إدوارد سعيد، مقدمة نقدية. المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2016،  ترجمة ناهد تاج هاشم

ــ مجلة فصول، الهيئة المصرية العامة للكتاب، العدد 64 صيف 2004 ص.101، 106، 124، 146، 149، 188، 189 .

ـــ  صادق جلال العظم،  ذهنية التحريم، سلمان رُشدي وحقيقة الأدب، دار الساقي، 1992

ــــ هاشم صالح (إعداد وترجمة)، الاستشراق بين دعاته ومعارضيه، دار الساقي 1994

* صبري حافظ، مجلة الدراسات الفلسطينية، المجلد 15، العدد 59 (صيف 2004). 

– Timothy  Brennan, die Entstehungsgeschichte von Edward Said „Orientalismus“, Merkur ,Juni 2021, Nu. 865 

*ولد إدوارد وديع سعيد في القدس في فلسطين عام 1935 وتوفي في 25 ايلول \ سبتمبر2003.    بدأ حياته الدراسية في القدس والقاهرة وبيروت، ثم الذهاب في سن مبكرة إلى أمريكا، هناك أكمل الدراسة الجامعية، ليصبح بعد ذلك أستاذا للغة الانجليزية وآدابها والأدب المقارن في جامعة كولومبيا حتى رحيله.

برلين 16 يوليو 2021

– E-mail: [email protected]

 

     

    

 

زر الذهاب إلى الأعلى